Haytham Manna ed.. Violences et Torture dans le Monde Arabe. العنف والتعذيب في العالم العربي. L'Harmattan, Paris. 2000. 200 pages. قد يكون عنوان هذا الكتاب أكبر مما ينبغي. فالحديث عن التعذيب في العالم العربي لا تستوعبه موسوعة بكاملها، فكيف إذا اقترن بالحديث أيضاً عن "العنف"، وهو ظاهرة أوسع نطاقاً بما لايقاس؟ وكيف أيضاً إذا تخطى الحديث العالم العربي بدوله الثلاث والعشرين الى اسرائيل حيث للتعذيب تغطية "قانونية" متى تعلق الأمر لا بالمواطنين الاسرائيليين أنفسهم، بل حصراً بالمعتقلين الفلسطينيين؟ ولكن إذا كان كتاب "العنف والتعذيب في العالم العربي" لا يفي بما يعد به عنوانه، فلنقرّ للذين شاركوا في تأليفه: هيثم مناع والمنصف المرزوقي وفيوليت داغر وي. ناصر ورشيد مسلي وعصام يونس، بأنهم طرحوا اسئلة رئيسية وكشفوا النقاب عن وقائع أساسية مسكوت عنها، لأنها تدخل في نطاق ما كان أسماه المرحوم ابو علي ياسين ب"الثالوث المحرم" - وان يكن هذا الثالوث عندنا هو الدين والجنس والعنف، وليس الدين والجنس والصراع الطبقي كما افترض أبو علي. ولن نتوقف هنا عند الوقائع. إذ ليس في نظرنا من مصداقية للكلام عن "العنف والتعذيب في العالم العربي" إلا بقدر ما يغطي جميع الدول العربية بلا استثناء، علماً بأن نصيبها من العنف المجتمعي يكاد يكون متساوياً، وان اختلفت مراتبها ودرجاتها سواء في ممارسة التعذيب أم في تطبيق العقوبات الجسدية. ولا يخامرنا الشك في أن حجم الكتاب هو وحده هنا ما منع التغطية الشاملة لوقائع العنف والتعذيب في جميع دول العالم العربي، وان خص بعضها بالتسمية دون الأخرى. فالكتاب لا يمارس - كما في الإعلام العربي السائد اليوم بخصوص ظاهرة التعذيب - لعبة رمي الكرة في ملعب الآخرين. ولئن يكن قد اضطر الى أن يكون انتقائياً، فما ذلك عن حسابات سياسية أو قطرية. وما ساقه من "عينات" على التعذيب انما تحكمت به "التجربة الشخصية" لبعض محرري الكتاب. والحال ان هذه "التجربة" مفتوحة وقابلة للتعميم الى ما لا نهاية. ومن دون أن تكون الدول العربية متساوية كأسنان المشط، فليس لها أن تزايد على غيرها في مجال حقوق الانسان والمواطن. فالقمع الذي يطول حرية السياسة في بعضها، يطول حرية الرأي أو السلوك الاجتماعي في بعضها الآخر. وصحيح ان الاستبداد السياسي يبدو اليوم هو الأكثر صخباً، ولكن السياسة ليست الحقل الوحيد لتظاهر الاستبداد، ولا سيما في العالم العربي الذي لم "تقطع" عدة من دوله مع موروث القرون الوسطى. وإذا تركنا الآن "الوقائع" وجئنا الى "الأسئلة"، فإننا سنحصرها - نظير ما يفعل المنصف المرزوقي - بسؤال واحد: ان التعذيب ظاهرة قديمة قدم البشرية، فلماذا غدا اليوم فقط "محسوساً" و"منظوراً"؟ ان الاجابة لا يمكن أن تكون بسيطة ولا آحادية. فهناك أولاً التطور التاريخي، والتراكم في التقدم الذي ما فتئت تحققه الانسانية بابتعادها المطّرد عن الشرط الحيواني الذي وجد فيه الانسان الأول. وهناك ثانياً ظاهرة انتشار المدن وتحول العمران البشري من عمران بدوي وريفي الى عمران مدني. فأكثر من نصف البشرية هم اليوم من سكان المدن، بعد ان كانت هذه النسبة لا تتعدى 10 في المئة في العالم القديم. وهناك ثالثاً الارتفاع المطّرد في مستوى الحياة والصحة والتعليم بفضل الثورة الصناعية وما بعد الصناعية. وهناك رابعاً ثورة تكنولوجيات الاتصال الحديثة التي جعلت كل العالم حاضراً، بالصوت والصورة، في كل العالم. ولكن جميع هذه العوامل المادية والموضوعية لا تكافئ، على أهميتها البالغة، العامل الثقافي. فالتعذيب ما كان له أن يصير منظوراً قبل أن يرى مفهوم "الانسان" نفسه النور. والحال ان هذا المفهوم الذي شكل نوعاً من قطيعة معرفية في تاريخ البشرية ووعيها لذاتها، هو مفهوم طريء لا يزيد عمره على قرنين من الزمن. فالانسان لم يكن هو "الانسان" في جميع أطوار البشرية وفي جميع حضاراتها. ففي الحضارة اليونانية، وهي من أسبق حضارات البشرية في صياغة الوعي الذاتي للبشرية، كان مفهوم الانسان محكوماً بإشكالية "اليونانيين والبرابرة". فلم يكن الشرط الانساني معترفاً به إلا للأقحاح من سكان المدن اليونانية. أما بقية البشر فكانوا مما دون البشر، هذا ان لم يكونوا من الأرقاء الذين لا نصاب لهم سوى نصاب البضاعة التي تُشرى وتباع وتستهلك، أو القوة العضلية التي تُوظّف في المناجم أو المزارع أو في تجديف السفن من دون أن يكون لها أي حق سوى حق مالكها فيها حياةً أو موتاً، وبطبيعة الحال عقاباً جسدياً وتعذيباً. وفي الحضارة الرومانية التي كانت واحدة من أكبر الحضارات الراقية في العالم، كان القانون يميز تمييزاً حاداً بين المواطن الروماني - الذي هو وحده الانسان - وبين العبيد. وهذا القانون ما كان يبيح تعذيب العبيد فحسب، بل يوجبه أيضاً. فالعبد لا تقبل شهادته إلا تحت التعذيب إذ هو كاذب بالفطرة، ولا يقول الصدق إلا إذا عُذِّب. ولم يكن مفهوم المواطنة يشمل سوى الاقحاح من الرومانيين، ولا ينطبق بالتالي على سكان البلدان المفتوحة، لا سيما في الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط. ومن هنا فإن الآلاف المؤلفة من سكان هذا الحوض، ممن اعتنقوا المسيحية، تعرضوا للتنكيل وللتعذيب على نحو يعز مثيله في تاريخ البشرية المتمدينة. ولكن ذلك لم يمنع المسيحية، عندما صارت لها سلطة الدولة منذ تنصّر قسطنطين في مطلع القرن الرابع الميلادي، من أن تمارس بدورها على الوثنيين من سكان الامبراطورية الرومانية سياسة التعذيب عينها التي أنزلها الوثنيون الرومانيون بشهداء المسيحية الأولى. فكما أن المسيحي في نظر الوثني الروماني لم يكن انساناً، كذلك فإن الوثني الروماني لم يكن في نظر المسيحي انساناً. وفي القرون الوسطى لم يطرأ تعديل يذكر على هذه القاعدة. ففي الوقت الذي تم فيه استئصال شأفة الوثنية في الامبراطورية الرومانية الجرمانية "المقدسة" التي غطت كل حقبة القرون الوسطى في الغرب وصولاً الى نهاية القرن الثامن عشر، رأت النور مقولة تصنيفية جديدة للانسان الذي ما هو بإنسان، والذي لا يتمتع بكرامة الانسان ولا بما توجبه له هذه الكرامة من حماية ضد التعذيب بوصفه مخلوقاً من الله على صورة الله، نعني الهرطوقي. فتاريخ التعذيب في الغرب القروسطي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمقاومة الهرطقة التي رُفع العداء لها الى مستوى العداء للوثنية في زمن انقرضت فيه الوثنية. فالهرطوقي، إذ يكف عن ان يكون مسيحياً، يكف عن أن يكون انساناً. فهو عميل إبليس في داخل مملكة الله على الأرض. وبصفته كذلك فهو مرشح للاستئصال. ولكن بوصفه متنكراً في إهاب مسيحي، فليس من سبيل الى كشفه الا بالتعذيب. فالتعذيب ليس عقوبة، بل وسيلة للامتحان. ووحده من يصمد للتعذيب، على ضراوته التي تندّ عن الوصف، يثبت براءته من العمالة للشيطان. هذا الحد للانسان بعقيدته، لا بماهيته الانسانية، لم يكن وقفاً على الغرب المسيحي، بل شمل أيضاً الشرق الاسلامي. فههنا ايضاً تطابقت مقولة الانسان مع مقولة المؤمن، واستُبعد من الشرط الانساني كل من هو مشرك أو كافر، وفي وقت لاحق كل من هو صاحب بدعة، والبدعة في الفقه الاسلامي تعادل الهرطقة في اللاهوت المسيحي. وعذابات ابن المقفع الذي شوي في النار شياً، والحلاج الذي جُلد ألف سوط وقُطعت أطرافه يداً يداً ورجلاً رجلاً قبل أن تُضرب عنقه وتُحرق جثته، تنهض شاهداً على أن مقولة "الانسان" كانت محصورة في الحضارة العربية الاسلامية، كما في الحضارة اللاتينية المسيحية، بصنف بعينه من البشر ممن لا تلحق بهم شبهة الكفر أو حتى البدعة. وقد كان يفترض بالحداثة، التي "قطعت" معرفياً مع القرون الوسطى، ان تكرس مفهوم الانسان بمعناه الكلي. وقد بدا بالفعل وكأن الثورة الفرنسية فعلت ذلك عندما صدر عنها في 26 آب اغسطس 1789 "اعلان حقوق الانسان والمواطن". فلأول مرة في التاريخ غدا الانسان انساناً، وتعود إليه حقوق المواطن تامة، بصرف النظر عن قناعاته الدينية ووضعيته الاجتماعية. لكن هذا الانسان الكلي والمواطن التام الحقوق تعثر مخاضه التاريخي في الواقع، وان يكن المفهوم قد رأى النور على الورق. فإنسان الثورة الفرنسية كان الانسان البورجوازي حصراً، كما أثبتت الممارسة التاريخية للرأسمالية لاحقاً. وفضلاً عن ذلك فإن تطور الرأسمالية قد ارتبط ابتداء من القرن التاسع عشر بتوسع ظاهرة الاستعمار، مما حصر الشرط الانساني ب"الرجل الأبيض" وبقي انسان المستعمرات يعامل معاملة ما دون الانسان. ففرنسا، التي كانت ألغت نظام الرق في الداخل منذ منتصف القرن الثامن عشر، تأخرت في إلغائه في مستعمراتها الى نهاية القرن التاسع عشر. والولايات المتحدة الأميركية، التي سبقت الثورة الفرنسية نفسها الى تضمين اعلان استقلالها الصادر عام 1776 مفهوم الانسان التام الانسانية، لم تلغ نظام الرق إلا عام 1865، ثم تأخرت قرناً آخر بكامله لتقر للانسان الأسود بصفته الانسانية وبحقوقه الكاملة كمواطن. وقد ظل التعذيب سيد الموقف في مزارع الجنوب الأميركي كما في المستعمرات الأوروبية كافة. بل كما أثبت هنري أليغ في كتابه المشهور La Question، فإن التعذيب كان هو اللغة الأكثر استعمالاً من قبل الأجهزة الأمنية الفرنسية في قمع ثورة الجزائريين الذين كانوا معدودين حتى عام 1962 "مواطنين" فرنسيين. وبالاضافة الى المسألة الاستعمارية التي حصرت انسانية الانسان بالرجل الأبيض دون الملوّن، فإن المسألة القومية التي ألهبت مسرح الأحداث في التاريخ الأوروبي على امتداد القرن التاسع عشر، أحدثت انشطاراً جذرياً في مفهوم الانسان الكلي باستحداثها مفهوم "العدو القومي". فالعدو القومي في الأنظمة العلمانية يكافئ الكافر في الأنظمة اللاهوتية. فهو ليس انساناً، وتعذيبه مباح، بل واجب. وقد كان القرن التاسع عشر - مع امتدادات الى القرن العشرين قرن عذابات وتنكيلات ومجازر جماعية بحق الانسان الآخر من حيث هو آخر بالمعنى الاثني للكلمة. ومن منظور الممارسة التاريخية للتعذيب، فإن الوضعية لم تتحسن في القرن العشرين، بل ازدادت على العكس سوءاً وتفاقماً. فالقرن العشرون كان بألف ولام التعريف قرن الايديولوجيا. وقد مارست النازية في المانيا والشيوعية في الاتحاد السوفياتي لاهوتاً في نفي الآخر الايديولوجي أكثر تشنجاً حتى من لاهوت القرون الوسطى في نفي الآخر الديني. وقد اخترعت كلتاهما صيغة جديدة من محاكم التفتيش من خلال معسكرات الاعتقال في المانيا ومعسكرات العمل الغولاغ في الاتحاد السوفياتي. وقد كان عشرات الملايين من نزلاء هذه المعسكرات ممن لا تنطبق عليهم مقولة البشر إما بسبب انتمائهم الاثني غير الآري يهود وغجر وسلافيين في المعتقلات النازية، واما بسبب وضعهم الطبقي و"انحرافهم" الايديولوجي كولاك وبورجوازيين كبار وصغار و"خونة" حزبيين و"تحريفيين" في المعتقلات السوفياتية. ويبدو ان جماعية التعذيب وضراوته اللامتناهية في هاتين التجربتين الايديولوجيتين، وفي التجارب المحاكية لهما في العديد من بلدان العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، قد تسببت في قرف جماعي ايضاً للبشرية من التعذيب فكرة ولاهوتاً وتقنية معاً. ومع ان التعذيب لا يزال ممارسة يومية في ظل معظم الأنظمة اللاديموقراطية سداً لعجز ميزانيتها من الشرعية، فإنه من علامات ذلك الانقلاب في حساسية البشرية تجاه التعذيب ان تكون تلك الأنظمة جميعها قد غدت مضطرة لأن تؤكد "براءتها" وتغسل أيديها عند الاقتضاء من ممارسة الأجهزة التابعة لها للتعذيب. فالتعذيب قد غدا اليوم، على عكس ما كان عليه الحال في القرون الوسطى، هو العار الذي لا يسمى. وانما من هذا المنظور يمكن أن نتفاءل ونقول انه وان يكن لا يزال أمام التعذيب كتقنية سياسية عمر مديد، فإنه قد أمسى من الآن بلا مستقبل. وهذا حتى في العالم العربي.