حفل ملف "الاستشراق" اي الدراسات الغربية عن العرب والمسلمين في العقود الثلاثة الاخيرة بشتى التوترات، مثل كل شيء في علاقات الشرق بالغرب. بيد ان أكثر الناقدين للاستشراق، من وجهة نظر إسلامية، أو ايديولوجية من ضمن النقد الاستعماري، يبدو في كثير من الأحيان كأنما يتحدثون عن تخصص لم يعد موجوداً. فالاشخاص المذكورون، والموضوعات المثارة، كل ذلك ما عاد وارداً استعماله في الدراسات المعاصرة عن الحضارتين العربية والإسلامية، إما لأنه ثبت خطأه أو لأن بحوثاً جديدة متطورة جعلت من البحوث الاستشراقية السابقة غير ذات موضوع. لكن هذا لا يعني اننا لا نعود الى دراسات المستشرقين القدامى، وهذا سببه ان تلك الدراسات تتسم بالجدية المنهجية التي يمكن ان يفيد منها المرء، وإن اختلف معها في النتائج. ثم لأن المستشرقين نشروا النصوص الاساسية في الثقافتين العربية والإسلامية، وهذه النصوص بنشراتها الرائعة ضرورية لكل باحث يحترم نفسه. توفّي قبل ايام الدارس الاستشراقي الفرنسي المعروف ماكسيم رودنسون، صاحب حياة النبي محمد، والإسلام والماركسية، والإسلام والرأسمالية، ودراسات كثيرة أخرى. ومع أن رودنسون ما كان يحب ان يسمى مستشرقاً، فقد كان من القليلين الذين دافعوا عن الاستشراق في وجه هجمة ادوارد سعيد عليه. وقد شاع منذ سنوات تعبير "المستشرقين الجدد"، وهؤلاء قسمان: قسم يهتم بإعادة النظر في الانطباعات الاستشراقية عن العصور الإسلامية الأولى. وقسم آخر يهتم بالعرب والمسلمين في الأزمنة الحديثة. بيد ان الطرفين لا يهتمان للاستشراق القديم، ويتهمانه بالسذاجة، ويمارسان نقداً قاسياً وجذرياً للمصادر العربية، وللدراسات الاستشراقية من حولها. وهذا معنى القول ان الذين ينقدون الاستشراق إنما ينقدون ماضياً منقضياً. نقرأ في هذا الملف الاستشراق ومصائره وسط تردي علاقات الشرق والغرب. ونقرأ الانطباعات القديمة والمستجدة عن الاستشراق التاريخاني، ومعنى اتجاهه للضمور والانتهاء وسط ثورة العلوم الاجتماعية والتاريخية، وتردي علائق الشرق بالغرب.