يحلو لي بين حين وأخيه أن أعود لكتاب مونتسيكيو (تأملات في تاريخ الرومان). فأحفاد الرومان هم من يحكم العالم ويتحكم في مصيره ويسخره لمصالحه اليوم. عندما أُعيد قراءة هذا التاريخ مقارنةً بتاريخ الأمم الأخرى – ليس فقط بتاريخ أمتنا والخير الذي تحقق للعالم كمحصِّلة – أجد أن الرومان لم يقدموا خيراً يذكر للعالم قط. برغم كل ما نسمعه من دعاية يبثُّها العالم الغربي اليومَ لهذه الحضارة، وإصراره على ذكر هذا الرابط الذي يربطه بها، وهذا الامتداد التاريخي الذي يستشعره الغربي اليوم عندما يتحدث عن أمجاد روما. هم بالفعل لم يقدموا خيراً قط، ولو أن تاريخ الإنسانية خلا من الأمة الرومانية لما خسر شيئاً. لكنهم وجدوا لحكمة يعلمها الله. كان الرق موجوداً في زمن الأمة الإغريقية، وقد كانوا هم الأمة الأهم قبل الرومان، إلا أنَّ الرِّقَّ في زمنهم – والحق يقال – كان أشبه ما يكون بالخدمة، فالعبيد كانوا في البيوت الإغريقية أشبه ما يكونون بخدم البيوت، وكذا كانوا في زمن المسلمين. أمَّا الرومان فقد تحولت المسألة إلى انتهاك جسد الإنسان بشكل كامل يصل إلى حد القتل والاستمتاع بهذا القتل. وإذا كان الإنسان المعاصر اليوم يذهب للاستاد الرياضي لمشاهدة الكرة كمتعة، أو ربما يذهب للسينما لمشاهدة فيلم سينما يصوِّر الناس وهم يقتلون بعضهم بعضا وتسيل الدماء؛ إلا أنَّه في الواقع لا يموت أحد؛ فإنَّ المواطن الروماني القديم كان يذهب من باب المتعة أيضاً للحلبة. وهي عبارة عما يشبه الاستاد الرياضي ليشاهد البشر المستعبدين وهم يتبارزون بالسيوف حتى الموت في تلك الحلبة من أجل إسعاد المشاهد الروماني وإشباع رغباتها الساديَّة بمشاهدة الدماء وهي تصبغ التراب. وفي الفاصل الإعلاني بين الأشواط يتم إلقاء المعارضين السياسيين للإمبراطور مع زوجاتهم وأطفالهم للأسود المفترسة المجوَّعَة لكي تأكلَهم أمام المشاهد الروماني دون أن يزوَّدَ هؤلاء المساكين بسلاح يدافعون به عن أنفسهم، أو يحمون به ذويهم من هذا المصير البشع. إنَّه فيلم درامي بائس، ومع ذلك فهو حقيقي لا تمثيل فيه ولا هزل. وهو في ذات الوقت دليلٌ على هذه السيكولوجية الدموية الساديَّة التي تنظر للبشر بنظرة عنصرية ترى الرومانيَّ فوق البشر، وأنه لابأسَ أن تكون حياة البشر لعبةً، أحياناً. هذا الإنسان الغربي اليوم، حفيد ذلك المتفرِّج بالأمس، والذي يعشق الذهاب للسينما ومشاهدة أفلام الدم وتناثر الأحشاء، والذي ينظر لكل الأعراق البشرية بعين العجرفة والكِبر والاحتقار، والذي يصوِّت لزعماء سياسيين يعلم أنهم سيشعلون الحرب وسيريقون الدماء وسيقتلون الأطفال والنساء، هو في حقيقته – سيكولوجيًّا- لا يختلف كثيراً عن أجداده. هذا هو ما في داخله مهما حاول أن يغلِّفَ نفسَه بما يشبه غلاف الهدايا الأنيق. هناك قلة من الغربيين يختلفون، ويرفضون هذه الروح، ولهم حديث لا ينتهي عن الإخوة الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان، إلا أنَّ هؤلاء كما قلت: قلة. وإلا فأين تأثيرُهم في هذا المشهد السوري الحزين الذي يبدو لي أنه سيطول ولن نرى ما ننتظر منه في المدى القريب المنظور؟.