انطلقت الثورة السورية تحت شعار إصلاح ذات البين، على أمل أن يتفهم النظام تطلعاتها، ويتقبل مطالبها، ويساهم في إخراج العملية في ضوء ما حصل في ثورات الربيع العربي. غير أنها تفاجأت بقسوة النظام ووحشيته واستعداده لتدمير البلاد وسحق العباد من اجل الإبقاء على نمط حكمه وسيطرته. لقد تعاطت مع شعارات امنه وشبيحته وجيشه «الأسد أو نحرق البلد» و»الأسد أو ندمر البلد» باعتبارها نوعاً من الحرب النفسية والتهويل للتخويف حتى واجهت الحقيقية المرة: قتل وتدمير، اعتقال وتشريد، اغتصاب وذبح بطرق بدائية بشعة. وحشية بلا سقف أو حدود. لم تكن تتوقع رد فعل مفتوح النهايات ولا يبالي بالنتائج أو يترك خطاً للرجعة، كما يفرض المنطق، كما لم تكن تنتظر هذا النمط من التدخلات الخارجية، الرسمية وغير الرسمية، التي جعلت الأمر اكثر تعقيداً وأكثر قسوة ودموية والمآل اكثر خطورة. لقد وجدت الثورة نفسها بين حجرَي رحى ضخم، وغدت مطالبها وتطلعاتها عرضة للتآكل والتلاشي تحت وطأة مطالب ومصالح المتدخلين، الرسميين وغير الرسميين، ومشاريعهم الخاصة. في البدء كانت التدخلات الإقليمية والدولية محدودة وذات طابع إعلامي/ سياسي في الغالب بعضها مع النظام وبعضها الآخر مع المعارضة، كل الاعتبارات تتعلق برؤاه ومصالحه في سورية والإقليم والعالم، وكانت مجريات الثورة على الأرض واعدة، فالسوريون يخوضون صراعاً شجاعاً ضد الاستبداد والقهر واغتصاب الحقوق السياسية والاقتصادية، وضد كبت الحريات وقمع التعبيرات الاجتماعية، يكشفون عن قدرة عالية على التحمل والتعايش مع التضحيات الكبيرة بشجاعة نادرة، ويحققون تقدماً عبر جذب المواطنين إلى ساحة الصراع، وكسب التعاطف العربي والدولي عبر كشف طبيعة النظام ووحشيته وتعرية شعاراته الوطنية والقومية الزائفة. غير أن اتساع نطاق المشاركة الشعبية وامتداد فعاليات الثورة لتعم غالبية الأرض السورية، ناهيك عن صمودها في وجه آلة القمع والقتل، اطلق إشارات خطر أخافت حلفاء النظام، ايران بخاصة، فتحولت التدخلات من سياسية إعلامية إلى مالية وعسكرية (أسلحة ومقاتلين)، زادت مع الوقت كماً ونوعاً. وهذا أطلق حركة مضادة لدى داعمي الثورة الذين اعتبروا تصعيد حلفاء النظام يطرح احتمال إلحاق هزيمة بالثورة وبالتالي خسارة لهم في سورية والإقليم فاندفعوا في تصعيد مقابل برفع سقف الدعم وتنويعه، ما وضع الثورة السورية على سكة غير سكتها، وحوّلها إلى حالة حرب بالوكالة، وقودها وضحاياها من المواطنين السوريين، تديرها وتتحكم بها قوى خارجية. لم تقف التدخلات عند حد تغذية الصراع بمد طرفيه بأسباب الاستمرار والثبات على مواقفهما بل انتقلت إلى مستوى آخر: سعي الدول الداعمة للثورة لإعادة صوغ مشروع الثورة ذاته ووضع أهداف بديلة للتي خرج السوريون لتحققيها من خلال توظيف الدعم في كسب الولاءات وصوغ التحالفات والاصطفافات، وتعزيز أطراف معيّنة، لاعتبارات تتعلق بموقفها من مستقبل سورية المتطابق مع ما تريده هذه الدول، وصرف النظر عن تسرّب القوى «الجهادية» إلى سورية واستخدامها في تسعير الصراع ضد النظام وحلفائه. أفرز التدخل الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى تدخل القوى والأطراف غير الرسمية من أحراب وجماعات «جهادية» وأخرى ملحقة بهذه الدولة أو تلك، معادلة شديدة التركيب والتعقيد طفت على سطحها قوى وبرامج غير سورية، برامج ليست على صلة بطموحات الشعب السوري ومطالبه التي خرج من اجلها (الحرية والكرامة، وإقامة نظام ديموقراطي تعددي يساوي بين مواطنيه في الحقوق والواجبات على قاعدة المواطنة وسيادة القانون والالتزام بحقوق الإنسان). وهذا ما وضع الثورة السورية في موقف صعب بين نظام متوحش لم يترك وسيلة وسلاحاً إلا واستخدمه، من دون اعتبار للخسائر البشرية والدمار الاجتماعي والاقتصادي، على أمل إعادة الثوار إلى بيت الطاعة، تدعمه دول وقوى خارجية لحسابات تتعلق برؤاها ومصالحها في سورية والإقليم، ودول وقوى انخرطت في الصراع تحت راية دعم الثورة، وأصبحت جزءاً من معادلة الصراع، فكانت وبالاً عليها، لأنها وعلى رغم وقوفها المعلن في صف الثورة لم تستطع، نتيجة تباين تصوراتها ومصالحها، أن تتفق على صيغة لدعم الثورة من دون أن تنقل خلافاتها إلى داخل الثورة وتثير خلافات وصراعات بين مكونات الثورة على خلفية الولاء لهذه الجهة الداعمة أو تلك. وهذا، مع عدم تطابقها مع منطلقات الثورة وأهدافها، جعلها تسعى إلى التأثير في مواقف الثوار وتشتغل على تقوية الأجنحة التي تتقاطع معها بالرؤية والتصوّر. نجم عن ذلك بروز تيارات إسلامية سورية متشدّدة، قبل أن تطفو على السطح تيارات «جهادية» مرتبطة بتنظيم القاعدة (جبهة النصرة، والدولة الإسلامية في العراق والشام) ببرامجها العابرة للحدود والوطنيات، وآخر بركات هذه الدول تشكيل جبهات وجيوش إسلامية سلفية متصارعة من جهة، وتناصب من جهة ثانية، الثورة وأهدافها العداء. لقد غدت الثورة وأهدافها طرفاً هامشياً على أرض الواقع نتيجة صعود الحركات السلفية ببرامجها وأهدافها غير الديموقراطية، وتغوّل الحركات «الجهادية» الوافدة واستعمالها القوة المسلحة للسيطرة على المناطق المحررة، والأساليب القسرية العنيفة لفرض رؤاها وتصوراتها على المواطنين فيها، وغدا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة معلقاً بين دول تدعمه اسمياً وتدعم القوى الرافضة له فعلياً، ودول تتذرع بوجود القوى المتشدّدة وسيطرتها على الميدان كي لا تقدم له الدعم المطلوب، ومع ذلك تطالبه بالذهاب إلى مؤتمر «جنيف2» للتفاوض على مرحلة انتقالية وهو في هذه الحالة البائسة. يستدعي الموقف الراهن من الائتلاف خطوة جريئة وشجاعة تضع النقاط على الحروف وتفرز الأبيض من الأسود وتواجه الدول الداعمة، وبخاصة الإقليمية، بحقيقة ما يجري والسبيل للخروج من المستنقع. وهذا يتطلب موقفاً من مستويات عدة: سياسي وعسكري واجتماعي. فعلى المستوى السياسي طرح تصوّر لسورية المنشودة، وهذا سيبيّن تمايزه عن الجماعات الأخرى. وعلى المستوى العسكري المطالبة بالدعم لصنع أرجحية عسكريّة على الحركات المتطرفة بحيث يكون للقوات المرتبطة بالائتلاف ثقل كبير يلجم تعديّات المتطرّفين ويفرض حضوراً وهيبة. أما على المستوى الاجتماعي فتقديم دعم فعال لتمكينه من تغطية احتياجات المواطنين في مخيّمات اللجوء والنزوح وتقديم خدمات وإغاثة مقرونة بشفافية عالية في التوزيع ما يسمح بفتح أقنية تواصل التجمّعات السورية يتفاعل معها ويضعها في صورة التطوّرات والتغيّرات. بهذا يميّز نفسه ويلجم خصمه ويطمئن مجتمعه. وإلا فإن الأنسب أن يعلن عدم استعداده لتمثيل الثورة في المفاوضات ووضع الأمر في عهدة قوى الثورة في الداخل. * كاتب سوري