بدأت ثقافة الحوار ومصطلحاته الفكرية والعلمية تشق طريقها نحو العقل الاجتماعي في المملكة لتحل محل مصطلحات التقوقع الفكري.. والغموض والضبابية والتردد في إبداء الرأي.. وأصبح الحوار منهجا مقننا مبنيا على الأسس الدينية والوطنية بعيدا عن الفوضى والجدلية الغوغائية التي من شأنها تمزيق وحدة الصف الوطني واقصاء الطرف الآخر الذي يختلف في الرأي والاتجاه. ان الحوار على كلمة سواء بين الأطراف التي تمثل ألوان الطيف الوطني بمختلف شرائحه وقناعاته الاصلاحية من شأنه تعزيز الوحدة الوطنية والارتقاء بالعلاقة بين المواطنين وأولياء الأمر لتكون علاقة وطيدة ترسخها التعاليم الإسلامية الفاضلة والمبادىء الوطنية الرائدة. وجاء في الحديث الشريف قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم): (الدين النصيحة) وتضمن النصحية لولي الأمر ولعامة الناس.. ولا تتحقق أهداف هذا الحديث الشريف اذا كان حديث النصيحة همسا. واذا كان أسلوب النصيحة فجا بعيدا عن المنطق ومنهجه وبعيدا عن المحاورة العقلانية بالتي هي أحسن. واذا كان التطرف منهجه. لقد اصبح الحوار الوطني مؤسسيا في هذه البلاد.. ليكون نقطة التقاء بين القيادة العليا وبين الشعب.. لتتحد فيها ومن خلالها ارادة الدولة مع إرادة المواطنين.. الهادفة للاصلاح والتطوير. وفي إطار الحوار الوطني المؤسسي تتفاعل العقول وتتلاقح الآراء وتتضح معالم الطريق امام صانعي القرار.. ولا حوار بدون شفافية وصراحة وصدق وموضوعية في القول.. ولا حوار سديد دون نبل القصد ووضوح الهدف وسمو الغاية. ولا جدوى من الحوار دون اصلاح للأخطاء وإزالة معوقات التقدم. ومن شأن الحوار المنهجي المؤسسي.. ان يعزز الوحدة الوطنية ويجعلها صخرة صلبة تتكسر عليها محاولات الأعداء والمتربصين.. لان الأمم لا تؤتى من خارجها وانما تؤتى من داخلها وذلك حينما تتحطم نواة وحدتها وتتحكم في مسيرتها نزعات الشر والفرقة. الحوار الوطني كالشمس تضيء الطريق وتمد الكائنات بالطاقة والحيوية والنمو.. وفي العتمة والظلام تموت الكائنات الحية وتتوقف مسيرة الحياة. غير أن هذه الخواطر التي توافدت على خاطري في مقدمة هذه المقالة ليست وليدة انعقاد أول اجتماع للحوار الوطني الذي عقد في الأسبوع الماضي في مكةالمكرمة. وانما جاءت عبر عمر من التأمل والاحتكاك الثقافي في خارج المملكة وداخلها.. لقد دعيت لحضور احدى جلسات مجلس الكونجرس الأمريكي في السبعينيات وقد لفت انتباهي الكثير من المعطيات في تلك الجلسة ومنها على سبيل المثال: خلو الحوار من التشنج العاطفي.. حيث كان المتحدث يستند على الأدلة الموضوعية والكلام الموزون والعبارات المهذبة والمخاطبة الجميلة. الهدوء وعدم التوتر والانفعال ومناسبة الصوت حتى لا يكون مصدر ازعاج لفظا ونطقا. والأهم هو مصلحة أمريكا العليا.. مهما اختلفت الآراء.. فالغاية واحدة وهو بناء أمريكا الحديثة وتطورها. احترام الطرف الآخر المخالف في الرأي وعدم إرهابه فكريا. وجاء انعقاد أول حوار وطني في مكةالمكرمة في الأسبوع الماضي ليحرك في نفسي شعورا بالفخر والاعتزاز بأبناء المملكة الذين دعوا للمشاركة فيه.. وبحكومة خادم الحرمين الشريفين وجهود صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد الذي توج الحوار بلقاء كريم بالمتحاورين. انها البداية على طريق الاصلاح.. وهي بداية مباركة لعهد جديد من التطور الفكري والاصلاح في وطن انبثق من مقدساته هدي الاصلاح والعدل والمساواة والسماحة والتعاون على الخير والبر وعلى القول السديد. قال تعالى: " ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما" وقال تعالى: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله". ان ثقافة القول السديد.. وثقافة الألفة والمحبة والتسامح والتعاون هي من أهم الأسس الدينية التي يقوم عليها الحوار الوطني المؤسسي الذي يستهدف خير الوطن فضلا عن العدل والمساواة التي يقوم عليها الحكم في البلاد. واذا كانت ثمة رؤى أخرى فانه ينبغي ألا يقتصر الحوار على فئة نخبوية صغيرة بل ينبغي ان يتاح الحوار لكل من لديه رغبة صادقة في المشاركة البناءة والمخلصة. كما ان المواضيع او محاور الحوار ينبغي ان تشمل معالجة الكثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والإدارية في أجهزة الدولة ومؤسساتها والخروج بها من غمرة المشكلات والمعوقات الاجرائية التي تعيق مصلحة المواطنين. ومن الأهمية بمكان طرح السلك القضائي كأحد أهم المحاور للحوار الوطني.. لمعرفة ما له وما عليه وطرح ما يراه الناس وما يشكون منه من أمور تمس نزاهة القضاء الشرعي وسمعته (دون خوف او وجل).وغيره من هموم واهتمامات المواطنين وتطلعاتهم.. ولا بد اذا أريد للحوار الوطني ان يحقق أهدافه من وضع آلية فعالة لاستقصاء شكاوى الناس من الدوائر ذات الصلة بشؤونهم التي يتذمرون من اجراءاتها بحيث تكون أمام انظار المسؤولين وان يتم تطوير الأجهزة المسؤولة ومحاسبتها. فالحوار الوطني ليس لتحديد الأطر النظرية فحسب ولكنه يشمل معالجة القضايا التي تمس حياة المواطنين وترفع الظلم عنهم حتى تتآلف القلوب وتتوحد الصفوف وتتضافر الجهود وتتحقق الآمال. يقول صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد: (اصبحت الحاجة ملحة وماسة لان نفكر سويا في نهج أساليب جديدة وطرق مختلفة لحماية ديننا ومواطنينا بما هو مجد وفعال.. ان انجع الأساليب وأجداها في هذا الاتجاه هو الاقناع ومخاطبة العقل والاستعانة بالمنطق الفكري في إطار منطق سليم وحوار هادىء منظم).