"راكب ع حمص... حلب، اللاذقية هلّق ماشي، وين مسافر، ع طرطوس؟.. البولمان ع الباب...". نداءات يطلقها شباب "قبضايات" أو سماسرة من صغار الكسبة، لاختطاف راكب يرميه حظه العاثر او سيارة التاكسي أمام أبواب الكراجات في المدن السورية، ولعل أهمها على الاطلاق وأكبرها كراج "البولمان" في حرستا دمشق. مشهد يثير العجب والرثاء والاستياء معاً، مجتمع شبابي حي، يحكمه مبدأ البقاء للأقوى، شباب وشابات من المفترض ان مكانهم الطبيعي في المدرسة والمعهد والجامعة، لكنهم هنا يقتتلون لتحصيل زبون ولقمة عيش حتماً هي من نصيب الشاطر، وما يثير التعجب حقاً هو اقتحام الشابة السورية حتى المحجبة مجتمع "الكراجات" المتفاقم الذكورة... في المكان غير المتوقع تعمل فتاة تحت وطأة الحاجة ليس فقط في قطع التذاكر أو موظفة أمنية أو مديرة حركة بل مع "الوشيش" جنباً الى جنب، تنافسه وتتخاطف منه حقائب الركاب في سباق "ماراثوني" مثير ومدهش. عبدالباسط مرافق يقول: "لولا الحاجة هل تأتي البنات الى هنا ليعملن بهذا المستوى الوضيع؟". لكن هل يحترم عبدالباسط زميلاته في العمل؟ ينظر الينا بإزدراء: "تسألون وكأنكم لستم من هذا المجتمع، يعني كيف تريدوننا ان ننظر الى هؤلاء البنات، كلمة واحدة فقط تقال: الله يساعد الناس!". "الوشيش" مهنة الصبيان الذين تدفعهم الحاجة لشغل مهنة وضيعة بعرف "الكراجات"، وجاء اسم المهنة من "الوشوشة" والصراخ في أذن الزبون موضوع المنافسة لاجتذابه الى شركتهم، وهذه المهنة انبثقت من مراكز انطلاق باصات "الهوب هوب" وهو ما يعرف بوسائل النقل الشعبية التي لا تحتاج لحجز مسبق، بل تعتمد على التقاط ما بوسعها من مسافرين على طول الخط "كل من يقول لها: هوب هوب...". انتقلت عدوى الوشيش الى شركات البولمان الخاصة "وسائل النقل المرفهة" التي كانت تعتمد الحجز المسبق، عبر مكاتبها الموزعة في كافة انحاء المدينة، وتستأثر بزبائن بحسب سمعتها المهنية، الا انه بعد تخصيص مركز يجمع مراكز انطلاق كافة الشركات في منطقة حرستا إثر حادثة تفجير الباص في وسط دمشق عام 1997، تغير واقع النقل في الشركات الخاصة، اذ جرى الاستغناء عن الحجز المسبق لتوفر رحلات على مدار الساعة والى كافة المحافظات السورية، وقد جعل ذلك من "الراكب" موضع تنازع شديد بين الشركات، وهو ما أفرز مهنة الوشيش، الى جانب المشكلة الأمنية التي أوجدت موظف خاص يدعى موظف الأمنية، وهو مطالب بتقديم قائمة بأسماء الركاب وأرقام بطاقاتهم الشخصية في كل رحلة الى الجهات المعنية بالأمن داخل الكراج، الى جانب ما كان متعارف عليه من مهن اخرى مثل مدير الحركة، والمرافق، والسائق... الخ. تلك المهن تبدو ظاهراً حكراً على الشباب من الذكور لما تطلبه من جرأة حتى الوقاحة، وربما صلابة وفظاظة، وقدرة على الصبر وتحمل المشقات في مكان تسوده الفهلوة. الشابات جئن الى هنا عبر الشركات الخاصة التي جذبتهن للعمل ضمن شروط جيدة عندما كانت تلك المكاتب تتمتع بوضع اجتماعي لائق. لكن مع انتقال مكاتب الشركات الى تجمع حرستا تحول بعض الموظفات من العمل في الحجز والبريد الى الحركة وتحرير وثيقة الأمن، وفي السنة الأخيرة تمكن بعض البنات من اختراق مهنة الوشيش، وصار من المألوف في مجتمع شامي محافظ مشاهدة شابة في مقتبل العمر لا تنقصها الأناقة تعمل وشيشة وتستحق لقب "أخت الرجال" عن جدارة، بالأخص عندما تستولي على حقائب راكب وتسعى بها نحو الحافلة قبل ان يسجلها زميل لها في "التوشيش" وينتزعها من يدها، او يسبقها الى زبون تفكر في الانقضاض عليه أو على حقائبه وربما أطفاله، في خضم سباق يستحق المتابعة، ابطاله شباب وشابات "شبيحة" وزبائن لا حول لها ولا قوة، ضمن زحام كتل بشرية وأمتعة لا تختلف في قيمتها المعنوية، الكبير يسحق الصغير، الشاطر ينجو بأكبر عدد من المسافرين، الشاطرة تقاوم من اجل الثبات في مكان نابذ لها وهي مضطرة لمقارعة ذكور أشداء لا تعنيهم الأنوثة بشيء عندما يحتدم الصراع من اجل البقاء. جواد "وشيش" ما أن عرف اننا لسنا زبائن ونود الدردشة معه، انصرف عنا مستعجلاً بعد ان اتهمنا بتضييع وقته، سألناه عن رأيه بالبنات الوشيشة هزّ رأسه مستنكراً ولم يجب، سألناه هل يتعرضن لمضايقات من زملائهن الذكور؟ سخر من سؤال بدا له سخيفاً وساذجاً: "من يجرؤ على مضايقتهن، لو لم يكن احد وراءهن يدعمهن هل كان باستطاعتهن العمل في هذه المهنة؟!". ركض نحو زبون آخر مخلفاً وراءه ذهولنا؟!! في هذا المكان!! وفي هذه المهنة أيضاً!!! لقد بدونا سذّجاً حقاً في دخول عالم "الكراجات" الذي يبدو ظاهراً مجتمعاً منبسطاً كالكف، اعتقدنا ان هؤلاء الشباب سيكونون سعداء بوجودنا لنسمع همومهم، لم نتوقع ان يعاملونا باستخفاف وسخرية وحتى عدوانية، كانوا يقولون "صحافة" يقلبون شفاههم بمعنى عما تبحثون؟ دعونا نعيش!! عالم قائم بذاته يقع على هامش المدينة، الفرد ذاته خارج هذا العالم هو غيره في الداخل، انه محكوم بقواعد ومبادئ وقيم صنعتها الحاجة والمنافسة، تتحكم بآليات حركة هذا المجتمع المصغّر وديمومته، وما المعارك اليومية الدائرة على مسرحه من صغيرها وحتى كبيرها سوى تفاصيل تافهة في معركة كبيرة تجري خارج حدود الكراج، وعلى مستويات أرقى وضمن اطر الصفقات والمضاربات الضارية، التي لا تنفع فيها رشوة صغيرة للشرطي ولا كلمة لطيفة من وشيشة حسناء، أميمة تقول: "عملت في مكتب حرستا في الحجز لمدة اشهر وحين جاء موعد توقيع عقد العمل تم ذلك في مقر الشركة الكائن في أرقى احياء دمشق، لقد أدهشني حقاً مقر الشركة لنظافته وحسن ديكوراته والاجواء الراقية التي يتعامل فيها الموظفون مع بعضهم البعض، لم أصدق ان مكتب حرستا تابع لهذا المقر، شعرت انهم يرموننا في المزبلة لنستخرج ثرواتهم من ثم يمنون علينا بلقمة مغمسة بالقهر والقرف". المعركة شرسة كمعركة القطط على قطعة لحم، تلك القطعة التي تتحول من مجرد لقمة عيش الى صفقة تكتسح السوق، الانسان فيها مجرد رقم مهدد بالسحق اذا فقد قيمته في رفع الأرباح. الشابة التي كانت تنتظر الحوافز في المناسبات، وتستدعى للعمل في شركات النقل الخاصة لإضفاء مسحة من الأنوثة والنعومة على اجواء مراكز القطع بما يؤنس المسافر ويبدد وحشته، تتحول اليوم الى وسيلة في أيدي اصحاب الشركات للتأثير على رجال الشرطة. راضي "وشيش" يتذمر من الشرطة ومن زميلات المهنة: "لأن مجتمعنا "!!!" اصحاب الشركات دخّلوا البنات على الخط، هم يعرفون ان رجال الشرطة يضعفون امام البنات. لقد قطعوا رزقنا، والسبب، بحسب ما يرويه راضي، ان الشرطة عادة تمنع "الوشيشة" من جلب الزبائن من خارج أسوار الكراج، وتخالف من تجده عند الباب وبالأخص ايام الازدحام كيومي السبت والخميس، فهي تمنع الوشيش من الاقتراب من سيارات التاكسي التي تقل المسافرين الى الكراج، هذا دفع بعض اصحاب الشركات الى توظيف بنات في هذا العمل لأن الشرطة سيكونون اكثر حياء في التعامل مع البنات، وهم لن يضربونهن او يشتمونهن مثلما يتصرفون مع الذكور". ويتابع راضي "لأن صاحب شركتنا حاج فهو لا يقبل ان تعمل بناتنا وشيشة، هو رجل يعرف ربه، ليس كغيره فيقول لنا والله لو أخسر كل يوم، وأضطر لإغلاق الشركة لا أقبل ان تعمل إحدى موظفات شركتي بجلب المسافرين". لكن الى أي حد تكون الفتاة بمنأى عن معارك الكلمات البذيئة في مكان تبدو فيه الذكورة العنوان العريض للحياة؟ فتاة سمراء لم تتوان عن خوض معركة حامية الوطيس مع احد الوشيشة، اتهمته انه أخذ منها زبون حملت حقائبه مسافة 200 متر وكاد المتهم ان يردّ عليها بالضرب بعد ان تراشقا بسيل من الكلمات البذيئة، عبرت من فوق رأس المسافر المغلوب على امره لأن امتعته تحت السيطرة المتنازع عليها. لعل المجتمع السوري المحافظ لم يعتد بعد على مظاهر كتلك، فما الذي يجبر الفتاة على هكذا عمل مضنٍ وشاق؟ تقول سهام: "يومية الوشيش 1000 ليرة سورية، أي ما يعادل عشرين دولاراً، هذا عدا ما قد يحصله من هنا وهناك برّاني، بينما يومية الموظف الاداري قطع تذاكر أو البريد 100 ليرة سورية، اي دولاران". جابر مرافق يسخر من تلك الأرقام، يراها مبالغاً فيها لدرجة الهزء: "معقول ان تكون يومية الوشيش 1000 ليرة، كانت كل الناس عملت في هذه المهنة، انها لا تتعدى 200 ليرة سورية 4 دولارات والوشيش يحصل على مقدار تعبه، ويقبض يومياً، ليس له راتب شهري ثابت، اليوم الذي لا يعمل فيه لا يأكل". قد يكون ذلك سبباً أساسياً في جعل مهنة الوشيش تعتمد على ميزات شخصية تتصف بالشراسة والقدرة على الحصول على الزبون بأي وسيلة كانت، مقابل حوافز مالية تزيد من الدخل في بلد يتفاقم فيه حجم البطالة، ومستوى دخل الفرد فيه لا يتجاوز 5000 ليرة سورية، ومع ارتفاع وتيرة المنافسة بين الشركات صار لا بد من ابتكار أساليب جديدة لتحريك السوق، والتي تمثلت في دفع الشابات نحو "التوشيش"، فهي مهنة لا تستلزم أية كفاءات تعليمية، او مهنية، بل ما تتطلبه: مهارات عضلية ولسان سليط وقدرة على تحمل الاجواء المنحطة. تشكل طبقة الوشيشة في مجتمع الكراجات، الطبقة الأقل شأناً، بعدها تأتي طبقة موظفي القطع والأمنية ومدراء الحركة والمرافقين، بينما يحتل السائقون الطبقة العليا. ولأن الوشيشة من الذكور تكاثروا وراحت بعض مزاياهم تفقد قدرتها على جذب الزبون الراكب، كان الحل في الزج بالفتاة في غمار عمل أثبتت المشاهدة الحية قدرتهن بل تفوقهن في مكان يبدون فيه موضع هجوم جائر ومستمر طوال الوقت. فالشابة التي تعمل في القطع قادرة على كتابة ورقة الأمنية ومحاججة رجال الأمن لتمرير الحافلة، وهي التي ربما تدفعها حمية العمل نحو الاستحواذ على المسافرين وحقائبهم، وسحبهم من أيدي زملاء يفوقونها بقدرتهم العضلية وسلاطتهم اللفظية، إحداهن تقول: "إنني مضطرة لهذا العمل لأنني أتقاضى عنه أضعاف مرتبي حين كنت موظفة ادارية، اذ لم يكن يتجاوز أربعة آلاف ليرة سورية شهرياً، أي ما يعادل 80 دولاراً. لكن هل تعتقد ان المجتمع يتقبل عملها ذلك؟ تجيب بدهشة عن أي مجتمع تتحدثون؟ عندما اجوع وأخوتي الصغار المجتمع لا يطعمنا، المجتمع يتكلم فقط فإذا عملت هذا العمل وهو عمل شريف فهم سيتكلمون عني بأنني فتاة سيئة، وكذلك سيتكلمون عني اني سيئة لو عملت في "كرخانة"، الفارق هو نظرتي الى نفسي، وإذا كان ما أقوم به حلال أو حرام. لكن هل تعتقدين ان الرجال الذين تعملين معهم ضمن محيطك يحترمونك؟ تقول باستهزاء: ومتى كان الرجال يحترمون النساء، عادة الرجال لا يفكرون بالمرأة الا جنسياً، وعندما تتنازع معهم على لقمة العيش، فهم مستعدون لسحقها ولو بأبشع الأساليب، ويرمونها بأحطّ الألفاظ، وأقل ما يقال لها: لما تأتين الى هنا، لماذا لا تجلسين في البيت "تطبخي" أليس ذلك أشرف لك؟". غنى تقول: "نضطر أحياناً للتأخر في العمل وعندما نذهب مساء الى بيوتنا، وما ان نبتعد قليلاً عن مكاتب الشركة حتى يلاحقنا شبان الشركات الأخرى بالتلطيش والكلمات النابية، أحياناً يكون ذلك نوع من التحرش، وأحياناً اخرى نوع من الانتقام كوننا نشاركهم العمل في هذا المكان الذي يعتبرونه مزرعتهم الخاصة". الا ان الأمر الأسوأ كما تصفه غنى هو في رجال الشرطة الذين "لا يختلفون عن هؤلاء الشبان بنزعتهم الذكورية المريضة، وعندما فكرت إحدى المرات باللجوء الى شرطي يقف عند باب الكراج بسبب ملاحقة احدهم بادرني ذلك الشرطي بضحكة خبيثة جعلتني أندم على لحظة ظننت فيها انه كلف بحمايتي كمواطنة". رانيا تحكي عن معاناتها في عملها كمديرة حركة: "أصعد الى الحافلة قبل انطلاقها للتأكد من أماكن جلوس المسافرين وأرقامهم، والتأكد ان الغالبية سددوا ثمن التذكرة، نتعرض في عملنا لحدوث اخطاء كثيرة، احياناً تؤدي الى مشاكل، تتطور الى مشاجرات، مثلاً لمجرد اني فتاة رفض احد الركاب الحديث معي، ورفض رجائي منه بتغيير مقعده ليجلس في المكان المخصص له بحسب التذكرة، وعندما حاولت مناقشته رفع صوته بحدة وشتمني، ما اضطرني لشتمه. والكارثة ان غالبية الرجال المتواجدين في الحافلة تعاملوا معي بعداء غير متوقع، وراحوا يشتمونني ما جعلني اصرخ وأضرب ذلك الرجل، حتى السائق الذي يفترض انه من الشركة التي اعمل فيها وقف الى جانب هؤلاء وأنّبني وقال: "كونك بنتاً كان من الأفضل ان تسكتي، وألا تعملي مثل تلك الفضيحة". في تلك اللحظات شعرت بحاجة للبكاء، الا ان تكالب الرجال من حولي وتأكيدهم على ضعفي جعلني اتصلّب بموقفي وأزداد حماقة. عندما عدت الى البيت لم أنم ليلتها، وبكيت طويلاً". بينما تمضي رحاب نحو سرد معاناتها في الحجز تقول: "منذ انتقلنا الى حرستا فقدنا ميزاتنا كموظفات محترمات، صرنا مثل الملطشة، وإذ حاولنا ان نكون على شيء من اللطافة دفعنا الثمن مباشرة. مثلاً اذا كنت أضع عينيّ على التذكرة لأدوّن المعلومات، بينما أخاطب الزبون بكلمة يا عيني السفر بعد ساعة، فانني ارفع عينيّ لأراه ساهياً، ثم يسألني اذا كان لديّ وقت فراغ لنتعرف، وإذا نظرت الى احدهم بمودة أجابني بعنف: "العمى بقلبك شو ما فيكي حياء". وإذا كنا جافيات بالتعامل فإن تقارير من جهات خفية تذهب الى صاحب الشركة بأن الموظفة الفلانية تعمل على "تطفيش" الزبائن. تلك المعاناة اليومية التي تعيشها الشابات في عالم الكراجات والتي تشكل جزءاً يضاف الى معاناة تعيشها كافة الكائنات البشرية ضمن هذا المحيط، كيف يراها الأهل من الخارج وكيف يقبلون ان تعمل بناتهن في هذا المكان؟ غالبية من التقيناهن أخبرننا ان اهاليهن لا يعرفون بالضبط طبيعة عملهن، فقط يعرفون أنهن موظفات في شركات نقل ومنهن من لم يخبرن ذويهن عن التغييرات التي طرأت على عملهن بعد الانتقال الى حرستا".