لست هنا بصفة الواعظ، ولكني أضيء لجانب هام من جوانب حياتنا ابتعدنا عنه وهو النصيحة.. فالنصيحة هي الإرشاد إلى ما فيه المصلحة والابتعاد عما يؤدي إلى الخسارة سواء في الدنيا أو الآخرة، وقد جاء فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» أو كما قال. ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الخلق ومانح كل مخلوق ما يستحقه، وما يستطيع القيام به من مسؤوليات فكيف تكون النصيحة لله؟ تكون النصيحة لله بالقيام بما فرض الله علينا بإخلاص والمحافظة على ما استودعنا عليه من فرائض بأمانة وإذعان لما أمرنا الله به وعدم التفريط في حق من حقوق الله وحقوق عباده. أما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معلم الأمة وحامل الرسالة وحافظ الأمانة فهي تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه من الخالق جل وعلا. هذا حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم على الإنسان المسلم الذي استأمنه الخالق على كلمة التوحيد وطلب منه العمل بموجبها وعدم إشراك غيره في أي عمل يؤدي إلى الشرك الذي عده الله سبحانه أعظم درجات الظلم وكبيرة الكبائر. فكيف تكون النصيحة لأئمة المسلمين؟ تكون بالتوجيه والإرشاد إلى ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين دون شطط أو افتئات، ودون الاقتصار على بيان المثالب وإغفال المحاسن، لأن من ركز على ذكر المثالب والعيوب إنما يدعو إلى النفور وعدم تقبل النصح، ومن دأب على ذكر المحاسن ولم يعن بالتنبيه إلى مواطن الخلل إنما ينساق إلى المداهنة والتملق إلى درجة النفاق.. والأئمة والحكام يعرفون أصحاب التنفير وأصحاب المداهنة من المخالطين لهم فلا يستمعون لما يقولون باهتمام ولا يعطون ما يشيرون به أية أهمية. أما النصيحة لعامة المسلمين، فهي تبدأ مع الإنسان المسلم في بيته ومع أهله وأبنائه وبناته بحسن التربية والتوجيه والإرشاد إلى ما فيه الخير في الدنيا والآخرة بأسلوب لطيف مقبول مع إعطاء من تبلغه النصيحة فرصة السؤال والمناقشة بقصد التعلم والاستفادة، وكذلك النصيحة لصاحبك وجارك وزميلك في العمل إذا رأيت خللاً واضحاً في أداء ما هو مطلوب منه أو عدم المحافظة على ما اؤتمن عليه بطريقة مقبولة غير مفضوحة وليست بها شهرة أو تشويه حتى تكون النصيحة مقبولة وذات وقع حسن لدى الطرف الآخر فيتقبلها إن كان من الراشدين وما أقل من يقبل النصيحة في هذا الزمن لأن الغالبية تحولوا إلى معلمين فالكل يعرف ويعلم ولا تخفى عليه خافية كما نرى ونسمع الآن من كل صوب. ولقد كان المسلمون الأوائل (الصحابة والتابعون والأجيال اللاحقة) يتهادون النصيحة ويطلبونها، وكان الخلفاء والأمراء والحكام يقصدون الفقهاء وعلماء الدين يستمعون لدروسهم ومواعظهم ويستفتونهم ويطلبون منهم الموعظة والنصيحة، وقد اشتهر بعض الخلفاء الذين يوسعون مقاعد الفقهاء في مجالسهم ولا يملكون كف دموعهم عند سماع الموعظة والعمل بها. أما في هذا الزمن الذي طغت فيه الماديات على عقول الناس كباراً وصغاراً وشلت تفكيرهم واعتد كل منهم برأيه وكفاءة فكره فلا يقبل النصح ولا التوجيه من أحد حتى ولو كان من أقرب المقربين إليه ومع ذلك أقول لا تيأسوا أيها الناصحون ابذلوا النصح والإرشاد بأسلوب تكتنفه العاطفة وتطرزه المودة لعل وعسى أن يكون بقبوله لدى الطرف الآخر أن تشيع ثقافة النصح والتناصح بين أفراد المجتمع جيلاً من بعد جيل لنصل الى ما نسمو اليه دينا وخلقا وعلما وحياة سعيدة يرضى الله عنها.