تنشر"الحياة"بدءاً من اليوم مقاطع من كتاب DANGER AND OPPORTUNITY"الخطر والفرصة"للديبلوماسي الأميركي ادوارد دجيرجيان الذي عمل في سفارة بلاده في بيروت، وكان سفيراً في دمشق ثم في تل أبيب في عهدي حافظ الأسد واسحق رابين، قبل أن يتولى مسؤوليات في وزارة الخارجية تتعلق بالشأن العراقي وسائر شؤون الشرق الأوسط. هنا حلقة أولى: ما هي أخطاء السياسة الخارجية الأميركية في العالم العربي والإسلامي؟ إن هذا السؤال يقودنا إلى ذكر أمور عدة: - لماذا وصلت مكانة أميركا إلى الحضيض طبقاً لاستبيانات الرأي العام في المنطقة؟ - لماذا يُنظر إلى السياسات الأميركية في الدول الإسلامية على أنها سياسات تتسم بالنفاق إذا ما قورنت بالقيم الأميركية؟ - لماذا كان شعار"الحرب على الإرهاب"اسماً على غير مسمى؟ - كيف يمكن التوفيق بين تنمية الديموقراطية وإعلاء شأنها ووصول حماس إلى السلطة من خلال انتخابات ديموقراطية والوصول إلى حل لهذه الإشكالية؟ - لماذا كان المحافظون الجدد يدعون للديموقراطية ويدّعون أنه يمكن فرضها في عموم منطقة الشرق الأوسط؟ وأين الخلل في هذا الادعاء ولماذا أصبح مغلوطاً؟ - ما الذي يمكن فعله لدعم مسار الديموقراطية وتقدمها وذلك من خلال عملية بناء المؤسسات وسيادة القانون على المدى الطويل؟ - كيف يمكننا إحداث توازن بين القيم الأميركية وقضايا الأمن القومي بأساليب وطرق تعكس بحق حياتنا الاستراتيجية ومخاوفنا؟ - ما هي الدروس المستفادة من العراق التي يمكن تطبيقها مع الأنظمة الحاكمة في كل من سورية وإيران وأماكن أخرى؟ - لماذا يتوجب على الولاياتالمتحدة التحدث والتفاوض مع خصومها وأعدائها؟ - لماذا يتوجب على الرئيس الأميركي أن ينخرط بفاعلية ويقود المسيرة في تحريك كل من العرب وإسرائيل في اتجاه السلام المبني على التفاوض؟ - لماذا يتوجب على الولاياتالمتحدة أن تركز اهتمامها على جنوب شرق آسيا وخاصة على كل من باكستان والهند كجزء من المنحى الاستراتيجي الذي يجب أن تتخذه في المنطقة؟ على الأميركيين أن يتفهموا أن هذه القضايا جزء من التحديات المهمة لعصرنا: صراع الأفكار بين قوى التطرف وقوى الاعتدال في العالم العربي والإسلامي. كما يجب أن نفهم أن نتيجة هذا الصراع ستؤثر على مصالحنا القومية، إذ أن هذا الصراع صراع أجيال يتخطى كثيراً ظاهرة الإرهاب، هذا علاوة على أنه ليس هناك انتصار مبكر وحاسم على الإرهاب، وأن هدفنا الأكثر واقعية ينحصر في تهميش الأصوليين الإسلاميين في إطار استراتيجية أكبر. نحن منخرطون في صراع كبير لم يكن يتوقعه معظم الأميركيين. ... وبصفتي مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى في إدارة كل من جورج بوش وبيل كلينتون قمت برسم سياسة الولاياتالمتحدة في الشرق الأوسط، والعالم الإسلامي في وقت حرج شهد الكثير من التحولات الحاسمة في المشهد الجيوسياسي. كانت لحظة أعددت فيها لكل مستقبلي المهني. ... ومن منطلق مسؤولياتي عن قسم الشرق الأدنى في وزارة الخارجية ظننت أن من الأهمية بمكان لحكومة الولاياتالمتحدة أن تبدأ في الإعلان عن تقويمها للقوى اللاعبة في منطقة الشرق الأوسط والمسار الذي ستسلكه الولاياتالمتحدة تجاه الدول الإسلامية بوجه عام. واعتقدت أن أفضل أداة للقيام بهذا العمل تكمن في إلقاء خطاب رسمي يبدأ بوضع أُطُر للقضايا التي تواجهنا كأمة والتي يجب علينا مجابهتها في هذه المنطقة المهمة من العالم. واختبار ردود الفعل بالنسبة الى هذه الأفكار في داخل الولاياتالمتحدة وخارجها. ولقد عقدت سلسلة من الاجتماعات مع علماء وخبراء الشرق الأوسط ومحللي الاستخبارات الحكوميين ومسؤولين سياسيين. وبعيد تحضيري لموضوعي الأساسي والتوصيات التي افترضتها بصدد السياسات، جلست مع اثنين من ألمع موظفي السلك الديبلوماسي بهدف رسم مخطط لما عرف بعد ذلك في دوائر السياسة بپ"خطاب الميريديان". لم ألق نظرة واحدة على المسودات الثلاث التي أعدها الخبراء. وباستخدامي لتكتيك تعلمته من هنري كيسنجر وزير الخارجية السابق عندما كنت أعمل معه لسنوات، فقد أرجعت هذه المسودات معقباً"إنها ليست جيدة". وعندما اتفقنا أخيراً على النص النهائي، ذهبت لمقابلة وزير الخارجية جيمس بيكر. وكان جالساً في مكتبه الخاص في الدور السابع في مبنى وزارة الخارجية. لقد كانت بيننا علاقة عمل وثيقة كوّنتها خلال السنوات التي عملت فيها سفيراً للولايات المتحدة في دمشق، وكان يقوم في ذلك الوقت بجولات مكوكية بين دمشق والقدس، أدت إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 . أعلمته بمضمون الخطاب الذي كنت أنوي إلقاءه وطلبت منه الموافقة على الطلب. سألني بضعة أسئلة استجوابيّة، ثم أردف قائلاً"هذا جيد ولكن كن حذراً". وتركت مكتب بيكر مع شعور بالقلق يساورني بالنسبة للقضايا الخلافية التي يتضمنها الخطاب. وشعرت بأني مستمر في حياتي المهنية كديبلوماسي. أما الموضوعات الرئيسية التي عالجها خطابي في الميريديان في واشنطن في الرابع من حزيران يونيو 1992 فكانت تبنتها كل من إدارة جورج بوش الأب ووليم كلينتون وجورج بوشالابن كأساس لمبادرات معينة تتعلق بالسياسة. وإطار هذه السياسة يظل صالحاً حتى يومنا هذا في ضوء الهجمات التي تعرضت لها الولاياتالمتحدة في الحادي عشر من أيلول سبتمبر 2001 والتحول المستمر للإرهاب والحرب والصراع وعدم الاستقرار الذي يصيب منطقة الشرق الأوسط الكبير. ويمكن تلخيص خطاب الميريديان على الوجه التالي: - إن الولاياتالمتحدة لا تنظر إلى الإسلام على أنه العدو الذي يواجه الغرب أو يهدد السلم العالمي. وهذا التصور الذي نرفضه لا يعدو أن يكون استجابة مبسطة لواقع معقد"إضافة إلى أن هذا التصور يتلاعب به المتطرفون. - إنّ الأعداء المحتملين الواجب مواجهتهم هم الإرهاب والتطرف الذي يمكن أن يرتدي عباءة علمانية أو دينية. - إن التنافس بين الإسلام والغرب لن يستبدل بالحرب الباردة. لقد انتهت الحروب الصليبية منذ زمن طويل، والأميركيون يعترفون بأن الإسلام أحد الأديان الكونية العظيمة وتمارس شعائره في كل القارات. ومن بين هؤلاء الذين يدينون بالإسلام ملايين الأميركيين، وكغربيين، نعترف بأن الإسلام قوة حضارية تاريخية أغنت ثقافتنا. - في ربوع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نشهد ظهور جماعات أو حركات تسعى لإصلاح المجتمعات والتمسك بالمثل الإسلامية. هذه المثل يعبّر عنها بالعديد من الطرق والأساليب. ومن مجموع بليون وأربعمئة مليون مسلم في العالم يعيش 80 في المئة منهم خارج العالم الغربي ويختلفون كثيراً في العرق واللغة والثقافة، وهناك مجموعات كبيرة من السكان المسلمين في جنوب وجنوب شرق آسيا والصين وأفريقيا، وينقسم العالم الإسلامي أيضاً إلى طائفتين كبيرتين : الطائفة السنية 85 في المئة والطائفة الشيعية 15 في المئة تقريباً وكلتا الطائفتين لهما طوائف فرعيّة. لا نكتشف أي كتلة متناغمة أو مجهود دولي وراء الجماعات والحركات الإسلامية، إلا أننا قلقون بدرجة كبيرة لاستغلال إيران الجماعات المتطرفة في المنطقة، ومن ثم فإن التنسيق بين تلك الأنظمة والجماعات المتطرفة التي تلجأ إلى الإرهاب يتطلب منا الحذر والحيطة. وفي تحليلاتنا الأخيرة يمكننا القول إنّ الظلم الاجتماعي وغياب الفرص الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، علاوة على الفشل في حل الصراعات الإقليمية وخصوصاً الصراع الدائر بين إسرائيل وجيرانها العرب يساعد الإرهابيين في تجنيد أنصار يستغلونهم لتحقيق مآرب سياسية. الحكومات التي تسعى الى توسيع المشاركة السياسية في المنطقة ستجدنا مؤيدين لها وداعمين. غير أننا نحذر من هؤلاء الذين يستخدمون العملية الديموقراطية للوصول إلى السلطة والقضاء على هذه العملية وتدميرها، وذلك بهدف البقاء في السلطة والهيمنة السياسية. نحن في الولاياتالمتحدة نؤمن بمبدأ"لكل شخص صوت واحد". ولقد ترجمت هذه العبارة بطريقة فضفاضة لتعني"لكل رجل صوت واحد ومرة واحدة"، ولقد تعمدت استخدام"شخص"لتعني حق النساء في التصويت. وعلى أي حال أثارت هذه العبارة جدلاً كبيراً وتم تفسيرها على أنها إشارة مباشرة إلى الانتخابات المعد لها في الجزائر عام 1992 والتي ألغاها العسكريون وذلك لإحباط أو تعويق انتصار انتخابي أحرزته جبهة الإنقاذ الإسلامية. وبالتأكيد فنحن جد قلقين لإمكان وصول هذا الحزب الإسلامي الأصولي إلى سدة الحكم واستحواذه على السلطة في هذا البلد المهم، وتأثير ذلك على الاستقرار في كل من المغرب وتونس. إلا أننا أشرنا إلى نقطة أهم في هذا السياق تعكس قلقنا من أحزاب وجماعات إسلامية معينة في هذه المنطقة يمكنها أن تستخدم الانتخابات كأداة من أدوات العملية الديموقراطية الانتخابية، وذلك بهدف الوصول إلى السلطة، وهدفها الأوحد هو تدمير العملية الديموقراطية الانتخابية وذلك للبقاء في السلطة والحكم وترفض رفضاً قاطعاً أن تتنازل عن هذه السلطة إذا ما انتهت الانتخابات اللاحقة إلى رفضها وكانت نتائجها عكس توقعاتها. هذه القضية ستظل تحتل أهمية كبيرة في طريق السعي لتنمية الديموقراطية وتعزيزها في منطقة الشرق الأوسط عامة. ... في إطار هذه الاعتبارات، فإن الأهداف الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية تبقى متناغمة ومتماسكة وواضحة. فنحن نسعى إلى تحقيق سلام عادل وشامل ودائم بين إسرائيل وجميع جيرانها بمن فيهم الفلسطينيون، نسعى إلى ترتيبات أمن قابلة للحياة والاستمرار تعمل على تأكيد الاستقرار وسلامة الوصول إلى مستودعات النفط الهائلة في الخليج العربي، كما نسعى إلى تعزيز الإصلاحات السياسية والاقتصادية في عموم منطقة الشرق الأوسط ولدينا التقدير الكافي والشديد لثقافة وتقاليد مجتمعات المنطقة ودولها. وظلت القوة الاستراتيجية الدافعة لهذه السياسة التي لخصتها وحددتها في خطاب"الميريديان"قوة معزّزة للاستقرار السياسي والاقتصادي والتقدم في عموم منطقة الشرق الأوسط، هذا بالإضافة إلى تحطيم كل محاولات الإسلاميين الأصوليين لاستغلال هذه القضايا لتحقيق أهدافهم السياسية وخاصة تلك المحاولات التي تهدف إلى قلب الأنظمة الحاكمة الحالية أو ما يسمونه"العدو القريب"، وتأسيس دول إسلامية أصوليّة كما فعل آية اللهُ الخميني في إيران عام 1979 ، وما يستمر أسامة بن لادن بفعله في عموم المنطقة. وفي صباح يوم مشمس في أيلول عام 2001 عندما هاجم إرهابيو القاعدة والمنتمون إلى بن لادن برجي التجارة العالمية والبنتاغون، وهي رموز أصيلة رئيسية"للعدو البعيد"، استيقظت أميركا على حقيقة وواقع كان يفهمه خبراء الشرق الأوسط على مدى سنوات طويلة. إن صراع الأفكار في العالم الإسلامي بين الذين يسعون إلى تحديث مجتمعاتهم في إطار إسلامي وهؤلاء الإسلاميون الأصوليّون الذين يسعون إلى فرض نظام استبدادي ديكتاتوري يضرب بجذوره في معتقدات إسلامية دينية"هذا الصراع سيشكل مستقبل العالم الإسلامي. وبما أنّ الشعوب في هذه المنطقة ستحدد نتيجة هذا الصراع فمن الضروري أن يسود خط الاعتدال الإسلامي في هذه المنطقة. ولرسم سياسات فعالة مؤسسة على ما يجري من أحداث ووقائع في المنطقة وذلك في ما يخص العالم الإسلامي والتي يمكن أن يؤيدها الجمهور الأميركي، يجب أن يفهم صانعو السياسة في الولاياتالمتحدة الإسلام بكل تعقيداته مع التركيز على الديناميكيات السائدة بين التقليد والحداثة في الثقافة الإسلامية. قوس الأزمات إن الحاجة إلى إطار متماسك ومتلاحم للسياسة بخصوص العالم الإسلامي أصبحت ملحّة، حيث تبرز تحديات السياسة الخارجية على طول مسار قوس يمتد من القرن الأفريقي في الغرب وحتى شبه القارة الهندية في الشرق ويزحف إلى البلقان والقوقاز وشمال أفريقيا والشرق الأوسط ووسط وجنوب آسيا. لقد بدأت تبرز صراعات في البوسنة وكوسوفو والشيشان والجزائر وغزة والضفة الغربية ولبنان وأفغانستان والعراق وكشمير. وكل بقعة من هذه البقع لها تاريخها المميز العرقي والسياسي. إلا أن النداء الذي يجمع كل هؤلاء"الله أكبر"يذكرنا بخيط ساطع يجري من خلال هذه الخيوط المجدولة لشبكة عنكبوتية معقدة: المسلمون يؤكدون هويتهم وأهدافهم السياسية عبر كل المسلمين وغير المسلمين. ففي الفئة غير المسلمة نرى المسلمين ضد الصرب في البوسنة وكوسوفو، والشيشانيين ضد الروس في الشيشان، والجماعات الإسلامية الأصوليّة ضد الإسرائيليين، والمسلمين ضد الهندوس في كشمير والهند. أما الفئة الثانية وهم الرفاق من المسلمين فنجد الجماعات الإسلامية تعارض الأنظمة في العالم الإسلامي كما هي الحال في باكستان وسورية والعراقوالجزائر ومصر. أما ضمن الفئة الثالثة فنجد المسار القوسي للأزمة: المتطرفون الإسلاميون المنخرطون في أعمال العنف والإرهاب الذين يستهدفون غير المسلمين .... المجتمع الدولي يجد نفسه الآن من دون إطار متماسك ومتلاحم يتعلق بالسياسة، حيث إنّها تستجيب للحرائق التي تشتعل هنا وهناك وتتفاعل معها على طول مسار قوسي للأزمة وفي كل الدول المنفردة. وإذا أخذنا في الاعتبار هذا السياق الجديد، فماذا يتوجب أن تكون عليه سياسة الولاياتالمتحدة تجاه الإسلام؟ كيف يمكن للولايات المتحدة بدورها القيادي أن تطور سياسة شاملة تجاه المسار القوسي للأزمات وتجاه دور الإسلام عبر هذا المسار القوسي؟ كنقطة بداية يتوجب على الولاياتالمتحدة أن تعترف بأن الانتشار المزعج للصراعات المحلية والإقليمية في هذا المسار القوسي يهدد المصالح الأميركية الكبيرة وحتى الحيوية منها. ومن الأهمية بمكان للولايات المتحدة والديموقراطيات الصناعية أن تعترف بحقيقة مؤداها أن ثلاثة أرباع احتياطي النفط والغاز في العالم بالإضافة إلى أن مناطق إمداد البترول ونقاط الشحن المقامة على الأنابيب والكائنة في أماكن جد خطيرة وتكمن في إطار هذا المسار القوسي. بالإضافة إلى الصراعات في هذه المنطقة، يمكن أن يكون لها تأثير كبير على إمدادات النفط والأمن وأسعار النفط. ولقد كانت حرب الخليج عام 1991 قد شنت لردع اعتداء صدام حسين على الكويت وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. هذا علاوة على أن هذه الحرب قد شنت أيضاً لحماية مثل هذه المصالح. وبينما نتطلع وننظر إلى الأمام في ألفيتنا الثالثة، فإننا نجد أن الحاجة للطاقة تزداد يوماً بعد يوم وخاصة لدى الصينيين والهنود الذين يسعون إلى تطوير اقتصادهم. ومن ثم فإن الإمدادات من النفط والغاز وكل أشكال الطاقة لا بد من أن تكون وفيرة ويمكن الاعتماد عليها. والمناطق الرئيسية التي تدخل في نطاق المسار القوسي تشكل عدة مخاطر منها: - التوتر بين المسلمين الألبان والصرب من المسيحيين الأرثوذكس يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في البلقان مع الأخذ في الاعتبار ما يمكن أن يتضمن هذا التوتر من مخاطر للأمن الأوروبي وحلف الناتو وروسيا. - انبعاث الصراع في الشيشان يمكن أن يؤدي إلى ضعف الاستقرار في روسيا وزعزعته وابتعاد روسيا عن مسار الديموقراطية والإصلاحات الاقتصادية. - تجدد الصراع حول ناغورنو - كاراباخ يمكن أن يجر تركيا لتصبح في صف أذربيجان ضد أرمينيا، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى تدخل الروس ومن ثم يقود إلى زرع التوترات في علاقات تركيا مع أوروبا والولاياتالمتحدة .... والأمر الأكثر أهمية في ظلّ غياب حركة داعمة مؤثرة في المفاوضات العربية - الإسرائيلية، هو أن مجموعات مثل حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي الفلسطيني يمكن أن نضعها في الاعتبار لتعاظم مجهوداتها لإفشال كل المساعي التي تبذل في هذا المجال. ومن ثم فإن الفشل في تحريك عملية السلام إلى الأمام يمكن أن ينطوي على مضامين خطيرة بالنسبة الى مصر التي تعد معاهدة السلام بينها وبين إسرائيل حجر الزاوية في بنية السلام العربي الإسرائيلي غير أنها تواجه تهديدات مستمرة من الداخل، وتأتي هذه التهديدات من المتطرفين الإسلاميين. أما في العراق، فإن زوال صدام حسين من الساحة بدكتاتوريته الوحشية لم يكن خسارة، حيث إنه تسبب في إحداث أضرار كبيرة لشعبه كما كان يهدد المنطقة بسياساته العدوانية. إلا أن التدخل العسكري الأميركي في العراق وسوء إدارة الاحتلال من البداية منح المتطرفين الإسلاميين الذين يسمون أنفسهم بأتباع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ملاذاً جديداً وقاعدة للعمل الجهادي، علاوة على أن قوى الطائفية التي نمت في رحم الحرب في هذا البلد كان لها سلبياتها الكثيرة على الشعب العراقي كما كان لها نتائج وخيمة على المنطقة بأكملها. وفي أفغانستان نجد طالبان تطل برأسها مرة أخرى الأمر الذي يمكن أن يؤثر سلباً على الدول المجاورة ويعيد السيطرة للإرهابيين ويوجد ملاذاً آمناً للجماعات المتطرفة. تنظيم القاعدة وعودته الى باكستان عام 2007 في مناطق الحدود مع أفغانستان، أدى إلى الهجمات التي نُظمت ضد الحكومة الباكستانية ومؤسستها العسكرية. ولقد كان لاغتيال بينظير بوتو رئيسة الوزراء السابقة أثر كبير في دعم"القاعدة"الأمر الذي أدى إلى إعادة الثقة الكبيرة في التنظيم لكي يتمكن من زعزعة الاستقرار في باكستان. يستمر النظام في إيران في دعم الجماعات الأصولية وتعزيز نفوذه في العراق. وفى الشرق تظل كشمير برميل بارود محتملاً حيث تسود التوترات والنزاعات بين المسلمين والهندوس، ومن ثم تقود هذه التوترات إلى تفاقم العلاقات الهندية الباكستانية، وهذا بالطبع يمكن أن يوصل إلى صراع مسلح يكون فيه استخدام الأسلحة النووية أمراً في غاية الخطورة وذلك إذا تطور هذا الصراع إلى أسوأ حالاته. وفي الهند نفسها فإن التوترات بين الهندوس والمسلمين قد تفاقمت وزادت حدتها منذ أن بدأت الجماعات القومية الهندوسية في قتل أكثر من مئتي ألف هندي مسلم في ولاية كُجرات عام 2002 ... كان غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان أحد مظاهر بداية النهاية للإمبراطورية السوفياتية. وكان من نتائج هذا الغزو انتشار الحركات الأصولية الإسلامية، وظهور اسم المجاهدين على الساحة كمحاربين متحمسين رأوا في محاربتهم للشيوعية حرباً مشروعة، يساندهم فيها الله. ثم تطورت جماعة المجاهدين وظهرت في شكل ما يسمّى بحركة طالبان التي استولت على السلطة في خضم الفوضى التي أعقبت الحرب وبدأت تؤسس لنظام حكم قمعي ديكتاتوري. كما هي الحال في الزواج الطويل حيث يسود حكم العادة وترفها، نعيش في عالم تعوّدنا فيه على الاستقطاب ولم نكن على استعداد كاف للتعامل مع الانحلال والتفكك الذي يسود العالم، وانبعاث قوى العرقية والقبلية والثقافية والدينية مرة أخرى لتؤثر على سياسات الدول بطرق هامة. وفي هذا المحيط الجديد يجب على الولاياتالمتحدة أن ترسم سياسات تكون أكثر فاعلية في خدمة القيم الأميركية ومصالح الأمن القومي الأميركي. * تصدر الترجمة العربية للكتاب أوائل الشهر المقبل عن دار الكتاب العربي في بيروت. نشر في العدد: 16719 ت.م: 12-01-2009 ص: 26 ط: الرياض