قال د.جاسر الحربش أخصائي الأمراض الباطنية وأحد أقدم الأطباء السعوديين في هذا المجال: إن هناك انتشاراً لمرض القولون بين السعوديين بشكل ملحوظ. ويعرّف د.الحربش القولون بأنه عضو فسيولوجي. وآخر الأمعاء في القناة الهضمية، وهو أكثرها ضخامة وسمكاً، لكنه أيضاً أسرعها استجابة وشكوى من التحديات النفسية والغذائية. ويمتد القولون عبر البطن من الجهة اليمنى السفلية صعوداً إلى الجهة السفلية اليسرى اعتراضاً ثم نزولاً، ويقسم إلى القولون الصاعد والمعترض والنازل والسيفوني، لأن هذا الأخير له شكل الكوع. والطول الكلي للقولون يتراوح من متر إلى متر وربع. وعلمياً لا يوجد مرض يسمى طبياً بمرض القولون على الإطلاق. المفهوم الشعبي الشائع كان يعني قديماً متلازمة القولون العصبي. هذه التسمية استبدلت منذ أكثر من ثلاثة عقود باسم: متلازمة الجهاز الهضمي العصبي. السبب هو الإدراك طبياً أن هذه المتلازمة العصبية تشمل كل الجهاز الهضمي من الأعلى إلى الأسفل بالكامل. لكن القولون كعضو معرض لمختلف الأمراض الالتهابية والكيميائية والميكروبية والورمية، مثله مثل كل أعضاء الجهاز الهضمي.
لذلك فمتلازمة الجهاز الهضمي العصبي كما يقول د.الحربش بالمفهوم الشعبي المقصود بمرض القولون يشمل على الأقل نصف الحالات التي تراجع العيادات الباطنية في السعودية حسب خبرتي الشخصية. والأعراض تبدأ بالفعل عادة في القولون هكذا: نوبات متكررة من التقلصات المعوية (المغص) والتطبل بالغازات وقرقرة الأمعاء المحرجة اجتماعياً واضطراب التخلص من الفضلات والغازات بشكل كامل. ما تلبث أن تلحق بهذه الأعراض شكاوى أخرى تتعلق بأعضاء الجهاز الهضمي الأخرى، مثل الحموضة (المعدة)، الارتجاع الحمضي (المريء)، ضيق النفس (الحجاب الحاجز)، الخفقان والإجهاد السريع (ضغط الحجاب الحاجز على الصدر)، آلام الصدر والكتف الأيسر خصوصاً، اضطراب النوم، الشعور بالدوخان والصداع، وغير ذلك كثير. ومجموع هذه الشكاوى يوجب في المراجعة الطبية الأولى فحوصات طبية دقيقة وشاملة للمريض، فإذا ثبت عدم وجود أي علة عضوية يقال للمراجع إنه يعاني من متلازمة الجهاز الهضمي العصبي.
ويحدد الأسباب كما يلي: السبب الأول هو القلق الاجتماعي الشديد لمختلف الأسباب، والتحسس النفسي الزائد عن المعدل الطبيعي للانفعال، والميل الشخصي إلى السوداوية والتشاؤم، بالإضافة إلى كمية أعباء المسؤوليات الضاغطة على الإنسان. لذلك نجد أن المصاب بهذه الأعراض حين يجد نفسه في جو مريح (إجازة مثلاً) يستطيع أن يأكل ويشرب أصنافاً من الأغذية لا يستطيع تحملها في حياته اليومية المعتادة ولا يشعر بالأعراض.
واكد الحربش أن بعد القلق تأتي الفوضى الحياتية والغذائية، مثل السهر في الليل والنوم في النهار، والتسيب في انتظام الوجبات، والإسراف في تناول الدهون والتوابل والغازيات والقهوة والحمضيات والنوافخ، مثل الثوم والفجل والبقول والملفوف، وكذلك النوم بعد الوجبات الثقيلة.
وعن أسباب الانتشار مؤخراً، قال: ليس مؤخراً بل منذ عدة عقود، والحالات في ازدياد. متطلبات الحياة المدنية المقلقة معروفة للجميع، والإحباطات الوظيفية والأسرية والاجتماعية، والتخبط الغذائي عندما يأكل الشخص ويشرب للتذوق والاستمتاع على حساب الصحة والعافية. من المهم أن أضيف هنا تضاؤل الإمكانيات في مجتمعنا الاستهلاكي في الحصول على غذاء نقي وطازج. المشاهد المتداولة إلكترونيا عن الأسماك التالفة والمطاعم الموبوءة والغش المنتشر في مصادر ونوعيات وتخزين وتواريخ الأغذية والمشروبات، كل هذا يشير إلى مشكلة كبرى تساهم في أمراض الجسم بكامله وليس الجهاز الهضمي فقط.
وعن أبرز طرق الوقاية المثلى من مرض القولون وأمراض الباطنة، أكد الحربش أن المسؤولية مشتركة بين وزارة التجارة والداخلية (المنافذ البرية والبحرية والجوية والجمارك) ووزارة الصحة (صحة البيئة والطب الوقائي) ورقابة الأسواق وحماية المستهلك. كذلك لا غنى لأي مجتمع حديث عن مساهمات مؤسسات المجتمع المدني في الرقابة والوقاية والتوعية، على أن تكون تطوعية ومستقلة أما بخصوص الجانب الشخصي للوقاية فهذه تقع في مجال الاختيار الذكي للغذاء والنشاط الرياضي المعقول والتعرض للعوامل الطبيعية الضرورية للصحة (الشمس والهواء)، والنوم ليلاً والعمل نهاراً ما عدا للضرورات الوظيفية.
وعن أكثر الأمراض الباطنية المنتشرة لدى السعوديين، أشار الحربش إلى أنه ليس من مؤيدي التثقيف الصحي والعشوائي عن طريق التوسع الوصفي للأمراض لأن هذا يثير من الوساوس أكثر مما يفيد. ما أطلبه هو اقتصار التثقيف الصحي على المجالات التالية:
· تثقيف اكتساب المهارات البسيطة في مجال الإسعافات الأولية.
ماعدا ذلك أكتفي بالقول اذهب إلى الطبيب متى ما شعرت بأن جسدك أو مزاجك ليس على ما يرام.
مؤكداً أن الرياضة يجب أن تشمل البدن كله، وما يفيد البدن يفيد ضمنا الجهاز الهضمي. معدة التاجر الجالس ليست بقوة معدة العامل المتحرك في الدكان.
وقدم الحربش نصائح على أعتاب الصيف.. وقال: لا تأكل خارج المنزل قدر الإمكان. احرص على شراء البضائع الطازجة (المنظر والملمس والرائحة). أثناء الإجازة والسفر ابحث عن المطعم النظيف، وألق نظرة على المطبخ والمغاسل لأن الطباخ يستعمل نفس المغاسل ثم يعود للطبخ. لا تأكل ما لم تنضجه النار جيداً. المقبلات والسلطات والفواكه تستطيع تحضيرها في السكن.
وحول مقولة: المعدة هي بيت الداء، أكد الحربش أنها حكمة تحتوي على عمق لا يتسع له المجال هنا، ولها علاقة بالطيب والخبيث والغث والسمين، وهذه مواضيع أوسع من البحار والمحيطات.