يواجه الإسلام مستجدات دولية متواصلة لا تقل خطورة عما يواجهه من تحديات ومخاطر عقدية وأيدلوجية بدأت مع ما أوردته نظرية (صراع الحضارات) للعالم السياسي (صامويل هنتنجتون) من توقعات بحدوث صدام حضاري إسلامي عنيف مع بقية الحضارات خصوصا مع الحضارة الغربية. مخاطر الصراع الحضاري المزعوم اتضحت حقائقه أكثر وأكثر مع ظهور ومن ثم هيمنة عصر (العولمة) على جميع العلاقات الدولية والإقليمية، وما تمخض عن عصر المعلومة السريعة وسهولة السفر والانتقال بين الدول والشعوب من تداخل كبير وعميق واحتكاك بين ثقافاتها وحضارتها. الحقيقة هذه دخلت منحى أكثر خطورة مما سبق بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية التي ضربت مدينتي واشنطن ونيويورك الأمريكيتين بتخطيط وتنفيذ من تنظيم القاعدة الإرهابي، الوقائع التي أعلنت رسمياً عن نمو مخاطر صراع الحضارات بالفعل كما تصورها العالم السياسي (هنتنجتون). أضف إلى ما سبق أن ما حدث ويحدث في العراق وأفغانستان من صراعات وحروب دامية بين القوات الدولية بقيادة الولاياتالمتحدةالأمريكية وبين جماعات مسلحة مختلفة منها جماعات مقاومة، ومنها ما هو ثوري يساري، وما هو يميني متطرف، وهي مع الأسف دلائل ومؤشرات تدعم نظرية صراع الحضارات بشكل قوي. لكن من الواضح حتى الآن أن وجود إرادة دولية عامة، وإرادة إسلامية وغربية خاصة تواصل رفضها لنظرية صراع الحضارات جملة وتفصيلاً، كما وترفض منطق العنف ومبادئ الصراع الحضاري، في الوقت ذاته الذي تحرص فيه على ضرورة تلافي بل ومنع وقوع مثل تلك الصراعات القاتلة. أخيراً تعمل الإرادة الدولية المتبادلة على إيجاد مواطن للحوار الإنساني الموضوعي والمنطقي العاقل خصوصاً بين الحضارات على أن يكون قائما على الاحترام والتعايش المتبادل. كما ويرتكز أيضاً على عوامل التقارب والتوافق أكثر من عوامل التباعد والصراع. هذه الإرادة الدولية الإسلامية والغربية المتبادلة من المتوقع أن تحقق أهدافها الإنسانية السلمية نظراً لعالمية تلك الأهداف وموضوعيتها وسلامة غايتها. مع هذا وعلى الرغم من تلك الإرادة والجهود ما زالت الفجوة الفكرية والثقافية والحضارية كبيرة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي تحديدا في معظم مجالات ومناحي بل ومناشط الحياة والعلاقات الإنسانية بكل أطيافها خصوصاً في الطيف السياسي والعقدي. المطلوب التعرض بعمق إلى الخلافات والفجوات والحواجز والموانع التي تفصل بين الحضارات ومن ثم التعاطي مع طرق وأساليب التعامل الموضوعي معها بشكل منطقي يسهم في تحقيق هدف حل الخلافات (المعضلة الأولى) ومن ثم ردم إن لم يكن تجسير الخلافات والصراعات بين الدول والشعوب تحديداً (المعضلة الثانية). إن حكمة الله تعالى تقتضي أن تتنوع الثقافات والحضارات الإنسانية خصوصاً في معتقداتها وقيمها وعاداتها وأخلاقياتها وقيمها الإنسانية ناهيك عن الاختلاف الكبير بين أشكال وخلفيات ومعتقدات البشرية وهو تنوع ينسحب على الطبيعة التي خلقها الله تعالى، وهي حكمة إلهية لم تحدث صدفة ولكنها من مظاهر الإعجاز في الخلق ومن مظاهر الإبداع في شؤون الخلق أيضا. الحقائق من جهة، والوسائل والأدوات العلمية من الجهة الأخرى، تؤكد أن العناصر والأجزاء بين المكونات أو الأنظمة لا تحقق التنافر والصراع وإنما تحقق القوة للجميع فيما لو تمت عملية توافقها الفكري وتكاملها العضوي وتساندها الوظيفي وانصهارها القيمي.لذا فإن حقيقة الاختلاف بين البشر شيء طبيعي بل وحتمي تقتضيه ظروف الحياة الإنسانية المعيشية والتقنية والعلمية وغيرها، المهم تدعيم قوى الاختلاف البشري تلك بمنطق ومبادئ الحقوق الإنسانية الأساسية والطبيعية، ومن ثم التركيز على المنطق والأساليب الموضوعية والواقعية.أخيراً لا بد من التغاضي التام عن الأخذ والتعامل والتفاعل بالأساليب والأدوات والمناطق الشخصية أو العاطفية، فالاختلاف لا يفسد للود قضية، ولا يولد العداوة. والثقافة التعددية لا تلغي الثقافة الذاتية أو الفردية أو الوطنية أو حتى القومية. لذلك ولهذا تحديدا فمن الضروري تشجيع تعدد الثقافات والتلاقح الثقافي بين الأمم حفاظا على بقائها ولضمان استمرارية العرق البشري.