-1- قد لا يكون من السهل علينا ان ننظر الى صورة الشاعر بوصفها علامة ثقافية سلبية، او ان نقول إن الطاغية والشاعر - معا - هما ناتج ذهنية ثقافية يتولد عنها نسق الطاغية. وهذا تصور صعب ولا شك، والسبب في صعوبته هو ما ظلت الثقافة تغرسه في نفوسنا عن الشاعر بوصفه ضمير الثقافة ولسان الأمة، إضافة الى ما ظل الشعراء يزعمونه لأنفسهم من كونهم النبض الصادق والحس المرهف، وبأنهم يرون ما لا يرى غيرهم، وانهم لهذا امراء اللغة والضمير. هذه هي الصورة المعلنة عن الشعراء وهي دعوى وضعت الشعراء آلهة وأنبياء وحكماء وجعلتهم ضرورة إنسانية ووجدانية لأي أمة من الأمم. هذه دعوى كان من الممكن ان تمر بسلام وكان من الممكن ان ننظر اليها على انها ضرب من النرجسية المقبولة والمبررة. وهذا بالضبط ما فعلته الثقافات في كل البقاع والازمنة وما زالت تفعله إذ احتل الشاعر موقعا خاصا في التعامل والنظر. غير ان موجبات النقد تقتضي منا ان ننظر في عيوب الأنساق الثقافية وفي عيوب التصورات الذهنية والمسلمات الفنية. وبهذا المقتضى فإننا نرى ان الصورة الجميلة المنمقة للشاعر تنطوي من تحتها على أضرار جسيمة. وسنرى ان الجميل ينطوي على القبيح، ولا بأس هنا من استدعاء معنى كلمة جميل ودلالاتها على الشحم. والشحم في الذهن الثقافي العام لذيذ وعلامة رخاء ودعة، ولكن الفحص الدقيق للأمور يكشف عن اضرار الشحم الصحية والنفسية، وهذا معنى حديث لم يعرف من قبل. ومن هنا فإن جماليات الشعر تتضمن قباحات جسيمة، وأفدح هذه القباحات هي هذه الرغبة الكاسحة في التفرد والتوحد وإبراز الأنا فوق كل من عداها، مع سماح الثقافة للشاعر بأن يقول ذلك بلا حساب أو نقد. وهذا - طبعاً - ما يعطي تبريرا متواصلاً ويخلق ارضية متاحة لولادة الطاغية الذي يحمل صفات لا تختلف بحال عن صفات الشاعر الفحل، وليس من فارق سوى ان المبدع يقول والسياسي يفعل، والنسق الثقافي هو المصدر الفاعل هنا من حيث إنتاجه للصفات وترويجه لها عبر ادبيات ظاهرها برئ ومحايد وجمالي، غير ان تأثيرها بليغ وخطير وممتد. وهو نموذج نسقي يمسك حياتنا من اولها الى آخرها، والخيط طويل جدا من امرئ القيس وعلقمة الفحل وزملائهما الفحول الى نزار قباني ومن معه وبعده. - بمن في ذلك نحن كجمهور يستهلك ويصفق -. كما انه ممتد من النعمان صاحب يومي البؤس والنعيم إلى الحجاج الذي قال عنه عمر بن عبدالعزيز - مرة - : لو أن كل أمة جاء يوم القيامة بذنوبها وجذناهم بالحجاج لغلبناهم، إلى طاغية اليوم في بغداد الذي لو علم عنه عمر بن عبدالعزيز ماذا كان سيقول وقد فاق كل سابقيه بأفاعيله. -2- ومما يكشف لنا عن فداحة تغلغل نموذج الصنم البلاغي أو النسق الثقافي المهيمن علينا اننا لو قارنا نظرتنا الى طاغية بغداد قبل عام 90 ونظرتنا إليه بعد ذلك لهالنا اننا كنا على رضى وتأييد لذلك الطاغية قبل عام 90 غير متمعنين بهذا التأييد وفي ما إذا كان صوابا ام لا. كنا تحت سيطرة النسق الثقافي البلاغي، الذي به وبسببه نقبل فكرة الفحل المنقذ الاوحد الذي لا غيره، ونقبل تعاليه على النقد. وكل فعل له هو مما يجب علينا ان يقول وعلينا ان نعرب، وكل ثقافتنا تأخذ بقاعدة تبرير قول الشاعر الذي يجوز له ما لا يجوز لغيره - حسب مقولة الخليل بن أحمد. وكل خروج للشاعر هو أمر مآله القبول، ومن عاداه فبئس ما اقتنى. هذه الصورة المنغرسة فينا ذهنيا هي ما يدفعنا الى الهتاف للطغاة ظناً منا انهم فحول التاريخ. -3- وإذا كنا أشرنا سابقاً الى وجود سمات ديمقراطية في النقد البلاغي مثل سمة الاختلاف، والاعتراف بالآخر والتعددية الفكرية، الا ان هذه القيم ضاعت ولم تؤسس لنسق مفتوح، بسبب قبول الناقد القديم والحديث على معاملة الشاعر معاملة خاصة، وبسبب قبول تعالي النموذج الفحولي في الابداع، وهذا عزل قيم الانفتاح من جهة وبرر تنافي وانغراس صورة الفرد المتعالي من جهة ثانية، وجاءنا الشاعر الفحل والسياسي الطاغية وصفقنا نحن للاثنين معاً لأنهما مثالان على نسق واحد. -4- أقول هنا ان مسؤولية النقد اليوم هي في هذا التحول النوعي من نقد النصوص الى نقد الأنساق. ومن البحث عن الجماليات إلى البحث عن القباحات. وهذا النقد الثقافي كخليفة للنقد الأدبي. * أكاديمي سعودي.