بين "نهاية التاريخ" و"نهاية الانسان"، كان على فرانسيس فوكوياما ان يغير نهجه ومساره . فثمة منهج للجنون يحكم المسار الجديد لما يسميه البؤرة الجديدة في مجال البيوتكنولوجيا ويهدد بإطفاء جذوة الحياة الانسانية، وبالتالي تهديم سقف التاريخ على من فيه. فلم يعد سقف التاريخ مجالاً للسبق الحضاري الذي تتنافس فيه القبيلة الشقراء مع باقي القبائل، بما فيها قبائل الهنود الحمر التي يحلو لها مناوشة العربات الخلفية التي تجتاز المضيق الجبلي باتجاه سقف التاريخ على حد تشبيه فوكوياما في "نهاية التاريخ والانسان الأخير"، بل بات مرتعاً ل"وحوش الحديقة الجوراسية" التي من شأنها ان تكتب لنا مرحلة ما بعد الانسان أو ما بعد البشرية. وعندها لن يصح الحديث عن سقف للتاريخ بعدما غاب فاعله، أو لنقل، بعد ان تحول فاعله الى مسخٍ جديد يمهد لنهاية الانسانية على حد تعبير فوكوياما. في كتابه "نهاية التاريخ والانسان الأخير"، كان فوكوياما متفائلاً ببلوغ سقف التاريخ، وقد استخدام كل براعاته اللفظية على حد تعبير راسل جاكوبي في "نهاية اليوتوبيا، 2000" للتبشير بذلك. فوحدها القبيلة الشقراء استطاعت ان تمتطي صهوة نمر العولمة اذا جاز لنا استعارة هذا التعبير من توماس فريدمان في كتابه "لكزس وشجرة الزيتون، 1996" وان تعبر الى سقف التاريخ. وبذلك تكون قد أصبحت نموذجاً يحتذى للقبائل المشدودة الى بداوتها الأولى. لم يأبه فوكوياما للأخطار التي يمثلها "البرابرة الجدد" الذين يجمعون بين النزعة التقليدية المعادية لأميركا، وبين علم الفيزياء الحديثة. ف"البرابرة ليسوا على الأبواب"، وهذا هو عنوان الفصل السابع من كتابه "نهاية التاريخ والانسان الأخير".، لا بل انه لم يأبه بسلوك البرابرة الجدد حتى بعد أحداث 11 ايلول سبتمبر الدامي وبعدما اصبحوا داخل الأسوار وداخل ناطحات السحاب في نيويورك. فهؤلاء، مع كل براعتهم في الشر وسعيهم الى تهديم سقف التاريخ على من فيه، لا يزيد سلوكهم عن رد فعل يائس تجاه الحداثة. يقول فوكوياما "ان هذه الحوادث - أي أحداث ايلول الدامي - لا تثبت شيئاً عن صراع الحضارات على الاطلاق،توان الأصولية الاسلامية التي دفعت الى هذا الهجوم هي رد فعل يائس قامت به حاميتها، وسيكتسحها عاجلاً أو آجلاً المدّ الأعرض للتحديث". لا يكترث فوكوياما بأطروحة مجايله صموئيل هنتنغتون عن "صدام الحضارات" الذي من شأنه ان يهدد سقف التاريخ أو تكتب فيه الغلبة للقبيلة الشقراء على ما عداها من القبائل، ولا بردود الفعل اليائسة التي تقوم بها بعض حاميات القبائل الأصولية. فما يخشاه هو هذا المنهج في الجنون الذي يحكم مسار الثورة الجديدة في مجال البيوتكنولوجيا وفتوحاتها في مجال الهندسة الوراثية وعلم الأعصاب وتكنولوجيا الخلايا الجذعية. فمن شأن هذا المنهج ان يكتب لنا خاتمة خاتم البشر أو الإنسان الأخير وبالتالي نهاية الإنسانية. من لويس ممفورو صاحب كتاب "أسطورة الآلة" في أجزائه الثلاثة والذي ينعي إدوارد سعيد غيابه عن مقاهي نيويورك، الى فوكوياما، ثمة تأكيد على ان حضارتنا التكنولوجية المشدودة الى الأسرع والأكثر، وإلى ريادة التطور الى عالم مجهول، محكومة بمنهج في الجنون يأخذ شكل صيغة "صفقة مع الشيطان" على حد تعبير فوكوياما هي بمثابة رجع الصدى لصفقة فاوست. فثمة احساس عند الكثير من المثقفين المهتمين بمستقبل البشرية ان فاوست يمتطي صهوة الثورة التكنولوجية والبيوتكنولوجية الحديثة، وانه يقف بقوة وراء الشعار "دعه يعمل، دعه يمر" والذي يراد له ان يوجه مسار الثورة الجديدة في مجال البيوتكنولوجيا، وذلك على رغم الاعتراضات المشروعة لكبار الأخلاقيين ورجال الدين والذين يسعون مع فوكوياما الى البحث عن "خطوط حمراء" تضع حداً للعب في الطبيعة البشرية التي فُطرنا عليها والتي تشكل الى جانب الدين جوهر وجودنا، كما يرى فوكوياما. أعود للقول، اذا كان حفدة فاوست وهواة الغولف قد دمروا الطبيعة باعتبارها ميداناً لفتوحاتهم ونفاياتهم الذرية والتكنولوجية، فإن حفدته اللاحقين ممن عقدوا صفقة مع الشيطان، يهددون بتدمير الطبيعة الانسانية وتحويل البشر الى كائنات بلهاء. يقول فوكوياما: "تقدم لنا التكنولوجيا الطبية، في حالات كثيرة، صفقة الشيطان: حياة أطول، ولكن بقدرات ذهنية منقوصة. تحرراً من الاكتئاب ومعه تحرر من الإبداع والروح. علاجات تُضبب الخط الفاصل بين ما ننجزه بأنفسنا دون مساعدة، وبين ما ننجزه بسبب مستويات مواد كيماوية مختلفة في مخاخنا". في معظم الميثولجيات، ثمة مسخ يأتي من البعيد والغامض والمجهول، لينشر الرعب والدمار على الأرض، كما هي الحال مع ثور السماء في ملحمة جلجامش الذي يعيث فساداً ودماراً في أوروك مدينة جلجامش، الى ان يتمكن الأخير وخلّه أنليدو من قتله. أما في مجال الفتوحات الجديدة في البيوتكنولوجيا فالمسوخ الجديدة أو دينوصورات الحديقة الجوراسية التي رسمها لنا ستيفن سبيلبرغ، هي في جوف الموجة الجديدة. ومن هنا أهمية التساؤل: ما العمل الذي يشكل عنواناً لأحد فصول كتاب فوكوياما الجديد، وكيف السبيل الى عمل سريع يوازي السرعة العالية التي تحدث فيها الفتوحات الجديدة في البيوتكنولوجيا، وكيف السبيل الى التحكم السياسي في البيوتكنولوجيا التي تثير الرعب وتهدد مستقبل خاتم البشر؟ والأهم: كيف السبيل الى رتق كل تلك الثقوب الواسعة التي خلقها التقدم في البيوتكنولوجيا؟ من وجهة نظر فوكوياما، آن الآوان لأن نتحرك من التفكير بأخطار البيوتكنولوجيا الى العمل، ومن التوصية الى التشريع، والتفكير جدياً بمؤسسات لها سلطة التنفيذ الفعلي من شأنها ان تضع خطوطا حمراء بين التكاثر الطبيعي والاستنساخ معاً، وذلك على سبيل المثال، لأن الاستنساخ صورة من التكاثر غير طبيعية على الاطلاق، صورة ستقيم ايضاً علاقات غير طبيعية بين الآباء وأطفالهم. لقد بقي الانسان/ السوبرمان مضمراً وموجهاً للأبحاث الجديدة في مجال البيوتكنولوجيا بحيث يمكن القول ان السوبرمان أو الترميناتور اسم فيلم اميركي شائع يمتطي صهوة الموجة الجديدة، وهذا من شأنه ان يبعث الهلع في مجتمع غير طبيعي قادم، مجتمع تغيب عنه الحقوق الطبيعية والسياسية، اذ كيف نربي أناساً على ظهورهم السرج، وآخرين بحذاء ومهماز كما كان يقول الرئيس الاميركي توماس جيفرسون؟ من هنا أهمية هذه المرافعة التي يسوقها فوكوياما عن "نهاية الإنسان" والتي تقطع مع براعاته الايديولوجية عن "نهاية التاريخ".