تتلبد في المنطقة العربية غيوم جديدة غير تلك التي تلبدت مع تفجر الربيع العربي نهاية 2010 وبداية 2011، عندما اهتزت المنطقة باضطرابات سياسية كبرى سببها الرئيس فشل أغلب النظم العربية في إنجاز الحد الأدنى من التنمية الإنسانية، حيث تفاقمت نسب البطالة والفقر والهجرة، كما تضاعف الدين العام «الداخلي والخارجي»، وأصبحت عديد من هذه الدول أسيرة الوصفات الجاهزة للمؤسسات المالية الدولية الدائنة التي غالباً ما تضع شروطاً تهز كيانات المجتمعات التي تبدو أنها تعيش في سلم أهلي واستقرار اجتماعي. معطيات قادت إلى التطرف في حدوده القصوى ففرخ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من رحم تنظيم القاعدة وأخواته. لا يمكن التباهي بحال الاستقرار الاجتماعي في بلدان تعاني شعوبها من شظف العيش وتفشي الفساد والسطو على المال العام دون حسيب أو رقيب، وفي ظل تآكل متصاعد للطبقة الوسطى وبروز الفجوة الكبرى بين من هم في أعلى الهرم وبين القاطنين في قاع المرض والفقر والبطالة. تشير إحصاءات منظمة العمل الدولية وصندوق النقد العربي إلى أن نسبة العاطلين الشباب تبلغ 25.1 % وهي نسبة تعادل ضعف النسبة العالمية المعروفة البالغة 12.6 %. وتوضح تلك الإحصاءات أن هناك شخصاً من كل ثلاثة أشخاص عاطل عن العمل، بينما يعاني من هم على رأس العمل من الموظفين كثيراً من الضغوط النفسية الكبيرة بسبب انعدام الأمان الوظيفي وانخفاض الدخل والأزمات الاقتصادية، خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية في نهاية 2008، وانهيار أسعار النفط إلى ما دون النصف في 2014 واستمرار الأسعار المتدنية التي أدت إلى تحول الفوائض المالية في الدول المصدرة للنفط إلى عجوزات متراكمة أفضت إلى تضاعف الدين العام. يحصل هذا بينما تغيب الخطط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عن برامج بعض الحكومات وسقوطها في تيه عام في مختلف المفاصل الأساسية كالتعليم والصحة والخدمات وعدم القدرة على الحفاظ على النسيج المجتمعي الذي هو أساس الوحدة الداخلية والسلم الأهلي، لتصل إلى هذا الدرك من حالة عدم التوازن وعدم القدرة على الخروج من نفق الاقتصاد والسياسة. ولمواجهة هذا الفشل لجأت أغلب الدول العربية إلى الاقتراض الداخلي والخارجي لإطفاء العجز المتكرر في الموازنات العامة، فتضاعف الدين العام ليصل إلى مستويات أقل ما يقال عنها إنها خطرة وأنها تقوض الاستقرار وتهرب الاستثمار الداخلي والأجنبي، حيث تشكل خدمة الدين العام نسبة كبيرة تأكل كل ما يمكن أن يشكل قيمة مضافة للاقتصاد والخدمات العامة. توضح الأرقام حجم المأزق الذي وصلت إليه الاقتصادات العربية. ففي تقرير صدر نهاية العام الماضي عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات تبين أن إجمالي حجم الدين الخارجي لعشرين دولة قد تضاعف من 426.4 مليار دولار عام 2000 إلى 891 مليار دولار في 2014، ليصل إلى قرابة 924 مليار دولار في العام 2016. ويرجع التقرير السبب إلى إقدام عديد من دول المنطقة على الاقتراض وإصدار سندات دين سيادية لتمويل العجز المتكرر في موازناتها العامة حيث تضاعف الإنفاق إلى مستويات غير مسبوقة. وتوقعت المؤسسة «تراجع الاحتياطات الدولية من العملات الأجنبية في الدول العربية إلى 1001 مليار دولار العام 2017، بسبب سحب الدول الخليجية من احتياطاتها لتمويل العجز». وحيث تشكل مصر أحد المعايير الرئيسة لحال الأمة فإن وضعها الاقتصادي يعتبر ترمومتراً للحالة العامة في الدول العربية. قبل أيام أعلن البنك المركزي المصري في تقرير حديث له ارتفاع حجم الدين الخارجي للبلاد بنسبة 40 % في عام واحد، مشيراً إلى «أن الدين الخارجي ارتفع إلى 67.3 مليار دولار، وذلك على أساس سنوي في الفترة من يوليو/ تموز وحتى ديسمبر/ كانون الأول من 2016، مقارنة بنفس الفترة من عام 2015، عندما بلغ الدين الخارجي نحو 48 مليار دولار». وأوضح البنك المركزي المصري «أن إجمالى الدين قصير الأجل المستحق على مصر وواجب السداد قبل نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2017، يبلغ 11.9 مليار دولار». ينسحب هذا الوضع المأزوم على أغلب الدول العربية، التي تعاني جميعها من عجوزات في موازناتها وفي زيادة الدين العام، ما ينعكس على الأوضاع الاجتماعية في هذه البلدان وعلى رأسها أزمة البطالة. ويشير صندوق النقد العربي إلى خطورة أزمة البطالة خصوصاً بين الشباب العربي، ويحددها بنحو 28 % من مجمل السكان في الشريحة العمرية 24-15، مقارنة بنحو 12.4 % للمتوسط العالمي لمعدلات بطالة الشباب، فيما تصل البطالة بين الإناث إلى 43.4 %، وهذا ينعكس على حجم الطاقات الإنتاجية غير المستغلّة في كثير من البلدان العربية. هذا الواقع يترجم حجم العجز والإرباك في معالجة القضايا الاجتماعية التي أدت إلى الفقر والهدر والتسرب في المال العام وغياب الرقابة الحقيقية على أوجه الإنفاق. وفي هذا الصدد تشير الباحثة أروى الغربي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا «تدفع 40 مليار دولار سنوياً ثمناً للفجوة بين مكتسبات الشباب العربي من تعليم وخبرة عملية من جهة، وما يبحث عنه أرباب العمل من جهة أخرى»، أي أن الدراسة الأكاديمية لا تتماشى مع متطلبات سوق العمل. وهذه معضلة قديمة جديدة لم يلتفت لها صناع القرار في البلدان العربية. الواقع الراهن لا يحتاج إلى مزيد من الدراسات لكي يعرف القائمون على القرار العربي أن التنمية الإنسانية تشترط تضافر جهود كل أبناء البلد الواحد وإشراكهم في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن ضرورة البحث الجدي في مسألة التكامل العربي بدءاً بالمستوى الاقتصادي. وهذا يحتاج إلى حلول سياسية للأزمات والاحترابات التي تعصف بالمنطقة. إن ترك الحبل على الغارب كما سارت الدول العربية عليه في السنوات الماضية سيقود حتماً إلى كارثة.