فصل البرد على الأبواب، ومن المفروض ان نحسب له حساباً كي نتفادى المفاجآت التي تنغص علينا حياتنا خصوصاً أمراض الرشح والجهاز التنفسي. فالكائنات الدقيقة من جراثيم وفيروسات تطرب أشد الطرب في هذا الفصل لأنها تجد الأجواء الملائمة لاعتداءاتها، ولكن لحسن الحظ هناك جهاز المناعة الذي يقف لها بالمرصاد، فإذا كان هذا الأخير قوياً فإنه يستطيع ان يضع حداً لها، أما إذا كان جهاز المناعة ضعيفاً فهناك المصيبة. والمناعة عند الإنسان نوعان: تخصصية وغير تخصصية. فعندما تحاول الميكروبات غزو الجسم تصطدم بما يعرف بجهاز المناعة غير التخصصي، أي الذي لا يميز بين فيروس وآخر أو جرثومة وأخرى، ويتكون جهاز المناعة غير التخصصي من حواجز فيزيائية وكيماوية وخلوية، ويأتي الجلد في طليعة هذه الحواجز إذ يمثل خط الدفاع الأول أمام العوامل الممرضة التي تحاول التسلل الى الداخل، وطبعاً في حال تعرض الجلد للجروح والخدوش والحروق يصبح من السهل على الميكروبات العبور الى داخل الجسم معرضة إياه للخطر. وتشكل عصارة المعدة حاجزاً كيماوياً مهماً أمام العوامل الميكروبية نظراً الى إحتوائها على انزيمات وتمتعها بحموضة عالية تمنع تلك العوامل من العيش او البقاء على قيد الحياة. من بين الحواجز الدفاعية غير التخصصية هناك الأهداب والمفرزات المخاطية في الطرق التنفسية والقصبات، فالحركة المستمرة للأهداب تزيح الأجسام الأجنبية من المسالك الى الخارج، في حين ان المفرزات المخاطية تقتنص المواد الغريبة التي يتم لفظها بواسطة العطاس والسعال. أيضاً هناك المفرزات السائلة كالدمع والبول والكريات البيض، التي تنضوي تحت لواء جهاز المناعة غير التخصصي. اما الشق الثاني من المناعة فهو المعروف بجهاز المناعة التخصصي، وقد سمي كذلك لأنه يقاوم العامل الممرض في شكل نوعي، فعندما يفلت العامل المذكور من قبضة جهاز المناعة غير التخصصي يجد له في المرصاد جهاز المناعة التخصصي الذي يتألف من كريات الدم البيض والأعضاء اللمفاوية التي تنتج خلايا مناعية، وما يميز هذا الجهاز انه يملك ذاكرة، اي انه يستطيع التعرف على العامل الممرض اذا دخل الجسم مرة أخرى وبالتالي فهو قادر على مقاومته بكفاءة عالية. في فصل البرد يتقلب الطقس حاملاً معه ما يعكر صفو جهاز المناعة، وضعف هذا الجهاز، خصوصاً عند كبار السن والأطفال، يخلق الجو المناسب للعوامل الممرضة كي تنقض على ضحاياها، من هنا فالعمل السليم لجهاز المناعة بشقيه التخصصي وغير التخصصي مهم جداً لدرء شر العوامل الممرضة وما أكثرها. أما عن السبل الكفيلة في جعل جهاز المناعة في أحسن حالاته للقيام بمهامه فنشير الى: الطعام الصحي الطبيعي، ويعتبر حجر الزاوية في دعم جهاز المناعة كي يقاوم بشراسة العوامل الممرضة المسؤولة عن إثارة العديد من الأمراض. فالطعام الصحي يعتمد على تناول أغذية كاملة ومتنوعة تؤمن للجسم ما يحتاجه من عناصر حيوية لصنع مضادات الأجسام التي تتولى مهمة صيد الجراثيم والفيروسات لمنعها من التمادي في عدوانها على هواها. ومن أهم بنود الطعام الصحي: - الإكثار من استهلاك الخضار والفواكه الطازجة التي تعج بالمعادن والفيتامينات ومضادات الأكسدة، وهذه الأخيرة مهمة جداً على صعيد مقاومة الجذور الكيماوية الحرة التي تتربص بأجهزة الجسم شراً خصوصاً جهاز المناعة. وحبذا لو تم التركيز على الأغذية الآتية: القنبيط وأمثاله، الفواكه ذات اللون الأحمر، الحمضيات الغنية بالفيتامينات أ- ث، والخضروات الورقية الخضراء والثوم والبصل، ان مثل هذه الأغذية يحتوي على مركبات معقدة تحفز جهاز المناعة كي يقوم بوظيفته على أفضل ما يرام. - اعطاء الأولوية للحم الأبيض والسمك والحبوب الكاملة والصويا التي تشكل مصدراً مهماً للمواد البروتينية، وفي هذا الإطار بينت دراسة علمية مصرية أجريت على الصيصان، قامت بها قبل سنوات قليلة الدكتورة ناهد الأبيض من جمعية الطاقة الذرية، ان زيادة نسبة البروتينات في الجسم تؤدي الى تفعيل جهاز المناعة في شكل أفضل لمواجهة الأمراض، ولا غرابة في هذا فالبروتينات تشكل اللبنات الأساسية للأجسام المضادة التي ينتجها جهاز المناعة التخصصي. - وضع اللبن الرائب على قائمة الوجبات اليومية لما يحتوي عليه من جراثيم نافعة تشحذ همة الجهاز المناعي. - تناول الدهون غير المشبعة التي تحافظ على كل الخلايا بما فيها المناعية التي تتولى مهمة صد أي عدوان ميكروبي يتعرض له الجسم. - الابتعاد عن الدهون الحيوانية المشبعة، أو على الأقل عدم المبالغة في أكلها لأنها تزيد من احتمال تعرض الجسم للعدوى بالأمراض الفيروسية. - الابتعاد عن الأطعمة المصنعة، التي تدخل فيها مكونات مجهولة وغير مجهولة تحمل في طياتها الضرر خصوصاً للجهاز المناعي. - تحاشي الأغذية المكررة التي فقدت جل عناصرها النافعة. - عدم المبالغة في طبخ الطعام للحفاظ على الأنزيمات والعناصر الغذائية. - تجنب الأطعمة الحاوية على المبيدات والحافظات والمضافات. - الإقلال من استهلاك العدوين الأبيضين اللدودين السكر والملح. استنشاق الهواء النقي، فالهواء العابق بالملوثات يعيق من عمل دفاعات الجسم ويسهل التقاط الميكروبات من جراثيم وفيروسات. شرب ما يكفي من الماء يومياً، فالماء مهم لإبعاد شبح الجفاف عن الجلد والأغشية المخاطية خصوصاً تلك التي تفرش الطرق التنفسية، فالجفاف يقلل من قدرة هذه الأغشية على صد وصيد الميكروبات التي تحاول اقتحامها. الاقلاع عن التدخين بكل أنواعه، لأن الدخان المنبعث من التبغ يحتوي على سموم كيماوية تؤثر كثيراً على الغشاء المخاطي للأنف محدثة شرخاً عميقاً في ترسانته الدفاعية الأمر الذي يسمح لفيروسات الرشح التغلغل في الغشاء المخاطي لتحقيق مآربه. العمل قدر المستطاع على تفادي التوترات النفسية، فالضغوط النفسية تحدث فورة في هرمونات الغضب التي تترك آثاراً سلبية، في شكل أو آخر، على جهاز المناعة. النوم في شكل كاف يومياً، فقلة النوم تخلق ضعفاً في ردود جهاز المناعة. تفادي الإرهاق لأنه من ألد أعداء جهاز المناعة. ممارسة الرياضة البدنية في شكل منتظم وباستمرار. الاسترخاء، فهو يساعد في زيادة مركبات مشهورة اسمها الغلوبولينات المناعية في الجسم عموماً وفي اللعاب خصوصاً. الصوم من وقت الى آخر، لأنه لا يخلص الجسم من السموم والنفايات المتراكمة فقط بل يقوي جهاز المناعة من خلال زيادة نشاط الخلايا البالعة والخلايا اللمفاوية والخلايا المعتدلة، كما أنه يزيد من افراز الأمينوغلوبينات المناعية التي تحد من تناثر العدوى الميكروبية في الجسم. والهدف من تعزيز جهاز المناعة ليس فقط مواجهة الأمراض الميكروبية، بل ان هذا التعزيز من شأنه ان يقويه أيضاً في مناهضة الأمراض المزمنة التي تحل بالإنسان كلما توغل في خريف العمر مثل داء الزهايمير، ومرض باركنسون، والسرطانات، والأمراض الاستحالية والروماتيزمية وغيرها من تلك المرتبطة بالشيخوخة. ماذا عن الأطفال؟ ان الطفل أحوج ما يكون الى تقوية جهازه المناعي خصوصاً في عالمنا هذا المشوب بالتلوث الذي طاول الغذاء والماء والهواء. وخير ما تفعله الأم لوليدها الجديد ان ترضعه من حليبها خصوصاً"الصمغة"أي أول الحليب في أول رضعة بعد الولادة، لأنه لا يمده بمقومات الحياة وحسب، بل يعطيه ما يحتاجه من مضادات الأجسام المناعية التي تحمي الطفل من الأمراض الفيروسية والميكروبية التي تتربص به شراً.