الحملة على الفساد منهج قرآني وتوجيه رباني، سارت على خطاه توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وهي خطوة مباركة لأن الفساد أضراره تتعدى الأفراد إلى المجتمعات، وتنخر في معطيات الدولة، وتصيب الناس في مقتل، والفساد ألوانه متعددة وأشكاله متنوعة، فهناك الفساد المالي، والفساد الإداري، والفساد العلمي، والفساد الاجتماعي، والفساد الرياضي. وفي هذه المقالة سأحدثكم عن مظاهر الفساد في البحث العلمي الذي تظهر منه نماذج في الأقسام العلمية، واللجان العلمية، والمراكز البحثية العلمية، والمجالس العلمية، والأساتذة العلميين (العلم المقصود به هنا كل علم سواءً شرعيًا أو أدبيًا او طبيًا أو هندسيًا أو......) ومع أن البحث العلمي في وطننا أظهر علماء وباحثين مميزين وعلى مستوى عالمي، وهناك العديد منهم من هم قدوة في ممارسة البحث العلمي، لكن تبقى هناك مظاهر -ليست ظاهرة- للفساد تجب محاربتها والتخلص منها، فمن صور الفساد في البحث العلمي وأسوأها هو من يستغل منصبه ليستخدم العلماء والباحثين ليضع اسمه على بحوث علمية لا يعرف منها حتى عناوينها، ويضع اسمه في مشاريع بحثية تدر عليه مبالغ مالية كبيرة، إضافة إلى نشر اسمه كعالم حتى يصل به المقام إلى أن يصبح عالم citation (عالم عالمي) وهو في حقيقة الأمر ليس كذلك. ومن صور الفساد في البحث العلمي ما يقوم به بعض الأساتذة من استغلال للأساتذة المتعاقدين في ضرورة وضع أسمائهم على البحوث العلمية أو قبولهم ورضاهم بعمل مثل هذا بهدف الترقية أو الشهرة العلمية، وكل من يقدم هذه الخدمة المزورة للأستاذ لا يقدمها إلا بهدف الحفاظ على وظيفته وبقائه وليس حبًا في الأستاذ الفاسد علميًا، وتظهر حقيقة هذا الفساد عند الاستغناء عن مقدم هذه الخدمة بقوله: «أنا الذي كتبت كل أبحاثه وترقياته»، وهذان النوعان من الفساد هما من أبشع أنواع الفساد لأنهما فسادان منبعهما موت الضمير، وفساد القلب، والتفريط في الأمانة، كما أنه يجب أن ندرك أن من يشارك بجهد في البحوث لا يشمله هذا الوصف من الفساد لأن البحث العلمي يقوم أساسًا على المشاركة مع الفرق البحثية وجهود الباحثين. وأشارت دراسة إلى مظهر آخر من مظاهر الفساد في البحث العلمي، وهي بعنوان «مظاهر الفساد الأكاديمي في الجامعات والمؤشرات التخطيطية للحد منها»، من إعداد كل من: الدكتورة سارة الخمشي، والدكتورة هيفاء بن شلهوب، من جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن. وجاء في الدراسة أن من أبرز مظاهر الفساد في البحث العلمي دفع مبالغ مالية للنشر العلمي دون تحكيم، وكانت عينة الدراسة على ثلاث جامعات هي جامعة الملك سعود، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ومن مظاهر الفساد في البحث العلمي الاستدلال أو السرقات البحثية أو السطو على النتائج البحثية للآخرين، ويتبع ذلك ما يحلو لبعض الباحثين منزوعي الضمير من تزوير النتائج وفبركتها وعدم إجراء التحاليل الموثقة لها. إن فساد الباحثين أحد أكبر الملوثات التي تقف أمام صناعة بحث علمي مميز، وأبحاث وباحثين من ذوي الاعتبار، الذين يعتمد عليهم الوطن، وتفتخر بهم الأمة، ويشار إليهم بالبنان، ويدخلون في عالم المنافسة العالمية، وتجدهم في المواقع البحثية العالمية، مثل ResarchGate، وكذا في المؤتمرات التخصصية يُنظر إليهم بعين الاعتبار، ولهم كل التقدير والاحترام؛ لاحترامهم للعلم، وإعطائه حقه من الجهد والوقت والمصداقية والأمانة وصرفه عن أي مظهر من مظاهر الفساد.