عندما عزم الرحالة محمد الجودي القيرواني وابنه أحمد على أداء فريضة الحج سافر من تونس بحراً إلى بورسعيد ومن ثم استقلا سفينة السلعة «البضاعة» التي عبرت الفتحة «قناة السويس» إلى بحر جون الكبريت الذي قاسوا فيه الشدائد، وهو يقول: «وصلنا إلى ميناء جدة ليلة رابع ذي الحجة 1331ه، فنزلنا من السفينة بفلائك على الشاطئ، فأول ما لاقيناه أنه لا يطلب الإنسان شربة ماء إلا بثمن قدره هللة لكل شربة وسألنا عن الميضآت فأرشدونا إليها فوجدنا أنه لا يتوضأ الإنسان إلا بهللة مع رداءة الماء وملوحته». ويصف القيرواني رحلته إلى مكة «اكترينا جمالاً حملتنا إلى مكة، الجمل الواحد ب23 فرنكاً ونصف الفرنك إضافة إلى البقشيش وقدره فرنكين». توقفت القافلة في بحرة فباتوا بها على خوف شديد، وواصلوا سيرهم حتى وصلوا مكةالمكرمة ودخلوا الحرم وطافوا بالبيت العتيق وسعوا، واكتروا خيمة وجمالاً لحملهم إلى منى وعرفة، وضاع أحمد في زحمة الحجيج في جبل الرحمة، «بحثنا عنه فلم نجده وبتُ متقلباً على الجمر، لأن اللصوص كثيرون بالجبل، ولا يؤمن منهم القتل، لأن القتل عندهم أقرب شيء يكون». وعندما حان وقت الصلاة خطب الإمام راكباً على ناقة ومعه ناقة أخرى مجللة ليس عليها راكب، قيل إنها الهدي الذي قدمه الإمام، وناقة أخرى عليها مظلة يظل بها على الإمام، وشرع الإمام في الخطبة من العصر إلى أن غربت الشمس. واحتفى الرحالة بما رآه من تطبيق الحدود الشرعية أيام منى «وأعجب ما وقع في مشعر منى قطع يد سارقين ثبت عليهما سرقة 150 جنيهاً، عند زحمة جمرة العقبة، ولما عثر عليهما وجد عند أحدهما 100 جنيه فقط، ولما سئل عن بقية المبلغ أفاد أنه ابتلعه، فأحضر له طبيب سقاه دواء حتى أخرجها من أسفله، فحكم عليهما بقطع أيديهما فقطعت، ووقع مني ذلك موقعاً حسناً، إذ أقيم الحد الشرعي الذي انعدم العمل به من زمان، كما بلغنا أنه قطع في ذلك اليوم لسارق يديه معاً، وتم تنفيذ حد القتل في آخر ثبت عليه قتل نفس». وذكر الرحالة عودته من منى إلى مكة ووصف المسجد الحرام وما بداخله من المطاف والحِجر والحجر الأسود ومقام إبراهيم وزمزم وأبواب الحرم. وغادرها إلى المدينةالمنورة مروراً بخليص في خوف شديد من اللصوص الذين قتلوا رجلاً تركياً تخلف قليلاً لقضاء الحاجة، ونجا حاج مصري وزوجته من الموت بأعجوبة، ووصل إلى رابغ ومنها إلى مستورة، ويبيت في كل محطة حراس يحرسونها بقرشين على كل شقدف. وصل القيرواني إلى المدينة وصلى في المسجد النبوي وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وزار معالم وآثار المدينة، ولم يستطع زيارة قبر الصحابي أبي سعيد الخدري بسبب اللصوص مع أن قبره داخل المدينة. كما اشتغل بلقاء علماء المدينة، واجتمع بالشيخ أحمد البرزنجي الذي أجازه في جميع العلوم، كما زار السيدة شمس جهان زوجة الشيخ عارف حكمت شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، وقال عنها: «هي امرأة لها من العمر 100 عام، ففرحت بنا كثيراً وحولها كتب، بعضها بالعربي وبعضها بالتركي، فسألتها: هل أجازها الشيخ عارف في شيء؟ فأجابت: أنه أجازها في دلائل الخيرات والبردة للبوصيري والحزب الأعظم للملا على القاري، فسألتها أن تجيزني في ذلك، فتوقفت، فلما ألححت عليها، وأن قصدي اتصال سندي بشيخ الإسلام، أمرت بإحضار الكتب المذكورة وأمرتني بقراءة شيء من ذلك عليها، فقرأت وربما سبقتني ببعض جمل من دلائل الخيرات، ولما انتهيت: أجازتني وأمرت بكتابة إجازة لي». كما زار بقية معالم المدينة وآثارها. وكانت أسعد اللحظات التي قضاها القيرواني في المدينةالمنورة عندما عُرض عليه أن يوقد مصابيح الحجرة الشريفة ليحسب من خدمة القبر الشريف، فأوقد سبعة قناديل ووقف للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم على صاحبيه عليهما رضوان الله، وختم زيارته بشراء بعض الكتب، وحمد الله على أن أتم له حجه وزيارة نبيه.