وقد ساهم وعي الراوية بأساس النظام القبلي في تلك البيئة لى تحفيز الصوت الأنثوي على الإفضاء.. وتقصي مراتب حركيته المعلنة بين عناصره المماثلة ف«سهله، والنجدية، ومزنة وانشراح، و«هند» يتبادلن تلك الأدوار التي تتسامى بالمشهد السردي.. ويغيب على الصعيد الواقعي المعنى المفيد والمحرك لوجودهن.. بينما يمثل الحوار الحركي المتبادل بينهن.. والقراءات والتأملات الوصفية لهن، والتي تتجلى في الأفق السردي.. عمق المكبوت الذاتي لهن..! في منحى يعبر عن خصوصية البيئة البدوية ويرسم لفضائها معالم واضحة الأسس وبينية الاتصال والتعبير.. وفيما الرواية التي تشتغل على كشف هذه العوالم في بيئة بدوية عربية أسلفنا تحديد موقعها الجغرافي.. يتنامى فيها الحس العشائري.. وتعبيراته عن تجذر القيم التراثية التي تحكمه... والتقاليد الواضحة والعراقة.. والتي تهيئ للكاتبة وبحكم انتمائها الجنسي والبيئي، مدى من الصدقية والشفافية في اقتناص بؤر توتر مثل تلك العلاقات.. والتقاليد..!. * وقد مثّل صنيعها الروائي وتشكيلاته الأسلوبية والتعبيرية إضاءة.. تنزاح في تحققها إلى آليات السرد.. واتساع فضائها التشكيلي بين حس إنساني تمثله شخوص بذاتها.. وواقع حياتي حركي تتشكل في فضائه كل الأطياف..!. وباعتبار الفوارق الأجناسية بين هذه الشخوص.. التي تحيل بدورها إلى فوارق في القيمة الوجودية لها ومدى حريتها.. وإطار تشكلها بين رجال ونساء.. ساهم السرد في تكوينها، وفقاً لوصف تكويني معني بتفصيلات وحدات المكان ورموزه الحركية.. ومزاج معيشي مرتبط بالمأكل والملبس والحراك اليومي، وبين خط تاريخي يبتدئ مرحلياً عبر فصول السرد.. ويتناص مع ذلك الحس، ويحقق له شرعية واقعية ويكشف جوانب من تماس العلاقة بين أفق القبيلة في المجتمع العربي وأنماط الوعي السلوكي والذهني لأفراده. * فحين التزام التشكيل السردي بتكوينات البيئة الاجتماعية، ونسقها الفكري.. أثري الوصف البصري عبر البنى التعبيرية وتناصاتها الفلكورية.. والاهتمام بالتفصيلات المعيشية حضوراً أقوى لهذه البيئة في الذائقة المتلقية.. بما ينسجم وجماليات السرد المتوخاة من استبصار تكوينات هذه البيئة.. والشروع الجريئ في كشف أقنيتها الداخلية. فيما تكمن جماليات صياغية أخرى في الأفق السردي.. تتمثل في اكتناه المخيلة للموصوف البسيط في متداول تلك البيئة ولوازم حياتها اليومية.. وفي تتبع الجزئيات في الكلى الممثل لتلك الإحراء.. * وحين يتقصى الباحث عبدالرحمن أبو عوف مناحي الدلالة في العمل الأول لميرال الطحاوي «الخباء» والذي يمثل مع «نقرات الظباء» تجانساً عنوانياً في التركيبة اللغوية.. ويحقق معها إلتحاماً في التعبير عن مغاليق بيئة واحدة.. وعما يمثل في نظرة وعبر استبصاره لرواية الخباء «توحد بين النشء والاغتراب، لمفردات المكان والجسد النابض بالحياة والشهوات والرغبات والسعي المحموم.. هو مستلب ومصلوب في عراء موحش تبدع الكاتبة في نسج سردها الروائي الشاعري المكثف القائم على الأداء الوصفي البصري التشكيلي المثقل بسمفونية متناغمة من الألوان والظلال، والتكوينات، وهامس بالأصوات الخافتة، حيث المنجز المرئي ولغة الصورة الفكرة تضعنا في حضور اللحظة وصيرورتها وتحولاتها في الزمن الروائي المحتوى لدراما الأحداث العادية، وحركة وسلوك الشخصيات المنحوتة من خصوصية البيئة البدوية وتشابك وتصارع إدارتها ورغباتها ومصائرها المتناقصة المتداخلة..» «2» * فحين تتعاضد دلالات هذه المجتزأة التي تضيء بعض مضامين رواية «الخباء» مع ما ذكرناه مع مضامين ودلالات «نقرات الظباء»، فإنها تؤكد ما رأيناه من تجانس البناء السردي وتناولاته وإجراءاته الفنية بين الروايتين.. ليؤكد على اختمار الهم الذي يشغل الساردة في فك مغاليق تلك البيئة، والولوج إلى تفاصيل انبناءاتها.. وصيرورة تحولها الداخلي في إطارها المغلق.. وما تحققه في ذلك من اختزال التشتت الذي تنبئ به مصائر الحياة البدوية إلى توحد» بالاعتراب وتفسير لهادات ذلك الاغتراب عبر التحليل السردي لبناء المعيشة.. ونقل ذلك المعيش من شفهية التعبير وفقاً لمحدداته الذهنية.. إلى تدوين مساراته وتحولاته التفصيلية.. وكشف دواخله الإنسانية. وهي بذلك تجتزئ همها من فضاء الصحراء الأوسع، عبر بيئة يرسم السرد حدود إقليميتها ومكانها الجغرافي. * وحين يرى سعيد الغانمي أن روايات إبراهيم الكوني «تحدد المجتمع الضروري من الناحية السردية، وجهة نظر الشخصيات التي تعيش فيه، إنها شخصيات موجودة على حافة الحياة دائماً، وكأنها في صراع أبدي مع الموت، لا وقت لديها للتفكير بما يحفظ لها استمرار حياتها، ويحضها من مواجهة الفناء، كل شيء في المجتمع الصحراوي آكل أو مأكول ولهذا السبب فإن المجتمعات الصحراوية مجتمعات بلا زمن، تعيد إنتاج نفسها، باستمرار بطريقة واحدة، وكأنها موجودة في الأبد هكذا يملي المكان نوعاً محدداً من الزمان الدائري ويقرضه في هذه البيئة..» «3» * فهذا الفضاء الذي تشكل وفقاً له عوالم إبراهيم الكوني الرواتية.. وتنفتح على الكون اللامتناهي في الصحراء.. وتحقق بفنيات عالية، عوالم روائية تفصح وبجلاء عن تكوينات الصحراء بمفهومها الدلالي الواسع.. وفي تغييب لعنصر الزمن في تحولاتها بحسب سعيد الغانمي.. فإن العالم الذي تنتقيه الروائية ميرال الطحاوي يفارق مسارياً تلك الرؤية.. إلى بعد انتقائي محدد من البيئة تغيب فيها دلالة الصحراء بمفهومها السابق.. إلى تكوين بيئة بدوية تهادن من بعد عالم المدينة وتستطفي أفقها المحدد بعيداً عن احتواء المدى الأوسع لمفهوم الصحراء اللامتناهي.. وتنتقي من بعض بناه المفاهيمية والسلوكية في إطارها البيئي ما يحقق لها بعضاً من لوازم طبقيتها.. فيما تظل محكومة برؤى مهمينة وقبلية.. وتفكير أحادي معلن.. يتحكم فيه الذكور.. ويشيؤون واقعه.. وفقاً لقناعاتهم..!. * على أن اقتراب انجاز ميرال الطحاوي في التعبير عن الحس الأنثربولوحي يتحد مع حس الكوني في بعض أعماله..وإفصاح عوالم«نقرات الظباء» من استدلال زمنها التاريخي.. الذي يحضر ضمناً في بروز الشخصيات التاريخية في حاضر العرب السياسي.. ولحمة التداخلات الحياتية المتشابكة في العمل. هوامش: 1 ميرال الطحاوي، نقرات الظباء، رواية صادرة عن شرقيات، الطبعة الأولى 2002م القاهرة. 2 عبدالرحمن أبو عوف قراءة في الكتابات الأنثوية الهيئة المصرية العامة للكتاب 2001م القاهرة ص 83. 3 سعيد الغانمي ملحمة الحدود القصوى المخيال الصحراوي في أدب إبراهيم الكوني، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، ص 14.