بيان وزارة الداخلية يوم أمس الأول حول تطورات جريمة اختطاف نائب القنصل السعودي بمدينة عدن بالجمهورية اليمنية عبدالله بن محمد الخالدي، والاتصال الهاتفي من المطلوب للجهات الأمنية المعلن على قائمة (85) مشعل محمد الشدوخي مع السفير السعودي في صنعاء علي الحمدان؛ كشف عن خسة "الإرهابي الأجير" حين يبتز "الحياة أو الموت"، ويساوم "سلّم واستلم"، ويفاوض "من تحت الطاولة"، ويستنزف "بمبلغ وقدره". هذا الرخص، والانحطاط، والخروج عن القيم، والمنطق ليس حالة انفراد، أو شذوذا طارئا، وإنما عقيدة عداء متجذرة في النفس المريضة، وهوى غلب عليه الحقد والإقصاء والوصاية، وثقافة شرب منها الفكر الضال وارتوى بدماء الأبرياء، وجريمة متأصلة على الخراب والإفساد في الأرض. "الإرهابي الأجير" حينما منح ذاته الانقياد والسمع والطاعة تحول إلى أداة تنفيذ لمخطط أعداء لا يريدون لهذا الوطن الأمن والاستقرار، وسار بدون وعي، أو سؤال عن التفاصيل، أو الغايات؛ ليحقق أهدافاً لا تصل إليه، وإنما تتجاوزه إلى ذلك الرابض على علو وهو يتحيّن فرصة الإخلال بالأمن، ونتائج غسل العقول، والتجمهر على غنيمة الوطن. هذا الحلم الذي يراود من هو أقوى منه عدة وسلاحاً وتواجداً جغرافياً وربما تاريخي لم يتحقق، ولن يتحقق؛ لأن حصانة المجتمع اليوم أقوى من أن ينال منها "الجبناء"، وأكبر أن يبتزها "الخونة"، وهي في جوهرها حصانة وعي وثراء من أن من يقتل، ويروع، ويكفر لا يستحق من يلتفت إليه، وإنما مواجهته، وفضح منهجه، وكشف عورته، وهو ما تحقق طوال العقد الماضي، حيث استطاع المجتمع أن يتخلى عن عاطفته، ويعي دوره، ويتمسك بوحدته، وقيادته، ويقف بجانب رجال أمنه، والشد من عزمهم، وقوتهم، وبسالتهم إلى أن تطهّر الوطن من غي فكرهم، وجرمهم، ونجاستهم، وبقي أهم من ذلك الاحتفاظ بمكاسب الوعي مدداً للوسطية والاعتدال والحوار، وركناً نلجأ إليه لفرز الشعارات والأفكار، وموطئ قدم للثبات على المنهج، والمضي إلى المستقبل دون إحباط، أو تشكيك. لقد اكتوت المملكة من الإرهاب فكراً وسلوكاً مشيناً قبل غيرها، وتسلل إليها الفكر الضال، وتراكم، وخرج في "ساعة العُسرة" حين أراد الأعداء تحريك "الفلول"؛ ليكونوا وسيلة لضرب الوحدة، ولُحمة القيادة والشعب، ومسوغاً للخروج على الجماعة، وإعادة المجتمع إلى زمن الوصاية، والظلام، والتخلّف، ومع كل ذلك، وأكثر من ذلك لا يزال الوطن بخير، وقيادته بخير، وشعبه بخير، وسنبقى على ذلك مهما حاول المرجفون، والمرتزقة، ومن يصطف أمامهم أو خلفهم إعادة كرّتهم بأساليب الابتزاز والمساومة طمعاً في أن نضعف أمامهم، أو نخشى منهم، أو تحريك عواطفنا لنقبل بعرضهم، ونرضخ لمطالبهم. نعود إلى مكالمة المطلوب الشدوخي والسفير الحمدان؛ لنقرأ ونحلل، ونفهم، ماذا يريدون؟، وفي هذا الوقت تحديداً؟ ولصالح من؟ الحادثة هي محاولة ابتزاز ومساومة بامتياز، وهو سلوك ليس جديداً على "القاعدة" تنظيماً وممارسة، فهم اعتادوا على تلك الأفعال الإجرامية، ووصلوا إلى قناعة أن المستحيل لا تقهره إلاّ ب "لي الذراع"، والتهديد "اليوم قنصل، وغداً تفجير سفارة، وبعده أمير يقتل"، والتخويف "جهزنا السكين.. ولكن"، والمقايضة "هذه قائمة الأسماء مقابل إخلاء سبيل الخالدي".. مضمون الاتصال كان هشاً، وضعيفاً، ولا يرقى إلى درجة "المساومة الإستراتيجية"، ولكنه يوحي إليك أن المتحدث ليس ناقلاً لمطالب، أو كاشفاً عن موقع الخالدي، أو ضامناً لسلامته بشروط، فقط، هو كان بالضبط يريد أن يقيس ردة الفعل الرسمية لأنه في مأزق، ويختبر إلى أي مدى ينفد الصبر بين الطرفين، ويكون القرار، ومن يبادر فيه.. والغريب أن هذه المساومة التي اعتادت عليها "القاعدة"، وبهذه اللغة، والجراءة، والوقاحة، لم تحقق لهم مطالبهم، وهم يدركون ذلك، ولكن هي محاولة استفزاز أيضاً، واستعراض قوة على المسرح، وتسجيل موقف تفاوض علني بين الدولة ككيان وبين من يختفي في الظلام، وكهوف الجبال، وهي في كل ذلك تحلم، وتتوهم أن الرد سيكون حاضراً، وعاجلاً، أو حتى مقبولاً. هذا هو المضمون، ولكن ما ذا يعني التوقيت ولصالح من؟ فالواضح أن المكالمة ليست إلاّ مسلسلا طويلا قادما لتنفيذ أجندة إيرانية من اليمن، والتشويش على الحراك الخليجي ضد حليفها في المنطقة سوريا، ولعل زيارة نجاد الاستفزازية لجزيرة أبو موسى تصب في هذا السياق، ولكن المهم أن نعي أن التوقيت أخطر من أن نحرك الساكن، أو نتورط معه؛ لأن الصفيح الساخن (سوريا) لا يحتمل أن يقف الجميع فوقه، أو يلعب البعض تحته، لكن ربما تقف بجانبه ليس متفرجاً وإنما داعم سياسي أو عسكري للعدالة، والإنسانية، وخيار الشعب. إيران اليوم تلعب دوراً محورياً في اليمن، و-مشبوهاً كعادتها-، فهي تمارس الضد لتتميز أفعالها القذرة، وتحديداً حين تكون جسراً مخملياً بين الحوثيين و"القاعدة" في اليمن لمحاولة ضرب أمن المملكة، وتهديد استقرارها، واستفزاز حدودها، بعد محاولات يائسة في إغراق السوق السعودي بالمخدرات، وهذا الجسر الذي تدرك أنه لا مجال فيه للالتقاء بين فصيلين، إلاّ أنها على قناعة أن الهدف أكبر من أن ينقسم حوله الأتباع، والمهمة يمكن أن تتحقق، والهلال الشيعي حقيقة، وإحياء الدولة الفارسية قريب المنال (هكذا يخططون ويحلمون). وهنا، تبرز مهمة الوعي للتصدي، والتوحد، والتكاتف حكومة وشعباً أمام مظاهر العدوان، واستفزاز وابتزاز ومساومة المأجورين، والعمل صفاً واحداً لمنع إثارة الفتنة والفوضى، أو تعميق التصنيف والانقسام الفكري، أو التطاول على الوحدة.