ستظل قناة الجزيرة مثار جدل ونقاش صاخب وستظل برامجها أو بعضها على الأقل محل خلافات، وبالرغم من ذلك سيظل الكثيرون يتابعونها لأسباب مختلفة، ولكن الأهم أنها ستترك أسئلة معلقة ربما لفترة ليست بالطويلة حول سياستها الغامضة وأهدافها المشبوهة.. لماذا تعمد القناة إلى الصراخ والإثارة وبث الفرقة والخلاف بين الدول العربية؟ ولماذا تحاول فتح ملفات وقضايا مرت عليها سنوات عديدة في توقيتات حرجة لإثارة الرأي العام العربي ضد حكوماته؟ وهل هي قناة عربية بالفعل أم أن هناك جهات تقف وراءها لتحقيق أهداف معينة تروج لها الجزيرة بالفعل؟ وزير خارجية إسرائيل بيريز صاحب فكرة قناة الجزيرة بث حديث الغامدي يخدم من؟! المتابع الجيد للبرامج والمواد الإعلامية التي تذيعها الجزيرة على مدار اليوم ربما لن يجد صعوبة في الإجابة على هذه التساؤلات، خاصة وأن القناة المذكورة خذلت كل التوقعات وأصابت كل من راهنوا عليها كنموذج للإعلام العربي الناجح في مقتل، فمنذ بدأت الجزيرة بثها قبل ست سنوات تقريباً تنبه الكثيرون في عالمنا العربي لنموذج إعلامي مختلف وجديد وبدا وكأن الإعلام العربي قد بدأ بالفعل يدخل مرحلة جديدة بعد أن قدمت القناة نموذجاً مختلفاً وجذاباً وسريعاً أقرب للنموذج الغربي وحاولت إقناع المشاهد بأنها تضمن له الحق في المعرفة بموضوعية وصدق بعيداً عن المزايدات والتضليل، ونجحت القناة بالفعل في تكوين جماهيرية واسعة في مختلف أرجاء الوطن العربي، ويبدو أنها كانت مرحلة تمهيدية لتحقيق الأهداف الأساسية للقناة والتي ظلت خفية لفترة قريبة ثم سرعان ما بدأت تتضح شيئاً فشيئاً لتكشر عن أنيابها بقوة في الفترة الأخيرة. الترويج للتطبيع دأبت قناة الجزيرة على مهاجمة الدول العربية وانتقاد سياسات أنظمتها وحكوماتها وكانت الركيزة الأولى لها في حملات المهاجمة التي شنتها على هذه الدول هو إبراز عجزها وصمتها المطبق إزاء ما يحدث في الأراضي الفلسطينية وفي هذا استخدمت الجزيرة القضية الفسلطينية كسلاح لإثارة الشعوب العربية ضد حكوماتها تحت دعوى أنها لم تقدم شيئاً للقضية، والمراقب للجهود العربية وخاصة السعودية ومصر اللتان دأبت الجزيرة على مهاجمتهما يمكنه بسهولة تكذيب هذه الافتراءات التي تروج لها الجزيرة. ويبقى السؤال: ماذا قدمت قناة الجزيرة للقضية الفلسطينية؟! صحيح أنها لعبت دوراً مهماً من وجهة النظر الإعلامية في تغطية الاجتياح الإسرائيلي الأخير لأراضي السلطة الفلسطينية ولكنها بدت وكأنها استخدمت القضية كورقة ضغط لتحريك الشعوب العربية ضد حكوماتها لاتخاذ قرارات تصب في مصلحة مخطط رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون، ورغم أنه كان يحمد للجزيرة نقلها للأوضاع المأساوية في الأراضي الفلسطينية إلا أن ذلك لم يخل - كما يرى المحللون - من بعض المنغصات حيث دأب المذيعون الذين ينقلون هذه الأحداث على ختام تقاريرهم عن هذه المشاهد المرة بقولهم: «كل هذا يحدث في صمت مطبق من الدول العربية» وهي جملة استفزازية لها تأثيرها النفسي السيىء على المشاهد العربي، ويؤكد الخبراء أنها تجذر الاحباط في نفس المشاهد وتشعره باليأس وهذه سياسة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى ظهور أجيال محطمة يائسة لا تملك سوى الاستسلام والخنوع للعدو الإسرائيلي. الأكثر من ذلك أن القناة تحرص دائماً على استضافة شخصيات إسرائيلية في برامجها ونشراتها الإخبارية التي لا تخلو من ظهور صحفي إسرائيلي أو سياسي إسرائيلي ليقول ما يشاء على شاشتها لدرجة أن أحدهم اتهم العرب بأنهم مصدر الإرهاب العالمي وطلب اطلاق يد إسرائيل في المنطقة العربية للقضاء على الإرهاب. ويرى المحللون أن الجزيرة هي المحطة العربية الوحيدة التي تضع اسرائيل على الخرائط المعروضة على شاشتها وتتيح الفرصة لمفكرين وسياسيين إسرائيليين لمخاطبة الرأي العام العربي لترويج فكرة الانفتاح على إسرائيل والتطبيع معها والدفاع عن الجرائم الإسرائيلية التي ترتكب يومياً بحق الفلسطينيين والعرب. صفعة للانتفاضة تأتي بعد ذلك الصفعة القوية التي وجهتها الجزيرة للانتفاضة الفلسطينية عندما أذاعت شريطاً كاملاً يحمل ما سمته الوصية الأخيرة لأحد المشاركين في هجمات 11 سبتمبر وهو أحمد الغامدي ويتضمن مقتطفات لزعيم القاعدة أسامة بن لادن وذراعه اليمنى أيمن الظواهري والمتحدث باسم التنظيم سليمان أبو الغيث، وكانت إذاعة الشريط في هذا التوقيت أمراً مشبوهاً من وجهة نظر جميع المراقبين والمحللين، في حين كان العالم كله مشغولاً بما يجري في الأراضي المحتلة إذا بالجزيرة تحول الأنظار إلى قضية مل العالم من تكرارها وهي مسؤولية القاعدة عن أحداث 11 سبتمبر. ورغم تعالي الأصوات في العالم العربي تناشد الجزيرة التراجع عن بث الشريط في هذا الوقت لتضمّنه مواد تضر بالعالم العربي والإسلامي والقضية الفلسطينية أصرت الجزيرة على إذاعة الشريط الكارثة الذي تضمّن كلاماً للغامدي الذي كان يرتدي الكوفية الفلسطينية يحمل تهديداً صريحاً للأمريكان، وينذرهم بالويل والثبور ويبشرهم بالخراب والدم والدمار ويقول لهم بالنص «احفروا قبوركم واصنعوا توابيتكم فالموت قادم». والأخطر أن الشريط تضمّن اعترافات صريحة بمسؤولية القاعدة عن أحداث 11 سبتمبر وهو ما يعني من وجهة نظر المراقبين أن الإرهاب الإسلامي قد تأكد بالدليل القاطع لأمريكا والعالم ومن ثم يصبح ما فعلته أمريكا في أفغانستان مبرراً ويصبح ما يرتكبه شارون من مجازر مبرراً أيضاً ومطلوباً لمواجهة هذا الإرهاب، فلا فرق في هذه الحالة بين القاعدة وكتائب الأقصى أو حماس أو بين بن لادن وعرفات. وبهذا قدم الشريط هدية العمر لشارون ليواصل مذابحه في اطمئنان لأنه يخلص العالم من شرور الإرهاب الإسلامي وأعطى مبرراً للإدارة الأمريكية التي تلقت تهديداً مباشراً بالقتل والخراب والدمار لأن تتمادى في دعمها للإرهاب الإسرائيلي الذي وصل إلى حد أن يصف الرئيس الأمريكي شارون بأنه رجل سلام وعرفات بأنه راعٍ للإرهاب، ولا شك أن إذاعة شريط يتضمن الربط بين الإرهاب والمقاومة الفلسطينية، لن يكون الهدف منه إلا ضرب التعاطف العالمي مع العرب وتحويل أنظار العالم عن المذابح التي يرتكبها شارون ضد الفلسطينيين وسواء تم هذا بقصد من الجزيرة أو بحسن نية منها فهي بكل الأحوال تضع السم في العسل لمشاهديها. مزايدة على المملكة الأكثر من ذلك غرابة وغموضا هو تزامن توقيت إذاعة هذا الشريط الذي يتضمن متحدثاً رئيسياً سعودي الجنسية هو الغامدي مع زيارة سمو ولي العهد السعودي إلى واشنطن وقتها كأنه يمثل نوعاً من أنواع الضغط على الحكومة السعودية لتوقف دعمها المادي للشعب الفلسطيني وسيل التبرعات الذي انهال من المواطنين السعوديين استجابة لنداء خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز لدعم المنكوبين في فلسطين وهي التبرعات التي وصفتها أمريكا بأنها دعم للإرهاب وطالبت بوقفها، وهو نفس الأسلوب الذي اتبعته الجزيرة مع المملكة مؤخراً عندما أذاعت برنامجاً يهاجم الحكومة السعودية تزامن مع رفض المملكة رسمياً لضرب العراق واستخدام أراضيها من أجل هذا الغرض. ويرى المحللون أن هذه المواقف تؤكد وجود شبهة توظيف إسرائيلي أمريكي لهذه المواد التي تذيعها الجزيرة. مهاجمة العرب وتوجه قناة الجزيرة بعض برامجها لمهاجمة سياسات وأنظمة بعض الدول العربية وتعتمد في موادها المذاعة على إثارة النزاعات والفرقة داخل هذه الدول ويرى بعض المراقبين أن ما تذيعه القناة في هذا الشأن هدفه تحقيق أهداف وأغراض لصالح جهات معينة حتى أنها وضعتنا كعرب في مواجهة بعضنا البعض من خلال إثارة مشكلات وقضايا خلافية اختفت منذ سنوات تطرحها من خلال ضيوف برامج مثل «الاتجاه المعاكس» الذين يوجهون الشتائم لبعضهم البعض في محاولة لإثارة الرأي العام وشغله بقضاياه الداخلية عن الصراع مع العدو الخارجي، ولا تخلو الجزيرة من المساس بقيادات وحكومات بعض الدول العربية خاصة مصر والمملكة العربية السعودية والتشهير بهم وهذا كله يصب في مصلحة الكيان الصهيوني والأهداف الأمريكية في المنطقة.ولعل ما يؤكد ضلوع القناة في هذه السياسة تلك الدراسة التي أجراها الباحث أحمد عبدالكريم عن دور الفضائيات العربية في زيادة عوامل الفرقة بين العرب والتي أكدت أن قناة الجزيرة هي أكثر القنوات العربية التي تثير آراء متعارضة على ما يقدم على شاشتها حيث يرى كثير من المشاهدين أنها تثير الخلافات العربية - العربية وتمهد للتغلغل الإسرائيلي في المجتمعات العربية وأن ما يقدم على شاشة الجزيرة أدى إلى توتر العلاقات القطرية مع كثير من الدول العربية ومنها الأردن وتونس والسعودية ومصر والبحرين والمغرب والكويت وموريتانيا وحتى السلطة الفلسطينية. وفي الوقت الذي تحاول فيه الجزيرة توجيه الانتقادات للنظم والحكومات العربية نجدها لا تقدم ولو نقداً واحداً لدولة قطر حتى أن أحد الصحفيين القطريين قال: «إن معظم القطريين لا يتابعون برامج الجزيرة لأنه لا يوجد شيء تقريباً فيها عن قطر، فالهدف منها هو إثارة صداع الحكومات العربية الأخرى». وأشارت جريدة اللموموند الفرنسية في مقال لها عن الجزيرة نشر في مارس 2000 إلى أن أنباء القناة عن قطر ما زالت نادرة ربما لأنه لا يحدث في هذا البلد شيء كثير ولكن في أثناء الانتخابات البلدية الأولى التي جرت في مارس 1999 شاهد أحد الأعيان زوجته على شاشة الجزيرة فثارت ثائرته وطلب من المحطة أن تسحب الصورة فاستجابت. قناة بلا جنسية الأهداف المشبوهة للقناة والتي بدأت تروج لها عبر برامجها بوضوح دفعت البعض إلى التساؤل حول ما إذا كانت قناة قطرية بالفعل أم أن إنشاءها وتمويلها تقف وراءه جهات أخرى صاحبة مصلحة في تحقيق هذه الأهداف؟ بعض خبراء الإعلام يؤكدون أن الجزيرة ليست قطرية ويقولون إن التخطيط لإنشائها بريطاني بالأساس وتدريب كوادرها بريطاني أيضاً ويشرف على المحطة عدد من الإعلاميين المهاجرين الذين عملوا سابقاً مع هيئة الإذاعة البريطانية، والتمويل فقط هو قطري حيث تنفق الحكومة القطرية حوالي 45 مليون دولار في العام تتحملها وزارة الخارجية، والمعروف أن المالك الفعلي للقناة هو الشيخ حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري، ولذلك فالخبراء يرون أنه لا يجب وصفها بأنها قطرية لأنها تتعلق باستراتيجيات وسياسات أكبر من الحجم الفعلي لقطر على المستوى العربي والإقليمي والدولي. ويشير الخبراء إلى أن قناة الجزيرة أنشئت بنصيحة من الوزير الإسرائيلي شيمون بيريز عندما زار العاصمة القطرية منذ خمس سنوات حيث أكد للمسؤولين القطريين ان قطر يمكنها أن تؤثر إعلامياً في المحيط العربي لكنها لا تستطيع التأثير سياسياً، ويدللون على هذا بقولهم ان هناك تعاوناً بين الجزيرة والقنوات الإسرائيلية، كما أن الجزيرة تحرص على استضافة أكبر كم من المسؤولين الإسرائيليين في برامجها بالإضافة إلى عدم تعرض الجيش الإسرائيلي لمكتب مراسلي القناة أثناء العدوان الأخير رغم اعتدائهم على جميع مراسلي القنوات الأخرى.