يحاول هذا المقال تبسيط حالة الاقتصاد التركي وتفسير ما يحدث لليرة التركية بعيداً عن إبراز الإنجازات أو تصيد الهفوات التي قد تؤثر على النظرة الاقتصادية وخصوصاً أن الاقتصاد التركي اقتصاد ناشئ ومهما يشوب النظرة تجاهه الكثير من الضبابية المفتعلة بواسطة الإعلام الموالي والمخالف. يعتبر الاقتصاد التركي من أهم الاقتصادات النامية والمنتجة في المنطقة والذي يحاول جاهداً الخروج من أزمات متراكمة تشكلت بفعل طبيعة الاقتصاد التركي والثروات الطبيعية المحدودة وعلاقة الدولة بالبنوك والقطاع الخاص والظروف السياسية وهو ما جلب له الكثير من الثناء والإعجاب في السنوات الماضية إلا أن هذه الجهود لم تستطع إخراج الاقتصاد من أزمة الاعتماد الكبير على الديون الخارجية وتعويض محدودية الموارد الطبيعية والتي أدت إلى اعتماد شبه كلي على المواد الأولية المستوردة في الصناعات التحويلية التي ارتكزت عليها الصناعة التركية وهو ما لم يخلق قيمة مضافة تستطيع من ناحية تعويض تكلفة الديون الخارجية ومن ناحية أخرى جلب استثمارات نوعية تضيف للاقتصاد. بالرجوع إلى موقع (XE.COM) المتخصص بتحليل الأداء التاريخي للعملات تبين أن أزمة العملة التركية أزمة قديمة وليست جديدة. فالعملة التركية في انحدار مستمر منذ الستينات من القرن الماضي وهو ما يعكس مشكلات هيكلية في الاقتصاد التركي لم تستطع الحكومة تلافيها والخروج منها لأسباب مختلفة، يوضح التالي سجل الانحدار المستمر لسعر الليرة التركية عبر الزمن من العام 1960م حتى اليوم: 1960م: 1 دولار = 10 ليرات، 1980م: 1 دولار = 100 ليرة، 1990م:1 دولار = 1500 ليرة، 1995م:1 دولار = 50 ألف ليرة، 2001م:1 دولار = 1.5 مليون ليرة.. بين العام 2005م حتى 2009 م ألغيت 6 أصفار من العملة، 2009م: 1 دولار = 2.5 ليرة، 2012 م: 1 دولار = 2 ليرة، 2017م 1 دولار = 3.4 ليرة، 2018م: 1 دولار = 4.5 ليرة يعتبر حجم الديون الخارجية المتزايد وتكلفة التحديات الأمنية والسياسية الداخلية وعلى الحدود السورية والعراقية وكذلك العلاقة المتأرجحة بالاتحاد الأوروبي وأميركا أهم أسباب الضغط والتأثير على العملة والاقتصاد التركي وخصوصاً بعد محاولة الانقلاب العام 2016 الذي كلفت الإجراءات اللاحقة له الخزينة التركية 100 مليار دولار وهو ما أدى إلى خفض شركات التصنيف الائتماني العالمية لتوقعاتها المستقبلية للاقتصاد التركي إلى «سلبي» مما أثر على ثقة المستثمرين وانعكس بشكل مباشر على سعر العملة. لا تملك الحكومة التركية خيارات كثيرة للخروج السريع من هذه الأزمة مما أظهر المشهد التركي مرتبكاً من خلال اتهام أطراف خارجية بالمضاربة على العملة وهو ما قد يكون صحيحاً ولكنه ليس جديداً وليس العامل الأهم وكذلك تدخل الرئيس التركي فجأة وتغيير قرار البنك المركزي التركي برفع الفائدة. وأعتقد جازماً أن العملة والاقتصاد التركي لن يخرج من عنق الزجاجة إلا بتغيير استراتيجيته السياسية والاقتصادية من خلال أولاً: إيقاف تعويم العملة (تثبيت السعر) وربطها بعملة صعبة أو سلة عملات. ثانياً: كسب ثقة رأس المال السعودي والخليجي والأوروبي من خلال التوقف عن التطلعات والمناكفات السياسية التي ترفع التكلفة على الاقتصاد التركي. ثالثاً: إيجاد حلول استراتيجية للتحديات الأمنية الداخلية والحدودية. Your browser does not support the video tag.