أكبر كنجي. إصلاح كرى معمارانه. الإصلاح البنّاء. منشورات طرح نو، طهران. 2003. 280 صفحة. كان أكبر كنجي واحداً من أركان وزارة الإرشاد الإسلامي في حكومة هاشمي رفسنجاني قبل أن يتحول إلى داعية للإصلاح ومطالب بالحريات العامة في إيران. ومن أجل أن يترجم دعوته تلك، بادر إلى المشاركة في إصدار صحف والكتابة فيها. وسرعان ما لمع إسمه كواحد من أشد منتقدي النظام الإسلامي، ولم يمر وقت طويل حتى اعتقل وأودع السجن بتهمة إهانة المقدسات الإسلامية وتحقير النظام. ويبدو أن مقالاته كانت من الحدة بحيث دفعت ببعض أقطاب الحكومة إلى هدر دمه. فقد كتب محمد يزدي أن عقوبة إهانة المقدسات الإسلامية هي الإعدام، وأن من يتهجم على الإسلام لا يُحاكم بل يُقتل. وحين اتهمه كنجي بتشجيع الإرهاب، ردّ يزدي بالقول إن القرآن يتضمن دستور الإرهاب! وبعد وقت قصير على اعتقال كنجي، اغتيل زميله الصحافي سعيد حجاريان فشرع كنجي في سجنه بكتابة سلسلة من المقالات والرسائل بث فيها أفكاره ووجهات نظره في ما آلت إليه حال الإيرانيين في ظل الجمهورية الإسلامية التي قامت في أعقاب القضاء على حكم الشاه الاستبدادي. وبعد سنوات من استتباب حكم هذه الجمهورية كانت النتيجة: تكميم أفواه المعارضين حتى لو كانوا من داخل النظام، مثل آية الله منتظري وعبد الكريم سروش ومحسن كديور، وقتل المخالفين مثل سعيد حجاريان وغيره. وفي نظر كنجي، يمثل العنف والاغتيال والاعتقال سلاح الفئة الحاكمة التي لا تملك شيئاً من ثقة الناس. وهذه الفئة إنما تتصرف كأي طبقة حاكمة، تستميت في تشبثها بأدوات القمع لأنها السبيل الوحيد لديمومتها في السلطة. إنها شأن أي حفنة مستبدة إنما تدافع عن امتيازات ومنافع ما كان لها أن تحصل عليها لو كان للرأي الحر أن يسلك سبيله إلى أذهان الناس. وإمعاناً في تضليل الشعب والمجتمع ترتدي هذه الحفنة لباس الدين كي يخفي عريها في شهوتها الى السلطة والاستئثار بالمقدرات واحتكار أمور الدين والدنيا. وكي لا يبقى كلامه عاماً يستند كنجي إلى الأرقام والوقائع ليبين أن الدين ليس في الواقع أكثر من ذريعة، أو سلاح، للتمتع بجاه الدنيا الذي يدعو رجال الدين الناس إلى التخلي عنه والزهد في الحياة. فمن طريق بيع قسائم السكر والرز أمكن الحصول على ملايين الدولارات، أما المليارات التي تنفق من أجل "المستضعفين" و"الثوريين" فإنما تذهب إلى حسابات قادة هؤلاء المستضعفين والثوريين. وحين يتناهى إلى سمع المسؤولين عن مؤسسات الباسداران والمحاربين القدماء وجماعات حزب الله في لبنان أن الإصلاحيين إنما يسعون إلى ضبط حركاتهم ومراقبة أعمالهم ومحاسبتهم، فإنهم يصرخون أن من الأفضل أن نحارب هؤلاء في إيران بدلاً من محاربة الإمبريالية والصهيونية. فالمنافع هي محرّك الثورات، وما التمتع بالمكانة والصيت والسلطة الا منافع في نهاية الأمر، وهي السبيل إلى مراكمة الثروة أيضاً. ومن أجل هذا بالذات يبذل رجال الدين جهوداً جبارة لغسل دماغ الملايين من الشبان والفتية. فهؤلاء هم وقود اللعبة المميتة. وينبغي أن يتمعن المرء قليلاً في ما يتم تلقينه إلى هؤلاء اليافعين. فليس ثمة ما له علاقة بالدين بوصفه عامل تفاهم وخير وتسامح ومساواة. كل شيء يصب في قناة تكريس العداوات والكراهية وعبادة المقامات العليا وتقديس الأشخاص بوصفهم ممثلين لله على الأرض. ويجري تعميم فكرة حق الزعماء في البقاء أبديين مقدسين، يقررون للناس ما يفعلونه، إذ تلك وظيفة مربحة. ولا يمكن لسلطات هرمية كهذه أن تتخلى عن العنف والخطاب العنفي، وهي لا تفكر في اتباع أساليب الحوار وتبادل الرأي، فالديموقراطية آخر ما يخطر في بالها. كما لا يمكن للإصلاح أن يجد سبيله إلى داخل أركان حكم كهذا يقوم على القوة والغصب. فسلطة هذا شأنها لا تتزحزح عن مكانه إلا بعنف مضاد. فالأنظمة القابلة للإصلاح تؤمن بالأساليب الحضارية، الديموقراطية، في مقاربة شؤون المجتمع، أما تلك التي يتعذر إصلاحها فتزداد إمعاناً في ترسيخ آليات الشدة والانقلاب. ويرى كنجي في حكومة خاتمي كوة في جدار الجمهورية الإسلامية يمكن أن تدخل منها رياح التغيير والإصلاح. إلا أن المجموعات المحافظة من القوة بحيث تهدد بقلب الأشياء رأساً على عقب كي لا يتحقق مثل هذا الأمل. فالتغيير كفيل بزحزحة مواقع هؤلاء وخلق المجال لإطاحتهم في نهاية الأمر. لهذا فإن مقاومة الحركة الإصلاحية ودعوات الديموقراطية والانفتاح تأخذ شكل حياة أو موت. وتتصرف هذه المجموعات أحياناً في صيغة نيوفاشية والتعبير لكنجي فلا تتردد في اتباع سبل الاغتيال والقمع المنهجي والترويع. غير أن ثمة نهاية لكل شيء. ولا يمكن للأمور أن تستمر على ما هي عليه إلى الأبد. فهناك لحظة الانفجار التي تنجم عن تراكم الكبت والاحتقان، وحينذاك ينفتح المجال أمام طريقين: إما أن تتحطم القشرة الغليظة والقاسية لمحتكري السلطة وتتفتت أمام تيار الرفض الجماهيري فينفتح المجال أمام خيار جديد يمهد للديموقراطية التعددية، المنفتحة على كل المشارب والآراء والأفكار والاتجاهات بعيداً من احتكار أية جهة، أو الشروع بانقلاب دموي جديد يرسخ الإرهاب كقاعدة عامة لحكم الناس وسوقهم بالعنف والبطش ووضعهم أمام كمّ متزايد من المحرمات والمقدسات والموانع، بحيث تتحول الحياة إلى كابوس حقيقي. لقد شهد القرن العشرون ظهور العقائد النازية والفاشية والستالينية. وباسم عقائد كليانية كهذه، اتخذت لنفسها سمة مقدسات لا يمكن المساس بها، حلت بمجموعات هائلة من البشر ويلات وفظائع رهيبة. لكن أغلب الناس كانوا أعداء لهذه العقائد، فبات من لا ينتمون إلى "أمتها" أو لا يفكرون بموجب ما يراه القائمون على شؤونها، يؤخذون إلى ساحات الإعدام ومعسكرات الإبادة والمنافي والسجون. وفي هذا القرن شهد العالم فواجع من قبيل غرف الغاز والهولوكوست والغولاغ واقترافات بول بوت الفظيعة. وكان فرض الرأي الواحد الطريق الذي جعل هذه الأهوال ممكنة الوقوع. وكي لا تتكرر المآسي ينبغي احترام حقيقة أن الناس مختلفون، تتعدد قناعا تهم وآراؤهم، وأن أفضل سبيل إلى الوفاق والخير ليس قمع تلك القناعات والآراء وسد الطريق أمام التنوع باسم حق علوي غامض، بل فتح الباب واسعاً أمام الجميع.