فرض المنطق نفسه على مباريات الدور الثاني من نهائيات كأس العالم السابعة عشرة لكرة القدم المقامة حالياً في كوريا الجنوبيةواليابان، لأنه أهل للدور ربع النهائي المنتخبات صاحبة السجلات الأفضل والإنجازات الأكثر ليس فقط على صعيد المونديال وإنما في عموم المنافسات. والاستثناء تمثل في فوز الولاياتالمتحدة على المكسيك، وصعود كوريا الجنوبية على حساب ايطاليا! ربما بدا للبعض في هذه الدور ان الكرة كانت ملعونة ولا ترحم، وأن المنتخب البلجيكي كان أقرب الى تحقيق الفوز على البرازيل قياساً الى عدد الفرص التي لاحت له وأهدرها مهاجموه تباعاً... وأن السويديين احق بالفوز على السنغاليين لجهة التاريخ والعراقة والنتائج العالمية، وأن الشجاعة الإيرلندية في مواجهة اسبانيا كانت يجب ان تُكافأ بالفوز... أو ان اليابانيين كانوا الأجدر بالصعود الى الدور ربع النهائي إكراماً للجماهير العظيمة التي ساندتهم في كل المباريات، وأن ايطاليا التي كانت على بعد دقيقتين من التأهل يجب ان تكون من بين الثمانية الكبار. لكن التهيؤات شيء والواقع شيء آخر تماماً، فالعرض البرازيلي الذي قد لا يكون مقبولاً لدى الكثير من عشاق فنون السامبا، تميز بالواقعية بطريقة او بأخرى لأن هز الشباك يبقى الفاصل الوحيد وصاحب الكلمة الأخيرة والحاسمة... ولذا فإن البرازيليين اصحاب المهارات الرفيعة والمواهب المتعددة عرفوا كيف ينهون اللقاء في مصلحتهم، وهذا هو المهم. ونعترف بأن السجلات السويدية تتضمن انجازات جيدة كان آخرها الحصول على المركز الثالث عام 1994 في الولاياتالمتحدة، وأن السنغال تظهر للمرة الأولى في هذا الميدان الصعب... لكن من كان افضل على أرض الملعب، ومن عرف كيف يجيّر الحسم في مصلحته حتى ولو كان بهدف ذهبي؟! لقد تابعت السنغال مغامرتها الحلوة بقيادة المدرب الفرنسي برونو ميتسو الذي تفوق على أستاذه روجيه لومير عندما ألحق بمنتخبه الفرنسي الهزيمة التي قصمت ظهر البعير في هذا المونديال، وأخرجته من الدور الأول من دون ناقة ولا جمل! والمنتخب الإيرلندي كان يمكنه فعلاً تحقيق الفوز وهو كان قاب قوسين أو أدنى منه خصوصاً في الوقت الإضافي، لكن اين كان في الوقت الأصلي وكيف انه لم يدرك التعادل إلا في الثواني الأخيرة ومن ركلة جزاء؟ لقد سجل التاريخ الكروي خروج الإيرلنديين مرفوعي الرأس بعد الخسارة بركلات الترجيح التي هي اشبه بالمحكمة الجزائية التي يمكن استئناف قراراتها، لأنها شر لا بد منه لكن الإسبانيين نجحوا في تحويله خيراً عم عليهم. اما اليابان، فكان منطقياً ان تخرج امام تركيا لأسباب كثيرة: أولها ان الهدف التركي اصاب اصحاب الزي الأزرق بهزة لم يعرف المدرب الفرنسي الثالث في هذا المونديال فيليب تروسييه ان يخرجهم منها، فتفاوت الأداء بين لحظة وأخرى... وثانيها ان الأتراك عرفوا من اين تؤكل الكتف، فضربوا ضربتهم ثم اسقطوا ايقاع المباراة الى "أسفل سافلين" للقضاء على الحماسة اليابانية التي لم تظهر هي الأخرى إلا في فترات قليلة. وكما توقعت منذ ان شاهدت المباراة الأولى لهم امام البرازيل في مدينة اولسان الكورية، لعب الأتراك دوراً رئيساً في هذه النهائيات وحققوا إنجازاً لم تعهده الكرة التركية من قبل بصعودها الى الدور ربع النهائي... وستكون المباراة المقبلة لها امام السنغال فرصة جديدة لتحقيق انتصار آخر ومواصلة المسيرة، لكن هذه الافتراضية لا يمكن ان تحدث بسهولة لأن السنغاليين اثبتوا بجد انهم ايضاً يحق لهم ان يكونوا من بين الأربعة الكبار جداً. وفي كل الأحوال فإن الفائز بينهما سيكون ضيفاً جديداً على الدور نصف النهائي، وعلى رغم انه دخل المنافسات غير مرشح اساساً ربما للصعود الى الدور الثاني. وكوريا الجنوبية ادت اكثر مما عليها لأنها قدمت مباريات جيدة في الدور الأول وتأهلت للثاني بجدارة، ثم فجّرت فجأة مفاجأة من ناحية النتيجة لا الأداء حين فازت على إيطاليا وأخرجتها بعد ان سبق ان انتصرت على منتخبين عريقين هما البولندي والبرتغالي. ولا يمكن تصنيف نتيجة مباراتها مع إيطاليا من المفاجآت على الصعيد الفني، لأن أداء الكوريين كان الأفضل ويكفي انهم لم ييأسوا بعد الهدف الإيطالي وأصروا على إدراك التعادل حتى الرمق الأخير. وفي الوقت الإضافي تسيدوا الموقف ونجحوا في قلب كل المعطيات وأكدوا انهم الأجدر فعلاً بالفوز. وهم سيكونون على الموعد مع مواجهة جديدة قوية امام اسبانيا، ومن الصعب ان نقول ان الكفة تميل في مصلحة المنتخب الأوروبي بعدما شاهدناه امس. والمنتخب الإيطالي لعب دوماً عكس التيار، فهو دخل البطولة غير مرشح للقب وزادت نسبة هذه الترشيحات بعد صعوده بالعافية الى الدور الثاني. لكنه تقدم على الكوريين حتى الدقيقة 88 قبل ان ينقلب حاله بفعل تراخي لاعبيه واعتقادهم أن المباراة اصبحت مضمونة. ولعل شركة "تراباتوني اخوان" تكون تعلمت الدرس جيداً وعرفت ان المنتخب كان بحاجة فعلاً الى لاعب خط وسط من عجينة روبرتو باجيو. عكس الترشيحات أما ألمانيا، فقد حققت فوزاً مقبولاً ومنطقياً على باراغواي حتى وإن جاء هدف التأهل قبل النهاية بدقيقتين. وربما كانت هذه المرة الأولى في تاريخ الكرة الألمانية التي يصل منتخبها الى النهائيات العالمية وهو غير مرشح لنيل اللقب بفعل نتائجه المخيبة في التصفيات وتأهله الصعب من خلال الملحق. لكن ما أن نزل لاعبوه الى المستطيل الأخضر حتى امطروا المرمى السعودي بثمانية اهداف، فإرتفعت معنوياتهم وواصلوا مسيرتهم وصاروا من أبرز المنتخبات المرشحة لخوض المباراة النهائية. والواقع يقول ان المباراة المقبلة امام الولاياتالمتحدة ستكون نتيجتها في متناول الألمان، لكن حذار من الثقة المفرطة والإيمان المسبق بأن المباراة مضمونة في الجيوب! يبقى لقاءان لم نتحدث عنهما بعد: انكلترا مع الدنمارك ونتيجته صبت في خانة الواقعية، والولاياتالمتحدة مع المكسيك وهو اضاف سطراً جديداً الى سجل المفاجآت. انكلترا قدمت خلال الشوط الأول ما يكفيها كي تسجل ثلاثة اهداف ثم خلدت الى الراحة بعد ان ضمنت النتيجة، وهذا من حقها طبعاً. لكن مباراتهم المقبلة امام البرازيل يوم الجمعة المقبل في شيزوكا لا تحتمل مثل هذا التفكير، والأكيد ان المدرب السويدي زفن غوران اريكسون يدرك ذلك تماماً. والإنكليز فرضوا حضورهم بقوة على هذه النهائيات بعد انتصارهم على الأرجنتين وتسجيل ديفيد بيكهام تحديداً هدف الفوز. فما ان اقترب من اي ياباني ويعرف انني اعمل في جريدة دولية مقرها لندن إلا وقال لي على الفور: "أوه... انغلاند... ارجنتين... بيكهام... اريكسون..."، من دون ان أعرف طبعاً كيف يريد هو ان اربط أنا في ما بين هذه الكلمات... لكن الواقع ان لا حديث بين اليابانيين، وخصوصاً بعد خروج منتخبهم، إلا عن فرص المنتخب الإنكليزي في الفوز أولاً على البرازيل ثم باللقب. اما الدنمارك التي ادهشت في الدور الأول وفازت على فرنسا وأوروغواي وتعادلت مع السنغال، فكان سقوطها مذلاً من دون ان تتضج اسباب هذا الانهيار المفاجئ! ونصبت الولاياتالمتحدة فخاً على الطراز الأميركي فسقطت المكسيك فيه فوراً، ولم تعرف كيف تخرج نفسها منه على رغم انها سيطرت على غالبية فترات المباراة. لكن الأميركيين مدعوون لملاقاة الألمان في الدور المقبل، فهل تفلح هذه النوعية من الفخاخ معهم... سنرى!