ممتعة ومثيرة للجدل ومربكة في آن واحد، رواية سمير اليوسف"طريق بنتونفيل"الصادرة حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. فإلى جدة أسلوبها في مقابل الهمّ / المأزق / الصراع الذي يخوضه الانسان الفلسطيني في بلاد الشتات، حيث يعيش إما كئيباً ومهمشاً، وعاري الانتماء، أو شريداً، خائباً، سجين ذاكرة لا تنصف خيارات انتماء حمله ذات مواجهة عابرة على القتل، فضلاً عما يحيل الى نصوص"إدغار آلان بو"، في المزج بين اللغز والدهشة، يوغلان بنا الى حيث لا نعرف الكثير عن تجاذبات وميول ومنازل الذات البشرية، ثمة ما يربكنا في الرواية ويبقينا على سؤال. بصيغة المتكلم، وعلى لسان الراوي / البطل الذي لا اسم له، يكرُّ منذ الصفحة الأولى من الرواية سيل من أفعال الذات، تستهل بفعل النوم وتنتهي به أو بما يشبهه أنام، أحلم، أتذكر، أهبط، اصعد، أفكر وأنام. لكأن النوم ليس نوماً بقدر ما هو اقتران بافعال اخرى تتناوب الراوي في تداخل فوضوي مقلق يجعل التفكير والتذكر وسائر أفعاله الاخرى أقرب الى النوم، الذي هو في معظم الاحيان اعتزال للحياة ورواح الى سهو مشوب بصحو مشلول، أو"مجرد استلقاء على السرير في ظلمة الغرفة المسدلة الستائر". من هذا الباب الملتبس، يُسلمنا الراوي الى تفاصيل يقظته، يتمنى لو انها لا تحدث، علّه يتخلص من صداعه النصفي، ويغادره ذاك الاكتئاب العنيد الذي لا يبارحه. اكتئاب يفقده الشهية الى افعال العيش ويعدمه المعنى وجدوى الالتزام. يعرض عن دعوات"كاثي"صديقته اليهودية تحرضه على المشاركة في التظاهرات المناهضة للحرب والعنف، وتروح تحدثه في كل مرة، كيف يعيش الفلسطينيون"هناك"في غزة التي رحل عنها منذ زمن غير محسوب، وما عاد يتصور نفسه منتمياً اليها منذ بات بالنسبة اليه بلداً / وطناً بعيداً. انقطع عنه ولا يريد التورط في أي من حكاياته، بما في ذلك حكاية راشد صديقه الفلسطيني الذي رحل هو ايضاً من غزة ويعيش الآن مثله في لندن. أحياناً كثيرة يأتيه التفكير براشد، في الصحو وفي السهو يظلّ يراوده، يغلبه التفكير به كلما أمعن في تناسيه. يود لو يكف عن تذكره"ويتوقف عن لعبه الخسارة هذه". راشد الذي يعيده الى حيث لا يريد العودة، بات الراوي يتجنب رؤيته وامتنع نهائياً عن لقائه، بل صار يتحاشى المرور في الامكنة التي قد يصادفه فيها بالقرب من ذاك المقهى. منذ ان أشركه في سره، وروى له ما حدث"هناك"خلف التلة التي تعلوها أجمة من القصب، حيث كمن يراقب ثلاثة من جنود الاحتلال الاسرائيلي. يتذكره ويشعر بالخدل وبالذنب والشفقة، يتخيله متأهباً لاطلاق الرصاص، يوشك على ضغط زناد الكلاشنيكوف، يم يتردد ويحجم لحظة"يوقن ان القتل ليس سبيله"."شيء ما فتح عيني على حقيقة الموقف، على حقيقة الاشياء كما هي، عارية وبذيئة ومن دون أي قيمة"يقول له راشد معترفاً انه أطلق النار اخيراً وقتل الجنود الثلاثة، هكذا مجاناً من دون ان يظفر بالبطولة، بطولة تظل بحسبه او بحسب الراوي؟"بكولة رخيصة مستمدة من مصادفة عبور محظوظ في وقت اختار فيه جنود احتلال ان ينسوا حقيقة أنهم جنود". هذه البطولة المحيرة والملتبسة، التي يحاور راشد نفسه في شأنها، ويحاول ان يسوغ فيها القتل بالقتل. على هذا النحو، ينفتح النص على السؤال الذي هو المأزق والصراع، يجادل في جدوى خيار القتل وفي معنى البطولة، فنروح بدورنا الى المساءلة: من يتلطى خلف من؟ راشد أم الراوي ومن خلفه الروائي؟ وأيهما سجين نفسه / ذاكرته / حكايته؟ وهل نقتل لنحرر أنفسنا من ذاكرة الضحية أم لنحرر هذه الذاكرة من وهم بطولة لا تهزم جلاداً ولا تنتصر للضحية؟ وأي معنى يضمر تواطؤ الراوي في مقتل راشد الذي يستدرجه الراوي في نهاية النص الى فخ الموت، خلف أجمة من أشجار السرو في منتزه"كنغز كروس"الخالي تماماً من المتسكعين، بعد عثور الشرطة هناك على جثث لثلاثة سكارى أزهق أرواحهم قاتل طليق، يبديه السرد مخلّصاً وحارساً للقيم يتصيد الحثالة واحداً واحداً، سكارى ومدمنين وداعرات لينظف المحلة من وبائهم؟ في تلك اللحظات الحرجة يتصاعد صراع الراوي مع نفسه وتنتابه ذات مشاعر العجز والتردد والحيرة والارتباك التي اعترت راشد هناك"في المكان / الموطن البعيد، خلف أجمة من القصب، ومثله ايضاً يحزم أمره اخيراً ويتورط مشاركاً في قتل صديقه الغافل عن موته غفلته عن الحياة بما لا يشبه غفلة الجنود الثلاثة عن مصيرهم المتربص بهم وهم يغتصبون الحياة في ثوب من البراءة الملفقة. ويشهد بدم بارد كيف يعنف راشد ويضرب ويطعن بسكين"الرجل القصير"المغفل الاسم والغائب كلياً عن السرد، يظهر فجأة، يقتل ثم يتوارى من جديد. ليذهب الراوي بعدها الى النوم، ملجأه الوحيد من الشر يفكر به، هل هو الشر الذي يقترفه الآخرون ام الشر الذي اقترفه هو؟ يتساءل بهلع ويلتبس عليه الامر، يفزع ويشعر بأن القاتل طليق يلاحقه"يلاحقني أنا"وبأنه القاتل الطليق"أنا يلاحقني أنا"... ثم يتابع النوم، التذكر، الحلم والتفكير قبل ان يرتج باب غرفته بالطرقات القوية. بهذا تنغلق آخر صفحات الرواية على مشهد الراوي / البطل يغطس في ضباب يعدمه الرؤية والوعي، بما يعادل في وجه من الوجوه غيابه في النوم الذي لا يشبه النوم، به باشر وجوده الروائي وإليه انتهى، لا كما في لعبة التكرار الدائرية تنتهي من حيث تبدأ وتظل تتكرر، بل كما في صيرورة تختزل الموت او العدم. وهكذا تنكشف للراوي حقيقة الصورة الدموية ويدرك ان القاتل الطليق الذي دام يتحرى، على مدار السرد، هويته ويفتش عن حقيقته في صور الآخرين المقيمين حيث يقيم في فندق"طريق بنتونفيل"ثيو وجيم وبرندن وغاري وغاريت وكارولاين والمرأة الغامضة، انما يكمن فيه هو. هو القاتل الذي أنكر القتل وأعرض حتى عن الاشتراك او التورط في سماع حكاياته، يقع في شره ويقترفه ولا يعود بعدها انساناً محايداً او مسالماً، ولا يسعفه انكار او تخل. ما يلفت في الرواية ان سمير اليوسف اعتمد سرد الصيغة المضارعة، جعلها تستبد بأفعال النص، لكأن ذاكرة الفعل لا تعترف بالماضي حتى حين تسرد عنه، تبقيه زمناً مقصياً، متروكاً ومتوارياً مثل ذاكرة تجحد ماضيها وتفر منه، حتى اذا ما راودها استضافته على مضض، موهته بصيغة المضارع ليحضر حياً ويتحرك في الزمن الطازج كما لو انه يحدث للتو. لتتوازى بذلك ذاكرة الفعل وذاكرة الراوي، تمعن كلتاهما في الاعراض والانكار والتخلي عما يصلهما بالزمن البعيد - زمن راشد / الوطن - لا تنجو منه سوى بالقتل. على ان استخدام صيغة المضارعة خدم في"طريق بنتونفيل"هدفاً او بمعنى آخر غرضاً آخر، اذ جعل السرد والوصف كما الحوار، في راهنيتها او تداعياتها، أقرب الى مشهديات تمثيلية ممسرحة على الورق مما يضيف الى قدرات اليوسف الروائية مهارة جديدة. الى ذلك لم يجنح اليوسف في روايته الى ما ألفته بعض السرديات الفلسطينية الهادرة بنبرة التشكي والاتهام او الشعار والجهاد، استبعدها عن نصه مقتصداً في استجلاب تفاصيل مستفيضة، صريحة او مباشرة قد تحدث عما يجري"هناك"في البلد البعيد، لم يشر اليه الراوي سوى الاسم تردد ذكره ثلاث مرات على لسان صديقته"كاثي"، واقتصر حيزه الجغرافي في تلك التلة الصغيرة التي تعلوها أجمة من القصب، حيث شهد راشد مأزقه وجابه صراعه مع القتل في مواجهة ملتبسة ومربكة قارب الراوي من خلالها سؤال البطولة الذي هو في وجه من الوجوه سؤال النص، يجادل او ربما يحكم في صوابيتها، جدواها، أحقيتها ومآلها ايضاً. هذا الاقتصار المدبر بقصدية واعية في استحضار المكان البعيد، قابله سخاء ومتعمد، تجلى في سرد يوميات الراوي في المكان البديل؟ الغريب حيث يقيم"هنا"في لندن، لنحيط من خلاله بتفاصيل نومه ويقظته ولنعرف عنه ما يعين على الامساك باسباب تجاذباته في النسيان والعدم والتخلي والانكار وصولاً الى التورط في ذاكرة القتل. وبصرف النظر عما يلمح اليه سؤال الرواية سواء في السلب ام في الايجاب لا بد لنا ان نسجل لليوسف ما بلغه في"طريق بنتونفيل"من تقنية سردية عالية، متوسلاً في ذلك جملاً قصيرة تنبض بالحركة وتموج بقلق الحال الشعورية التي تفصح عنها الصور التمثيلية تتمسرح في الوصف كما في السرد، ويتكرر فيها المفرد الواحد لا ليبلد الصورة او يبطئها بل ليكثفها بالهاجس الذي يضمره هذا التكرار. على ان بعض صفحات الرواية أثقلها التكرار المفرط لافعال القول، يحدث بها الراوي نفسه أو يحدثه بها الآخرون، بما يتجاوز احياناً العشر مرات في الصفحة الواحدة مما لا يستساغ حتى في مونولوغات الذات التي تحاور ذاتها وإن خيل الينا ذات لحظة بأن النص يكاد يكون بأكمله مونولوغاً طويلاً يقيمه الراوي بينه وبينه. اخيراً، نشير الى ان اليوسف اتقن لعبة المماكرة الروائية وأحسن بناءها، اذ ألبسها حبكة اللغز البوليسي المحير، ليمسك بأنفاس القارئ ويورطه في السؤال حين يستريب الراوي بأبطال الرواية، يرميهم جميعاً بالشك ويحاصرهم بشبهة افعالهم ولا يستثني منهم سوى"كاثي". مستدرجاً بالسرد المتنامي عنهم خيوط الالتباس، يستجمعها خيطاً خيطاً ويعقد ما بينها ليقيم الدليل ويفك اللغز ويوقع اخيراً بالقاتل الطليق ملتبساً وجهه هو، وجهه الملول والمسالم الذي شعر بالذنب وبالخجل واشاح عن راشد الذي عوقب بالشر مرتين.