تريد الولاياتالمتحدة محاربة زراعة المخدرات في كولومبيا فتقدّم مئات ملايين الدولارات من المساعدات... العسكرية. الاتحاد الأوروبي، من جهته، وتحقيقاً للغاية نفسها، يدفع مبلغاً اقل على شكل دعم لمناطق فقيرة من اجل مساعدتها على التخلص من الممنوعات. لكل اسلوبه. تسعى واشنطن الى درع صاروخي يقيها هجمات محتملة من "دول مارقة" كما تزعم. يعارض الأوروبيون، في معظمهم، هذا التوجّه، ويقللون من حجم المخاطر ومن الإمكانات التكنولوجية، ويصرّون على الحوار مع روسيا والصين. تقاطع اميركا كوريا الشمالية فيتوجّه وفد أوروبي إليها لإبقائها ضمن دائرة التزاماتها. يعلن جورج بوش انسحابه من "كيوتو" فتبدي أوروبا تذمّرها سواء من التصرف الانفرادي او من ضعف الحساسية الأميركية حيال قضايا البيئة، خصوصاً أن القارة الجديدة هي سبب التلوّث الأول في العالم. تدفع الدول الأوروبية مستحقاتها الى الأممالمتحدة، مدركة ان الهيئة الدولية تواكب وتؤيد وتنفذ سياسات في مصلحة "المعسكر الغربي". اما الولاياتالمتحدة فلا تكلّف نفسها عناء الاستعجال في تعيين مندوب دائم الى مجلس الأمن، وتتلكأ في دفع ما عليها، وتستغرب كيف تم استبعادها من بعض المنظمات الدولية الفرعية. وهي، فوق ذلك، لا تزال "عاتبة" على اليونسكو! ويمكن ان تطول سلسلة الأمثلة من محكمة الجزاء الدولية، الى الاتفاقية ضد الألغام، الى حظر التجارب النووية... ففي هذه الحالات التي كانت اميركا، احياناً، قوة محركة لها، تبدو أوروبا اكثر حماسة لإنجاحها والانضباط بموجباتها. تفرض الولاياتالمتحدة عقوبات متدرجة ومتنوعة على اكثر من نصف دول العالم، وتسن قوانين تسمح لها بملاحقة شركات وأفراد من دول أخرى إذا خالفوها، فتحاول أوروبا ما عدا بريطانيا أن تنهج نهجاً آخر يتراوح بين "الحوار النقدي" وتخفيف اجراءات الحصار. لقد أتاح هذا التباين، وله أسبابه التاريخية والجغرافية والاقتصادية والثقافية، لبعض المحللين الحديث عن "الهوة القيمية" بين أوروبا وأميركا تيمّناً بما يسمى "الهوة الرقمية" بين العالمين المتقدم والمتخلف. ولعل "الهوة القيمية" تبدو واضحة اكثر عند النظر في ادارة النخب لبلدانها، ولشؤونها الداخلية. وهنا، ايضاً، يجب استثناء بريطانيا في عدد من الحالات، خصوصاً تلك المتعلقة بالأمور الاقتصادية والاجتماعية، حيث ان التقارب الثاتشري - الريغاني، وما يعبّر عنه، لا يزال فاعلاً. فمن عقوبة الموت، الى حرية حمل السلاح، الى التشكيك بالدولة، الى كراهية دور الرعاية، الى الصلة الإيمانية بالسوق ومفاعيلها، الى علاقة المال بالثقافة، الى موقع المنظمات الوسيطة، الى توزيع المسؤوليات بين القطاعين العام والخاص، الخ... في هذه القضايا المجتمعية كلها يمكن الحديث عن معدل وسطي أوروبي مختلف عن مثيله الأميركي وإن كان ذلك لا يخفي تمايزات كثيرة ضمن دول "القارة القديمة". ان الاعتراف بهذا التباين يفسّر جانباً من الانتقادات الأوروبية لأميركا او المآخذ الاميركية على "عقلية أوروبية متحجّرة" ترفض الاقتداء الحرفي بنموذج أثبت فاعليته في العقد الماضي. غير ان هذا الاعتراف لا يلغي ان ما يحصل، عملياً، هو "أمركة" أوروبا أكثر من "أوربة" أميركا. ويحصل ذلك في ظل ميل شعبي يؤيد هذه العملية او، بالأحرى، يؤيدها حتى الآن طالما ان نتائجها السلبية البعيدة المدى لم تظهر بعد. لا يجوز الاستنتاج مما تقدم ان الاختلاف اكبر من التوافق وأنه قد يهدد متانة التحالف بين القوتين الأكبر في عالم اليوم. فالجذع المشترك أقوى بما لا يقاس من التباينات، وهو سيبقى كذلك حتى لو استتب الأمر لجورج بوش واستفزازاته المتمادية لحلفائه.