ينبلج فجر جديد للصناعة والتجارة في آسيا مع زيارة ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع -حفظه الله-إلى جمهورية الصين الشعبية، والتي تبزغ معها شمس الرخاء والنماء والسلام للشعبين السعودي والصيني بتعانق "رؤية السعودية 2030" مع مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، في وقت تسير خلاله العلاقات الثنائية بين العملاقين الاقتصاديين السعودي والصيني بوتيرة متسارعة ومتطورة نحو التكامل الاقتصادي، والتفاهم المشترك بشتى المجالات. وتعد المملكة أكبر شريك تجاري للصين بمنطقتي غرب آسيا والشمال الأفريقي، في وقت تمتد خلاله جذور العلاقات بين البلدين لقرابة 75 عاما، وتطورت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في العام 2016، مع دخول المملكة كشريك طبيعي للصين في مبادرة الحزام والطريق، الأمر الذي يجعل بدوره زيارة الأمير محمد بن سلمان لبكين، تحمل طابعا خاصا على وقع استراتيجية اقتصادية غير مسبوقة ترسم ملامح المستقبل، من خلال المواءمة بين "رؤية المملكة 2030" ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية وصولا بالتعاون الاقتصادي بين البلدين إلى أقصى مستويات الشراكة، والتنمية المستقبلية المستدامة، وتحقيق التوافق السياسي، وتوثيق التعاون الأمني والعسكري. وتتطلع المملكة بتوثيق وتقوية علاقاتها مع الصين إلى مشاركة بكين في خطط رؤية المملكة 2030 حيث تنظر الرياضلبكين كقوة تتطور بوتيرة متناهية السرعة لاسيما باقتصادها الذي يحتل المرتبة الثانية عالميا، وقدراتها الصناعية، وتكنولوجياتها المتطورة، ومعدل صادرتها الضخم للعالم، إضافة إلى كونها أكبر دول العالم تعدادا للسكان وتملك واحدا من أكبر جيوش الأرض، بينما تسير المملكة نحو الريادة العالمية بمشروعات رؤية 2030 التي تضم عشرات البرامج التنموية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل، وتجهيز المملكة لمرحلة ما بعد النفط، ورفع نسبة الصادرات غير النفطية إلى 50 بالمئة من الناتج المحلي، وتقدم المملكة إلى المراتب الأولى إقليميا بمؤشر أداء الخدمات اللوجيستية، ورفع الاستثمارات الأجنبية، وتحويل البلاد لقوة صناعية كبرى. أما الصين فتتطلع بقوة إلى تعاون وثيق مع المملكة في مبادرة "الحزام والطريق" التي تهدف لإعادة طريق الحرير القديم للربط الاقتصادي بين أكثر من 70 دولة وضخ استثمارات تزيد على تريليون دولار بصورة مبدئية، حيث تعي بكين قوة ودور الرياض كعضو عربي وحيد بمجموعة العشرين التي تشكل اقتصاد الأرض، وأكبر مصدر للنفط الخام في العالم، وقلب العالمين العربي والإسلامي، وعاصمة القرار العربي، ومن ثم إمكانية تحويل المملكة كدولة محورية برؤيتها الطموحة إلى عنصر رئيس بمبادرة "الحزام والطريق" بدعم دور الرياض كمركز استراتيجي واقتصادي حيوي في منطقة الشرق الأوسط والعالم، ومصدر جذب للعديد من الشركات الصينية الطامحة في دخول السوق السعودي الواسع، ومنطلق إقليمي للتحالفات الاقتصادية؛ مما يجعل السعودية معبرا رئيسا للحركة التجارية من التنين الصيني إلى دول العالم. وهنا يبرز التساؤل الأهم: ما القواسم المشتركة بين رؤية 2030 ومبادرة الحزام والطريق التي تحقق النفع للشعبين السعودي والصيني؟ يشكل انصهار "رؤية 2030" مع مبادرة "الحزام والطريق" بقواسمهما المشتركة قوة اقتصادية شاملة تدفع عجلة التطور والتنمية المستدامة في المنطقة والعالم من خلال توافق الأهداف والاستراتيجيات التي يتقدمها "العنصر الجغرافي" في وقت تتمتع خلاله المملكة بموقع استراتيجي يتيح لها سهولة الوصول إلى القارات الثلاث "آسيا وأفريقيا وأوروبا"، فيتلاقى ذلك مع أهم أهداف مبادرة "الحزام والطريق" التي تسعى في المقام الأول للربط بين هذه القارات الثلاث. وتتقاطع الرؤية مع المبادرة في تعزيز "الجانب الاستثماري"، فتعمل رؤية 2030 على رفع نسبة مساهمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الناتج القومي للمملكة لتصل إلى 5.7 بالمئة خلال الفترة المقبلة، في حين تستهدف مبادرة "الحزام والطريق" توجه الشركات الصينية للاستثمار الخارجي بمليارات الدولارات بدول الطريق الجديد، وإقامة مناطق لوجيستية تعزز الدخول القومية للدول، وتفيد شعوب العالم. وتتلاقى "الرؤية" مع "المبادرة" في خفض مستويات البطالة، حيث تعمل رؤية المملكة على خفض معدل البطالة من نسبة 11.6 بالمئة إلى 7 بالمئة بمخرجات الرؤية خلال الفترة المقبلة، وكذلك تمكين المرأة السعودية ورفع مساهمتها في الاقتصاد المحلي، في وقت تستهدف خلاله المبادرة الصينية تشغيل الملايين من الجنسين من أبناء دول "الحزام والطريق" في مشروعاته الضخمة من البنى التحتية وآليات تحفيز التجارة البينية. وترتبط الرؤية السعودية بالمبادرة الصينية في تحدي "تعزيز الاستدامة"، فتسعى المملكة عبر رؤيتها نحو تحقيق "التنمية المستدامة" بأبعادها الثلاثة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، فأولت اهتماما واسعا بقطاع الطاقة المتجددة، وإنتاج الطاقة النووية السليمة، وتخطط لإنتاج أكثر من 200 جيجا واط طاقة متجددة بحلول العام 2030، كما أولت اهتماما كبيرا بالاقتصاد الرقمي، بتعزيز مجالات تقنية المعلومات والاتصالات، وتشجيع الاستثمار فيها، وهذا ما يتلاقى بقوة مع طموح التنين الصيني في جعل مبادرة "الحزام والطريق" منطلقا لتحقيق التنمية المستدامة بنشر الاستثمارات الصينية والإقليمية في مجالات الطاقة المتجددة، واقتصاد المعلومات. من جديد، تتقاطع رؤية 2030 مع مبادرة الحزام والطريق في عنصر "التوازن المالي" الذي يعني تساوي إيرادات الدولة مع نفقاتها، فتعمل الرؤية السعودية على الوصول إلى التوازن المالي بحلول العام 2023، عبر 5 محاور أساسية تشمل تصحيح أسعار الطاقة، وزيادة الإيرادات الحكومية، ورفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي، وتنمية القطاع الخاص، وتوجيه الدعم لمستحقيه، ومن ثم زيادة نسبة العائدات الحكومية غير النفطية من 163 مليار ريال حاليا إلى تريليون ريال، وهذا ما يتماشى مع أهداف المبادرة الصينية التي تستهدف ربط الدول المنضمة لها بشبكة تجارية قائمة على التكاملية الاقتصادية الهادفة إلى تعزيز الدخول المحلية لهذه الدول بإتاحة المشروعات والبنى التحتية، والمدن الاقتصادية اللازمة لدعم ميزانياتها وصولا للتوازن المالي. كما تتلاقى الرؤية السعودية مع المبادرة الصينية في هدف "تحقيق الأمن الغذائي والمائي"، فتبنت المملكة خططا عبر رؤية 2030 تستهدف الإسهام في تحقيق الأمن الغذائي والمائي من خلال 59 مبادرة تشمل ابتكار الحلول لتعزيز استدامة الأمن الغذائي والمائي، والحفاظ على البيئة، ورفع كفاءة الخدمات المختلفة، في حين تستهدف مبادرة "الحزام والطريق" دعم شعوب الدول النامية في تحقيق الأمن الغذائي من خلال تنشيط التجارة، والاستثمار في المجالات الزراعية، وتوفير تقنيات محطات تحلية المياه. فرص سعودية متاحة ويفتح توافق الأهداف والاستراتيجيات بين "رؤية 2030" ومبادرة "الحزام والطريق" الأبواب أمام التكامل الاقتصادي بين البلدين، في وقت توفر خلاله رؤية المملكة فرصا لا مثيل لها أمام الاستثمارات الصينية، فالسعودية تظل مصدر النفط الموثوق عالميا الذي يوفر نسبة كبيرة من واردات الصين من الطاقة. ويبرز عدد من العوامل المساعدة للجانب الصيني في الاستثمار بالمملكة يتقدمها التكلفة المنخفضة لأراضي المملكة المتاحة للمصانع، وازدهار السوق السعودية وشموليتها لأسواق المنطقة، وتوفر البيئة الداعمة لتدريب الموارد البشرية. وتشجع الرؤية السعودية دعم الشركات الصينية العملاقة بفرص استثمارية في المملكة، بمشروعات البنى التحتية، والإسكان، والصناعات التحويلية، ومجالات الفضاء والطاقة المتجددة، والتصنيع، والمنتجات البتروكيميائية، وقطاعات الثقافة والسياحة، والتواصل الفكري، وتعميق الحوار الحضاري، وتوثيق التعاون الأمني والعسكري، والعديد من المجالات الأخرى ذات الأولوية ضمن رؤية 2030. ويعزز دور المملكة في بناء مبادرة الحزام والطريق من الرؤية المستقبلية للتنسيق الاستراتيجي وترسيخه بين البلدين، والدفع بعجلة النمو للاقتصاد الإقليمي والعالمي. كما تنقل المواءمة بين الرؤية والمبادرة مستوى التعاون العلمي والثقافي إلى آفاق أرحب مع وجود أكثر من 1000 مبتعث سعودي في الصين، غالبيتهم يتحدثون اللغة الصينية. دعم العلاقات السياسية والعسكرية أما على الصعيد السياسي، فتدفع المواءمة بين رؤية 2030 ومبادرة "الحزام والطريق" الرياضوبكين نحو علاقات سياسية متينة، في وقت تريد خلاله بكين منطقة الخليج خالية من الفوضى والاضطرابات حفاظا على مصدر طاقتها الرئيس، وكونها محورا أساسيا لطريق الحرير الجديد، إضافة لكون الخليج وجهة أساسية للصين تعمل كمتنفس جيد لها في حربها الاقتصادية مع الولاياتالمتحدة الأميركية. وترغب الصين في ضمان حالة الاستقرار بالمنطقة، لزيادة أسواق التبادل التجاري والتصدير، ومنع تأثرها بمحاولات الهيمنة الخارجية، مع العمل مع السعودية على حلحلة العديد من الأزمات الدولية، ونزع فتيل الصراعات، والتصدي لظاهرة الإرهاب، لتحقيق السلم المنشود.