في الثمانينيات زار الأرجنتيني دييغو مارادونا جدة للعب مباراة استعراضية مع الأهلي ضد أحد الأندية الهولندية، وحينها قضى الأسطورة ثلاثة أيام كانت كفيلة بأن تجعل زيارته الحدث الأهم في المجتمع السعودي، المهتمون بشؤون المجتمع اعتبروا استقدام مارادونا بطائرة خاصة ودفع مئات الآلاف إسرافاً يفوق ما يحدث في ولائم الأعراس، بينما اعتبر المهتمون بالشأن الاقتصادي أن استيراد هذا القصير خطوة نحو مزيد من الأفكار الاستثمارية، ولا سيما أن الذين استقدموه ربحوا ضعف ما دفعوه لمارادونا، والمحافظون تعاطوا بدورهم مع الضيف الأرجنتيني حتى إن بعضهم أخذ يردد عبارات الويل والثبور ويدعو الله أن ينزع البركة من عمل مارادونا ومن سعى إلى مجيئه، والمثقفون أيضاً اعتبروا الاهتمام بزيارة مارادونا تسطيحاً لهموم الأمة والمخاطر التي تحيق بها، على اعتبار أن مارادونا في العام الذي سبق تلك الزيارة كان يجهش بالبكاء أمام حائط المبكى دون أدنى مراعاة لمشاعر الأمة العربية وكأن مارادونا محسوب عليها أو لمح إلى هذا يوماً. وبالأمس عاد الأسطورة مارادونا إلى الخليج على أنغام أغنية سعدون جابر «عشرين عام انقضت وأنت اللي ناسينا» ليبرم عقداً لتدريب الوصل الإماراتي لعامين، وهو ما يعني أن ضاحية زعبيل معقل الوصل ستصبح واحدة من أشهر الضواحي في العالم، بل إن سعر المتر المربع ربما سيتضاعف خلال أشهر لأن سكان دبي وزوارها سيتنفسون مارادونا لعامين مقبلين.. وبقدوم مارادونا ستتغير دبي وستزداد تكاليف الرحلات السياحية، لأنها تتضمن زيارة لمشاهدة تدريبات فريق الوصل بقيادة مارادونا، وربما تتضمن زيارة إلى مدينة «عالم مارادونا» على غرار «عالم فيراري»، البنوك ستمنح مكافآت لعملاء البطاقات الائتمانية تتمثل بعشاء فاخر على شرف مارادونا مقابل الحصول مليون ميل.. وربما تتقدم قناة الجزيرة الرياضية لشراء الحقوق الحصرية لحلقات برنامج «شاعر المليون» لخمسة مواسم مقبلة على اعتبار أن مارادونا سيزور مسرح شاطئ الراحة لمتابعة الحلقات! الحياة في دبي ستتغير ومن المحتمل أن يوقف الناس سياراتهم ليستخدموا المترو لأن مارادونا يفضل التنقل بهذه الوسيلة، ايضاً الخدمات الطبية ستشهد نقلة كبرى، لأن الأسطورة سيتلقى العلاج من حالات الرشح والزكام في مدينة دبي الطبية... ستتغير أشياء كثيرة منها أن بعض الطرق سيتم إغلاقها نصف ساعة مرتين في اليوم لتأمين تنقلات مارادونا من وإلى زعبيل وهذا الأمر يتطلب إنشاء المزيد من الجسور والطرق البديلة، كذلك ستتم زيادة بوابات «سالك» إلى الضعف لتقليل ضجيج السيارات في الشارع الذي يقطن فيه الأسطورة.. ايضاً ربما يطالب نادي النصر السعودي مجدداً بالمشاركة في بطولة مجلس التعاون على أمل أن يعود إلى زعبيل حباً وكرامة للعب أمام كتيبة مارادونا و«المسامح كريم». وما بين جدةودبي نحو عشرين عاماً تغير فيها مارادونا غير أنه احتفظ بحب الناس الذي بلغ مرحلة الهوس في أحيان كثيرة على رغم اعتزاله اللعب منذ سنوات طويلة، ولو سألت عن مصدر هذا الحب لن تجد إجابة حتى من مارادونا نفسه، فالرجل سيئ المزاج نزق الطبع لا يجيد التعامل مع الآخرين، صدامي وغير واقعي ومع ذلك يحظى بالقبول. هذه الكيمياء أنتجت بضاعة فريدة أغرت الكثيرين في العالم لترويجها والاستفادة من عائداتها من دون النظر إلى جودتها.. ربما كان هذا السر في بقاء مارادونا من دون غيره. طلال الحمود [email protected]