كان تقسيم العالم العربي وفق مؤامرة سايكس بيكو (وما زال) من أكبر النكبات التي ابتليت بها الأمة العربية، في تاريخها الحديث. ومعروف أن هذا التقسيم استلزمته الحاجة الاستعمارية الغربية، قبل أي شيء آخر.. وإن كانت هناك مسوغات إقليمية وحضارية محدودة، يذكرها بعض المراقبين ل»تبرير» أغلب تلك التقسيمات. إن الهدف الرئيس – من وجهة النظر الاستعمارية الغربية – لذلك التقسيم، هو: توزيع مناطق النفوذ بين كبار المستعمرين، والحيلولة دون قيام اتحاد عربي، يمكن أن يشكل نواة لدولة كبرى، يمكن – لاحقا – أن تتحدى الغرب المتسلط. فالتقسيم يضعف، ويسحق دون شك، المقسم – بضم الميم وفتح السين. لا أعتقد أن «الوحدة» العربية أمر كله إيجابي – بالنسبة لكل العرب – باعتبار أن لكل من مناطق بلادهم «خصوصية» حضارية مختلفة، ومتميزة.. مما قد يجعل الاندماج الكامل فكرة غير عملية. ولكن «الاتحاد»، فيما بين بلاد هذه الأمة، يعتبر: الضمانة الأساس لعالم عربي قوى، يستطيع حماية الحقوق العربية المشروعة، ويسهل لهذه الأمة أن تكون لها مكانة مرموقة لائقة بين أمم الأرض. نذكر ذلك، وفى الذهن صيغة الاتحاد الفيدرالي الرائعة.. والتي توصف بأنها: الإطار الذي يحقق المعادلة الصعبة.. بين مكسب الحفاظ، بالقدر الأكبر، على الخصوصية والذاتية، وربح العضوية في كيان أكبر وأقوى. «الاتحاد»، إذاً، هو الذي يحقق (لأي أمة) القوة والعزة والمنعة. ومعكوسة (التشرذم) لا يؤدي بالأمة – أي أمة – إلا إلى الضعف والذل والهوان. وقد أدرك أعداء الأمة العربية – وكذلك عقلاء العرب – هذه الحقيقة منذ القدم.. فاتخذ الأعداء من التقسيم والشرذمة «أداة» رئيسة لإضعاف الأمة العربية.. كوسيلة للهيمنة عليها، والتحكم في مصيرها ومقدراتها. وقد نجح الأعداء – أيما نجاح – في تحقيق هدف سياستهم هذه.. ساندهم في ذلك تخبط العرب، وتواطؤ بعضهم مع هذه السياسة المدمرة. ولكل ذلك، لا يستغرب أن تكون وسيلة «التقسيم» وبث الفرقة والخلاف (بأنواعه) في العالم العربي، هي أهم الوسائل التي تستخدمها إسرائيل في سياساتها العدوانية الحالية تجاه الأمة العربية. لقد انقسم الاستراتيجيون الإسرائيليون إلى قسمين، بشأن إقامة «إسرائيل الكبرى» بالمنطقة. كلهم متفقون على أن تكون إسرائيل هي الدولة المهيمنة، والقوة العظمى الإقليمية الوحيدة فيها. ولكنهم يختلفون بشأن «وسائل» تحقيق هذه الهيمنة الجهنمية. قسم يرى ضرورة التوسع الجغرافي، والتفوق العسكري، والقسم الآخر يرى: أن هذه الهيمنة يمكن أن تقام دون توسع جغرافي، ولكن عبر تفوق عسكري وتقني كاسح. المهم، أنهم متحدون في الهدف.. وهذا ما يجب أن يحسب خطرا رهيبا، بالنسبة للعرب. لقد كانت إسرائيل – وما زالت، وستظل – أبرز وأخطر العاملين على تفتيت الأمة العربية. فالتصور/ الهدف الصهيوني الاستعماري هو: منطقة بها إسرائيل كدولة إقليمية عظمى، تحيط بها دويلات عربية متنافرة ومتصارعة.. الأمر الذي يضمن لإسرائيل الهيمنة المأمولة من قبل الصهاينة والمستعمرين، ويتيح لها – ولحلفائها – السيطرة على مصير هذه الأمة، والتحكم في مقدراتها. إن «الشواهد» على هذه السياسة الإسرائيلية أكثر من أن تحصى. وليس تقسيم السودان إلا أحد الأمثلة (سنتحدث عن هذا التقسيم لاحقا). وبمجرد أن تفرغ إسرائيل من التخلص من أعدائها ومناوئيها الحاليين، ستتفرغ لتحقيق هدف تقسيم المقسم – كما يقول كثير من ساستها واستراتيجييها ومفكريها. ولكن، أين العرب من هذه الحقيقة المرعبة؟! إن على العرب اللوم الأساس، لأنهم – بأوضاعهم غير السوية المعروفة – يسهلون لأعدائهم الانتصار الساحق عليهم، ويدفعون بأجيالهم القادمة إلى مصير مظلم.. لا سمح الله.