فوق الجميع في مقال كتبه ل"التايمز"البريطانية رأى الكاتب الأميركي نورمان ميلر الحرب على العراق"اكثر الحروب تعاسة"وقال انها كانت ابسط الحلول لدى الرئيس جورج بوش وحزبه للمأزق الذي وجدت اميركا نفسها فيه. كان مستقبل البلاد العلمي والاقتصادي في خطر بعد تفوق أوروبا وآسيا تكنولوجياً عليها، وخسارة عمال المصانع وظائفهم لمصلحة زملائهم في البلدان النامية. اتسع الانقسام بين التطرف الديني والثقافة الشعبية، ورأى اليمين المتدين ان البلاد باتت لامبالية، فاسقة، كافرة وبلا اخلاق. بدت الحرب الحل الوحيد لاستعادة اميركا وسط الخلل الاقتصادي والروحي للقوة العظمى. لم يكن الهدف توحيد البلاد بالحرب بل زيادة انقسامها بتقوية نصفها على النصف الآخر. وجدت ادارة بوش الخلاص في هجمات 11 ايلول سبتمبر 2001 . بثت القلق في نفوس الأميركيين من تهديد الأمن في كل مركز تجاري، ولم تكن الخرافة السائدة خطر الإسلام بل شدة اقترابه منهم. لكي يوازن الأميركيون الخوف الذي ولّدوه في انفسهم كان عليهم استحضار أقوى الخرافات لديهم: الحرب الدائمة على مملكة الشيطان الخفية. يرى الأميركيون انهم استثنائيون وأن للخالق اهتماماً خاصاً بأميركا. شاءها ارضاً سامية فوق الجميع ترتفع برؤياه الى مجد اعظم. خرافة الحدود التي تطلبت الاستعداد للقتال بلا حدود باتت جزءاً من استثنائية الأميركيين الذين يقولون دائماً"افعل ما يلزم". لكي تبقى الرأسمالية الأميركية باتت الاستثنائية، لا التعاون مع البلدان المتقدمة الأخرى، حاجة. رأى القائلون بالاستثنائية ان اميركا أضاعت فرصة الإفادة من سقوط الاتحاد السوفياتي للسيطرة على العالم وتأمين مستقبلها الاقتصادي طوال عقود مقبلة. لكن ادارة بيل كلينتون اختارت الحذر فأثارت استياء لا سابق له من الليبراليين. 11 ايلول وفّر الفرصة لحل بعض المشاكل وبدء المغامرة الامبراطورية. لكن الأميركيين شعب يحب التمتع بالحياة وقد لا يهمه امر السيطرة على العالم. لا مشكلة قال القائلون بالاستثنائية. ليس عليهم التمسك بالحقائق في تبرير الحرب، وقد يقتنع الأميركيون بأوهام تصدير الديموقراطية الى الشرق الأوسط وحماية انفسهم من اسلحة الدمار الشامل. كان من واجب الأميركيين الطيبين جلب الديموقراطية الى بلاد سيطر عليها طويلاً رجل شرير. لكن الديموقراطية ليست مضاداً حيوياً نلقح به جسماً غريباً ملوثاً، وليست مصلاً سحرياً. ومن المستحيل الاعتقاد بأن رجالاً اشداء مثل ديك تشيني نائب الرئيس رأوا انه يمكن تطبيق الديموقراطية بسرعة في العراق. تشيني في العراق، يقول نورمان ميلر، من اجل النفط وحده. إذا لم تتحكم اميركا بنفط الشرق الأوسط ستتسع مشاكلها، لهذا ستبقى في العراق سنوات وسنوات. إذا عادت بعد ترقيعه ستواجه المشاكل نفسها التي دفعتها الى شن الحرب اساساً إضافة الى عبء مئتي بليون دولار انفقتها في المستنقع. يعيش الديموقراطيون، بحسب ميلر، وفق روح المسيحية اكثر من الجمهوريين سواء كانوا يصدقون كل كلمة في الإنجيل أو لا. الديموقراطيون لا الجمهوريون هم الذين يقلقون على مصير الفقير والحزين والمضطرب والسجين، لكن على مرشحيهم التفكير بطريقة خلاقة اكثر لكي يصلوا الى الجنوب المتدين وينالوا اصواته. قد يتألم المتدين الطيب من انتخاب مرشح لا يقرأ الإنجيل كل يوم، لكنه قد يكون لا يزال قادراً على القول:"لم اعد أعرف اين اضع صوتي. ها انا بين صفوف المترددين". هيلاري كلينتون الطامحة الى الرئاسة في 2008 بدأنت تفكر بالطريقة نفسها. الأسبوع الماضي قالت انها"تحترم"رأي رافضي الإجهاض، وأن القرارات السياسية المتدينة لا تتعارض بالضرورة مع فصل الدين عن الدولة. صرخة كان رساماً شهيراً ثرياً يعيش في فرنسا عندما اندلعت الحرب الأهلية في بلاده. كلفته حكومتها الجمهورية رسم عمل كبير للمعرض العالمي في باريس في 1937 وإذا بصفة"كبير"تتعدى الحجم الى الشهرة. قصف الألمان مدينة غرنيكا الإسبانية في اقليم الباسك في 1936، فأنجز بابلو بيكاسو اللوحة في ستة اسابيع. لكنها لم تنل التبجيل الذي تنعم به فوراً. علقت في المعرض قرب منطقة المقهى حيث امكن سماع العروض الراقصة الشعبية. في"غرنيكا: سيرة ايقونة من القرن العشرين"الصادر عن دار بلومزبري يقول غايز فان هنزبرغن ان الأكثرية تنظر مصعوقة الى اللوحة، وتتسمر في مكانها بفعل قوتها وحجم المأساة الممتدة امام الناظر. للأقلية الصريحة رأي آخر قد تحجم عن البوح به لأسباب سياسية. عندما قال ناقد بريطاني ان اللوحة سخيفة وحمقاء يصرخ كل واحد فيها"آه"تلقى رسالة تأييد حارة من احد انصار الجنرال فرانكو الذي هزم الجمهوريين. سافرت"غرنيكا"من معرض الى آخر وجمعت التبرعات لهم، وفي معرض غاليري وايتشابل، لندن كان ثمن تذكرة الدخول حذاء يصلح للمقاتلين في إسبانيا، فصُفّت الأحذية التي"دفعها"الحضور تحت اللوحة الضخمة. عندما هزم الجمهوريون باتت اللوحة ملكاً لدولة غير موجودة فعلقت عقوداً في متحف نيويورك المعاصر حتى اول ثمانينات القرن الفائت. بعد مفاوضات مضنية"استعادت"اسبانيا اللوحة التي لم تدخل ارضها من قبل، وعاشت حياة هادئة خلافاً لرسالتها، لم تسرق او تفقد، وتعرضت للتخريب مرة واحدة. منع طبعها في عهد فرانكو، ولئن شاءها بيكاسو صرخة حارة من اجل جمهورية اشتراكية تحولت احتجاجاً على الحرب ولا انسانية الإنسان. في الستينات تعرضت للتخريب احتجاجاً على مجزرة ماي لاي في حرب فييتنام لكنها اصلحت، وأغرت شهرتها فرانكو نفسه فحاولت حكومته استعادتها ثم غيرت رأيها بسرعة. باتت"غرنيكا"قياساً لديموقراطية اسبانيا بعد موت الفنان في 1973 عن اثنين وتسعين عاماً. سأل ورثته ما اذا كانت اسبانيا ديموقراطية ما يكفي لتستحقها، ولئن ارضتهم في هذا المجال تجاهلوا تحديد بيكاسو"الجمهورية"الإسبانية في وصيته. لم تزر اللوحة اقليم الباسك بتاتاً، وعلقت في متحف الملكة صوفيا في مدريد. لم يترك بيكاسو باريسالمحتلة في الحرب العالمية الثانية، وعندما زاره ضابط ألماني في الاستديو اشار الى صورة ل"غرنيكا"."هل فعلت هذا؟"سأل الفنان."لا، أنتم فعلتموها"رد بيكاسو بتحدٍ. مع ذلك اختار الجيش الألماني"غرنيكا"في 1990 ملصقاً للتجنيد حمل عبارة:"صور العدو المعادية هي والد الحرب". هل يتحمل الفن هذا الإطراء القاتم حقاً؟ الاستنفار الذي سبق الحرب على العراق واكبته خطوة لافتة. غطيت سجادة الحائط التي تحمل صورة"غرنيكا"لكي لا تحرج"آباء"الحرب الذين لم تكن ألمانيا بينهم هل غطتها هيئة الأممالمتحدة نفسها فأقرت بعجزها وعجز الفن على الأرض، او غطاها آباء الحرب انفسهم لكي لا يواجهوا مقارنات هم بغنى عنها؟ لا تزال الحروب تجد طريقها بسهولة، خلافاً للسلم، على رغم الفن شهادة وضميراً. بين الشك والتعييب حض رئيس هيئة ال بي بي سي على السعي الدائم الى الحقيقة لكنه قال ان المقابلات التي توحي بكذب السياسيين انتهت فاعليتها، في محاضرة عن وضع المؤسسة بعد تقرير هاتون، قال مايكل غريد انها تدافع عن اخطائها وتسخر من السياسيين وتتخبط في سعيها الى الموازنة بين الشعبوية والقيم الصحافية الجادة. كان اللورد هاتون انتقد تغطية ال بي بي سي قبل الحرب على العراق وبرأ الحكومة البريطانية من محاولة تضخيم اسباب الحرب فاستقال مسؤولان في المؤسسة احدهما رئيسها. انتقد الرئيس الجديد مايكل غريد اسلوب المقابلات الخشن الذي يوحي بأن كل اجابة من سياسي كذبة بالضرورة. انتهى اسلوب"لماذا يكذب هذا اللعين علي؟". فالشك جزء ضروري من ادوات الصحافي لكنه يغلق التفكير ويعرقل البحث عن الحقيقة عندما يصبح تعييباً. لم يذكر غريد اسماء الصحافيين الذين يعنيهم بكلامه لكن"ذا تايمز"ذكرت اسمي جيريمي باكسمان من"نيوز نايت"وجون همفري من"توداي"اللذين يشتهران بالإصرار على جواب واضح لسؤال واضح. في 1997 سأل باكسمان وزير الداخلية يومها مايكل هوارد السؤال نفسه اثنتي عشرة مرة من دون ان يحصل على جواب واضح. رئيس ال بي بي سي تناول ايضاً"الضغط"الذي تتعرض له المبادئ الصحافية الجادة وسط المنافسة الإعلامية على جذب المستمعين والمشاهدين. انتقد دفاع المؤسسة عن باربرا بليت التي ذكرت على"راديو 4"انها بكت عندما رأت الرئيس النحيل الراحل ياسر عرفات يرفع الى الطائرة التي اقلته الى فرنسا للعلاج. عرض الانتقادات التي توجه الى ال بي بي سي والقائلة انها متحيزة دائماً الى النظرة الليبرالية المؤيدة لأوروبا والمعادية لإسرائيل. ليس ذلك مقبولاً، وعلى الصحافيين تحييد نظرتهم بالنقد الذاتي والمدخل المهني البعيد من العاطفة. في السبعينات كشفت صحيفة"واشنطن بوست"تجسس الحكومة على الديموقراطيين في"ووترغيت"ودفعت ريتشارد نيكسون الى الاستقالة في 1974 . إسقاط الحكومات ليس وظيفة الصحافة، قالت كاثرين غراهام مالكة الصحيفة التي خافت من"انحراف"السلطة الرابعة عن مهمة البحث عن الحقيقة فقط. على ان هذه ارتبطت بمحاسبة ادت الى استقالة الرئيس الأميركي في خطوة لا تتكرر بسهولة في الغرب ولا تحدث ابداً في الشرق. ويصعب تحديد نهاية البحث عن الحقيقة وبداية عملية سياسية عادية تحكم علاقة الحكم بالمعارضة في الغرب.