(أعددت هذه المداخلة لأمسية في نادي الرياض الأدبي أقيمت قبل أسبوعين وتم فيها، وإن جزئياً، تكريم الشاعر محمد الثبيتي، الذي كان عندئذٍ حاضراً بشخصيته وشعره، غائباً بشخصه ووعيه الجسدي، حين دخل في غيبوبة جاءت الأنباء بأنه تجاوزها بحمد الله. وفي المداخلة ما تتداخل فيه القراءة النقدية المكثفة بالشهادة الشخصية التي أثبتها تقديراً للشاعر ولعلاقتي الشخصية به). عرفت محمد الثبيتي في أوائل عام 1404 (1984) حين وصلتني منه نسخة من ديوانه الثاني "تهجيت حلماً .. تهجيت وهما". وأتيح لي بعد ذلك أن أحصل على نسخة من ديوانه الأول "عاشقة الزمن الوردي" الذي صدر قبل الثاني بعام واحد. وبمقارنة الديوانين وجدت أني لا أحتاج إلى عدة الناقد أو حسه النقدي لكي أدرك أنني إزاء شاعر يتطور بسرعة خارقة. كان من الواضح أن ثمة انتقالاً من تقليدية الأول ورومانسيته إلى رؤية أكثر حداثة في الثاني، أنني إزاء شاعر يجتاز المسافات بسرعة استثنائيةٍ. بعد ذلك جاءت مجموعة "التضاريس" لتعلن عن اجتياز جديد وأن الشاعر الذي يسعى إلى الحداثة صار الآن سيدها، فهاهو شاعر كبير بكل المقاييس، لا بمقاييس الشعر العربي الحديث فحسب وإنما بمقاييس الشعر حيث كان، يجتاز تضاريس الإبداع إلى آفاق جديدة. في "التضاريس" كان واضحاً أننا نقرأ شاعراً رؤيوياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، شاعراً يسهم في بناء المشهد الشعري السعودي والخليجي والعربي مثلما يسهم في إثراء الرؤية النقدية لدى الكثير منا، وكان الأبرز بيننا في ذلك د/سعيد السريحي. وأذكر أن محمد حين التقيته في تلك الفترة المبكرة من تعارفنا، وكنا نلتقي في أماكن مختلفة منها منزل الصديق الشاعر عبد الله الزيد، حدثني عن ذلك الناقد الذي لم أكن قد عرفته بعد، أي سعيد السريحي، قائلاً إنه يمتلك رؤية نقدية متميزة. ولم يطل بي الوقت قبل أن أدرك صدق ما قاله محمد، فتعرفت على سعيد ورأيت أنه ومحمد يشكلان توأماً جميلاً كثيراً ما ذكرني، أنا الدارس للشعر الإنجليزي، بتوأمات حفل بها الشعر في أماكن كثيرة منها توأمة الإنجليزيين، الشاعر وردزورث والناقد كوليرج من حيث قدرة الأخير على استبطان شاعرية الأول واتكاء الأول على عمق الأخير وحساسيته النقدية. غير أن محمد الثبيتي في قصائد تلت "التضاريس"، لعل من أهمها "موقف الرمال، موقف الجناس"، يبرز توأمة من نوع مختلف وبروح ليست غريبة على أجواء "التضاريس" لكنها تكتسب هنا أبعاداً شعرية أكثر نفاذاً وأشد تماسكاً وحرفية. نقرأ: أنت والنخل طفلان طفل قضى شاهداً في الرجال وطفل قضى شاهراً للجمال. أنت والنخل سيان قد صرت ديدنهن وهن يداك وصرت سماكاً على سمكهن وهن سماك وهن شهدن أفول الثريا وأنت شهدت بزوغ الهلال. في هذا النص المدهش ليس بعروضه اللغوية فحسب وإنما بما تسفر عنه تلك العروض من صور شعرية موغلة في العمق والجمال معاً يلتحم الشاعر، كما كان يفعل دائماً، بصورة الوطن كما تبرز في مفرداته الطبيعية: النخل والرمال والإنسان والثقافة. السياق الصوفي للقصيدة، كما يبرز منذ البدء، والذي يذكر بالنفري أو ابن عربي، لا يلبث أن يفضي إلى قصيدة تنحاز إلى تفاصيل الوطن بوجوهه المختلفة بعيداً عن أجواء التصوف التقليدية. النخل إحدى تلك التفاصيل التي يرسمها الشاعر بغنائية عذبة وهو يحاور ذاك الذي سماه، في قصائد أخرى، تارة "سيد البيد" وتارة "العراف" وأخرى "القرين". يقول له محاوره: أنت والنخل طفلان طفل قضى شاهداً في الرجال وطفل قضى شاهراً للجمال. لعبة الجناس الواضحة هنا، والتي ترتكز عليها القصيدة بوصفها إطاراً لغوياً وجمالياً، ترتفع كثيراً عن الدلالة التقليدية للعبة أو للجناس من حيث هو حلية لفظية، لتصير رابطاً بين عنصري الصورة أو طفليها حسب تعبير الشاعر: الإنسان والنخل، بين الرجال والجمال، بين الشاهد والشاهر، إلى آخر التجانسات المدهشة. لكننا سنحتار هنا في أي من الاثنين، الشاعر/الإنسان أم النخل، هو الشاهر في الجمال وأيهما الشاهد في الرجال. وفي تقديري أن الغموض هنا مبرر تماماً لأن الصفة تنطبق عليهما معاً. "أمضي إلى المعنى/ وامتص الرحيق من الحريق"، ذلك ما يقوله الثبيتي في نفس القصيدة، وفيما يقول يجتمع الشاهد في الرجال والشاهر للجمال، الشاعر المهموم بالدلالات، بما تحيل إليه اللغة في واقع الحياة من حوله، حتى وإن كان الواقع حريقا، والشاعر المطارد بمهمته الصعبة، مهمة البحث عن الرحيق في الحريق. أما نحن قراؤه وأصدقاؤه، من كتب لهم وعنهم، فمهمتنا الآن هي أن ندعو الله أن نراه يواصل مهمته النبيلة والجميلة شاهداً وشاهراً وقبل ذلك شاعراً للمعنى والجمال معاً.