مواقف المملكة الثابتة والراسخة من حقوق الإنسان، واحترام الأديان، وحرية الرأي والتعبير، هي مواقف مشهودة، ومعروفة، وغير مستغربة، ودائماً ما تنشد فيها العدالة والمساواة والسلم الدولي، وتستمد من خلالها حضورها المشرّف بقوة إيمانها وتمسكها بدينها، وعقيدتها، وتنظيماتها التي تعبّر عنها مصادر الشرع الحنيف، وبالتالي هي ليست بحاجة إلى رؤية تخالف ثوابتها، ولا أيضاً تطبيق يتنافى مع توجهاتها، وقيمها، ومبادئها، ومن هنا لم تسجل المملكة رسمياً تطاولاً على أحد، أو بدر منها إساءة لأحد مهما كان موقعه وصفته، بل أكثر من ذلك لم تسمح لنفسها أن تتدخل في شؤون وقضايا الآخرين الداخلية، فضلاً عن أن تكون تلك القضايا شخصية، وهو ما يُحسب لها مكانة في حضورها، وحكمة في رؤيتها، وتوازناً في المملكة لا تسمح لأحد أن ينال منها وتسكت عنه، أو ترضخ له.. أو تسمح أن يبتزها أو يساومها، أو حتى يشكك في مكانتها، وسلامة منهجها، واستقلال قرارها وقضائها قراراتها، ومن هنا كان المنتظر أن يكون التعامل بالمثل ليس عُرفاً دبلوماسياً في حال الخطأ، وإنما أيضاً في حال احترام الدول لبعضها على أساس عهود ومواثيق دولية، ومصالح مشتركة. لقد ظلت المملكة ولا تزال دولة مبادئ أكثر منها دولة مصالح، وهو ما جعلها أكثر رسوخاً واحتراماً في عالم متغيّر، ومتسارع، لا مكان فيه للضعفاء، والجبناء، والمترددين، والمنهزمين، والمتخلين عن قيمهم، وثوابتهم، ولأنها ليست كذلك لا تسمح لأحد أن ينال منها وتسكت عنه، أو ترضخ له، أو تسمح أن يبتزها أو يساومها، أو حتى يشكك في مكانتها، وسلامة منهجها، واستقلال قرارها، كما لا تقبل البتة أن يتجاوز أحد حدوده معها، ويتدخل في شؤونها، ويمارس ضغوطاً عليها؛ لذا وقفت المملكة مواقف بطولية مشرّفة أمام حملات مسعورة للنيل منها، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ونجحت بفضل تمسكها بدينها، وثوابتها، وعلاقتها المميزة بين قيادتها وشعبها أن تتجاوز كل تلك التفاصيل، وتخرج إلى العالم برأس مرفوع، مهاب. مملكة السويد ثالث أكبر دولة في الاتحاد الأوروبي من حيث المساحة، ونظام ملكي دستوري بنظام برلماني، واقتصاد متطور، وتحتل المرتبة الأولى في العالم في مؤشر «الإيكونوميست» للديموقراطية، والسابعة في مؤشر الأممالمتحدة للتنمية البشرية، ومع كل ذلك لم تدرك وزيرة خارجيتها أن حرية الرأي والتعبير لا تعني الانفلات عن القيم والأخلاق، ولا المسؤولية القانونية، ولا حتى استبدال الحوار -الذي هو أساس الديمقراطية في تعددية الرأي- بتوزيع الاتهامات، وتلفيق الأكاذيب، والخروج عن روح النص، والعقل، والمنطق، والعرف الدبلوماسي، وتتجرأ على المملكة في ثوابتها، وأعرافها، ونسقها الاجتماعي العام، وتنال بهتاناً من أحكام القضاء، وتزدريه، وتتعرض عن جهل لواقع المرأة. مبتعثات يرفعن الرأس يحملن رسالة الوطن للعالم ونحصد معهن إنجازاً تلو آخر الوزيرة السويدية (مارغو والستروم) التي تدعي ديمقراطية التعبير، والدفاع عن حقوق الإنسان، لم يكن رأيها واقعياً ومنصفاً أمام البرلمان السويدي، وهي تتجاهل الحقائق الراسخة من أن استقلال القضاء هو أحد أهم أركان النظام الأساسي للحكم في المملكة، حيث تنص مواده على أن القضاء سلطة مستقلة، ولا سلطان على القُضاة في قضائهم لغير سلطان الشريعة الإسلامية، وأن حق التقاضي مكفول بالتساوي للمواطنين والمقيمين في المملكة، فهو قضاء عادل في جميع درجاته، ونزيه في سلامة إجراءاته، ومصدر ثقة واحترام في تنظيماته، وتنفيذ أحكامه، والقضاء أيضاً في استقلاله مشهود له في قضايا كثيرة برأ فيها متهمين مدعى عليهم من مؤسسات حكومية، وعوضهم على بقائهم في السجن، ولم يتوقف عند صحيفة الادعاء العام بل استمع إلى دفوعات المتهمين، فلم يكن قضاء «خذوه فغلوه»، وإنما قضاء عادل، يخاف الله، ويطبق أحكامه، ولا يخشى أحداً كائناً من كان. الوزيرة السويدية التي تدعي أنها من بلد متحضّر في الحريات الشخصية، لم تدرك مكانة المرأة السعودية، وما وصلت إليه اليوم كشريك في صناعة القرار في وطنها، كعضوة في مجلس الشورى، وقريباً في المجالس البلدية، وما حققته من نجاحات مبهرة ومشرّفة على مستوى المال والأعمال، ومختبرات الأبحاث، والاختراعات، والإنجازات العلمية، حيث استطاعت أن تحصد حضوراً مشرفاً غير مسبوق في تخصصات نادرة، ومواقع وظيفية مرموقة، وتخطو بثقة واقتدار نحو عالم جديد من المسؤولية وتمثيل الوطن، من دون تهميش، أو تقليل -كما تدعيه الوزيرة-. الموقف السعودي الرسمي من تصريحات وزيرة خارجية السويد بدأ بالاستنكار، وسحب السفير، واختتم بتوضيح مفصل في جلسة مجلس الوزراء أمس، وتناول تحديداً استقلال القضاء، ومكانة المرأة، وتوقف عند إمكانية إعادة النظر في جدوى الاستمرار في أوجه العلاقة بين البلدين، وهذا الموقف الشجاع، والحاسم، والنافذ يعطي انطباعاً أن ما تفوهت به الوزيرة السويدية لم يكن مقبولاً، ولكن الأهم حين يمنح الوطن حصانة، ومكانة، وهيبة أمام العالم، ويترك انطباعاً أجمل لدى المواطن بقيمة بلاده، وقيادته. ليس غريباً أن تنضم وزيرة خارجية السويد إلى فصيل الإعلام الغربي المسيّس؛ بحجة حقوق الإنسان، ولكن الأغرب أن يكون الحديث هذه المرة عن خصوصية مجتمع له تقاليده وأعرافه، وليس موقف دولة قابل للقبول والرفض، وهو ما يثير تساؤلات كثيرة، بعضها مفخخ، والبعض الآخر مستفز، ويترك انطباعاً مخجلاً من أن التدخل حين يكون سافراً، كاذباً، مسيساً لا يثير إلاّ الشفقة، والاشمئزاز، خاصة حين يكون العالم مفتوحاً في فضاء تقني واحد، لا تفصله حدود الجغرافيا، ولا إيدولوجيا المتحزبين، ولا حتى مصالح الساسة، وبالتالي مجتمع المملكة مكشوفاً على الآخر من دون حاجة إلى تكهنات، أو مراكز بحوث، هو مجتمع متمسك بخصوصيته النابعة من دينه، ووطنه، ورؤية قيادته، وهو مجتمع ينمو ويزدهر فكراً وممارسة، ومنفتح على الآخر مع تمسكه بثوابته، ويتمتع بحرية رأي وتعبير مسؤولة، ولا يتجاوز حدوداً تسيئ إلى وطنه، أو تنال منه.. المجتمع السعودي لم يعد منعزلاً برؤيته، وفكره، وسلوكه عن فضاء الانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، ولم يعد بحاجة إلى شهداء زور، أو كتّاب رخيصين يتحدثون عن شخصنة المواقف، وتضخيم الأشخاص، ومنح قضاياهم تذاكر عبور للإساءة إلى المملكة.. المجتمع السعودي اليوم هو أكثر وعياً من ذي قبل، ولا يثق إلاّ في دولته، ولا يرى مصادر يعتمد عليها في أحاديثه إلاّ ما يصدر عنها، وبالتالي بقي هاجسه الأهم ليس الخوف على جبهته الداخلية المتماسكة، وإنما في صورته أمام الإعلام الغربي المسيّس الذي لا يزال يكذب، ويكذب، ويكذب حتى يعتقد واهماً أننا سوف نصدقه.