القصة الشعبية يوردها القصاصون في الغالب معتمدة على توظيف الخيال في معظم تفاصيلها بهدف إيصال رسالة وفائدة ترتقي بالمتلقي وتهذب سلوكه. وقد تناولت القصة مختلف الجوانب منها: التسلية والتربية والمجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعلاقات..إلخ وللتمثيل بقصة شعبية فيها يمتزج الواقع مع الخيال نورد هنا واحدة قد لا تكون واقعاً بل خيالية ولكن لا يجزم المتلقي بخيالها لأنها ممكنة وقد ضمنت التدوين التراثي ورويت ضمنه. والقصة باختصار: أنه في سالف الأيام سمعت إحدى القبائل أن اجتياحاً (غزواً) سيجري على منازل عشيرتهم وأن عليهم أن يرحلوا سريعاً. وبالفعل رحلوا فوراً قبل حصول الخطر وحلول الغزو مصطحبين معهم حلالهم وما أمكن نقله. إلى هناك لا عقدة ولا إثارة في القصة الخيالية بعد رحيلهم خلت ديارهم وصار المكان قفراً من كل شيء، ولم يبق فيه سوى رجلين، أما بقية القوم فقد نجوا بأنفسهم تاركين هذين المسكينين. وهذان الرجلان أحدهما أعمى، كفيف لا يبصر والآخر لا يقوى على المشي فهو كسيح ويقال عنه (محرول) لا يقدر على المشي، وكلا الرجلين لا يدري أحدهما عن الآخر. وعندما تكلم (المحرول) منادياً رفيقه الأعمى بعد رؤيته، فرح الأعمى بصوت رفيقه وعرف أن لديه أحد فاجتمع الاثنان واقترح أحدهما على الآخر التعاون واللحاق بالقوم، وإلا أكلتهم الوحوش. فبصر الكسيح ينفع الأعمى، وساقي الأعمى تنفع الكسيح، فتكامل الاثنان وحمل الأعمى زميله الكسيح على كتفيه، يدله وينبهه لتلافي الخطر ويرشده يميناً و شمالاً ليتتبع الأثر، وفي الطريق وبعد جهد وتعب، جلسا للراحة. طبعاً المتعب هو الأعمى، ومن قدرة الله أن وجدا شيئاً من الصيد في أسفل إحدى الأشجار الصغيرة يستظل بظلها، وتم القبض عليه من قبل الكسيح بعدما اتفق الاثنان على الإحاطة بالشجيرة التي فيها الصيد، وتم شواؤه بإشعال النار فيها. وأثناء إنضاج الصيد بالنار أبصر الكسيح حية (ثعبان) فألقاها مع الشواء لأنه أراد أن يعطيها لصاحبه الأعمى لينفرد هو بالشواء الطيب ويترك له هذا الثعبان فالوجبة قليلة بالنسبة لجوعه. المهم أن الشواء نضج وقدمت المائدة بكل أصنافها وحرص الكسيح على أن يقدم الثعبان أوصالاً حتى لا يتبين الأعمى أمره. فأخذ الأعمى يأكل من الثعبان ويدهن يديه ووجه بالبقية، وفجأة فتح عينيه وأبصر، فشفي مما فيه، وأخبر زميله بالأمر، وفي الوقت نفسه رأى بقية أوصال الثعبان، فاعترف صاحبه الكسيح فوراً وقال له لقد قدمت لك ثعباناً. فغضب الأعمى أو الذي كان منذ قليل أعمى، غضباً شديداً واتهمه بعدم الأمانة وكان في النار بقية من جمر حار، والكسيح لا يستطيع الهروب من غضب رفيقه، فتناوله بكل قوته ورماه فوق الجمر يريد إحراقه. ولكن الكسيح بعد حرارة النار قفز بقوة فانطلق وهو يركض وقد شفي من علته. فترافق الاثنان وهما في صحة وعافية ولحقا بالقبيلة. وقد يضمن بعض الشعراء قصيدته بعض القصص والأساطير والأمثال مما يجعل البعض يحاول البحث عن تفاصيلها، كما قال الشاعر مستشهداً بحالة الأعمى ورفيقه: جاك العمى والمحرول سالمين أحد فتّح وأحد مشى عقب حروال رحمهم اللي يرحم المسلمين يغني الفقير ويرفع الفقر بالمال ويقول الشاعر اليوسف: الربع شدوا وتركونا نعاني ضرير عين وصاحبي زود عله عشت الهموم وعشت أقاسي زماني شلته على متني وشفت المذلة اطيع شورك ما تفوه لساني نفسي أصبرها وهي مستغله من بعدها تنزل لفعل طماني وتمد لي سم الثعابين كله