يتسابق الساسة المصريون على الفوز ب «كعكة» الحكم أو بأجزاء منها، والتنافس السياسي أمر مشروع بل وواجب ليعرض الساسة برامجهم ورؤاهم على الشعب ليختار ممثليه وحكامه، لكن المعضلة أن الصراع على الحكم لا يدار بنظام وضوابط تضمن أن تظل الكعكة صالحة أصلاً، بل إن المتنافسين يساهمون في إفسادها، ومن أهم ملامح المشهد السياسي المصري بعد الثورة أن كل الأطراف الفاعلة فيه لا تكتفي بأداء الأدوار التي تجيدها، ويفترض أن تؤديها، وتصرُّ على أداء أدوار الأطراف الأخرى على رغم أن الطبيعي أن يتمسك كل طرف بالمهام التي يجيدها، ويملك الخبرات التي تمكنه منها وتؤهله ليمضي في الطريق الذي يعرفه، بما يضمن له أن يؤديه على النحو الأمثل. وحده الجيش أو مجلسه العسكري الذي فوجئ بكرة اللهب تُلْقَى بين يديه، صار يؤدي، مضطراً، دوراً لم يكن مرسوماً له، ولا يملك الخبرات التي تعينه على أدائه. وربما لهذا السبب يلتمس بعض المصريين الأعذار للمجلس، ويتحملون أخطاءه في الفترة الانتقالية، على أساس أنها موقتة، وأن الجيش سيعود إلى ثكناته بعدها، ويترك الحكم لمن يجيد فنون الحكم. وربما تقسو القوى السياسية على الجيش، لأنها تنتظر منه ما لا يستطيع أن يقدِّمه لها، فهو يدير بالطريقة التي يعتقد أنها الأفضل، بينما هي عندهم الأسوأ. أما باقي الأطراف، فالمفروض أن تعي الدرس، ولا تكرر تجربة «أخطاء» المجلس العسكري، لكنها أصرَّت، وبمنتهى الجسارة، على الوقوع في الخطأ نفسه، ولكن باختيارها ومن دون اضطرار أو إجبار. خُذْ مثلاً زحف رجال الدين نحو العمل السياسي، مستغلين شعبيتهم التي نالوها من ثقة الناس فيهم في المساجد أو على الفضائيات الدينية. لا مجال هنا للدخول في الجدل حول الآراء والفتاوى التي يطلقونها أو تفسيرهم آيات القرآن والسنة الشريفة، فهذا يحتاج إلى عالم دين يخوض في الأمر، لكن القضية تتعلق بالتخصص ووجود الشخص المناسب في المكان الذي يناسب قدراته وخبراته. نعم تمنح كل دساتير العالم الحق في ممارسة العمل السياسي لكل المواطنين من دون تمييز لكن الاعتماد على شعبية نالها هذا الشيخ أو ذاك الداعية في المساجد للقفز إلى واجهة المشهد السياسي أمر لا يختلف كثيراً عن اعتماد لاعب كرة على شعبية واسعة بين الجماهير للفوز بعضوية البرلمان أو حكم البلاد! المؤكد أن أداء عالم الدين في قاعات المحاضرات والمنتديات الدينية وفي المساجد (أو الكنائس لو كان قبطياً) يفيد المجتمع بصورة أفضل، كما أن الفائدة الكبيرة من بقاء لاعب الكرة «النجم» على البساط الأخضر تفوق بكثير تلك التي يمكن أن يحققها تحت قبة البرلمان. وإذا كان المعيار هو شعبية شخص يمارس عملاً أو مهنة أو رياضة بعينها بين جمهوره، فإن لاعب الكرة المصري محمد أبو تريكة مؤهل لحكم مصر! عودة إلى الكعكة، يقول المثل المصري «اعطِ العيش لخبازه ولو أكل نصفه» لكن الوضع في مصر يشير إلى أن أصحاب كل المهن هجروها وصاروا «خبازين» لكنهم لا يكتفون بصنع الكعكة، وإنما هم متلهفون على التهامها. في مقابل نموذج رجال الدين الذين اقتحموا السياسة، هناك الأدباء والكُتَّاب الذين يطلقون الفتاوى الدينية ويفسرون القرآن والسنة الشريفة من دون علم أو دراسة ويتجاوزون إبداء الرأي في مظاهر التدين إلى الدخول في تفاصيل لا يمكن إدراكها من دون علم ودراسة وتخصص. قد يأتي سياسي محنك، وهو في الأصل فقيه أو عالم دين أو لاعب كرة أو حتى فنان، لكنهاً دائماً الاستثناءات وليست القاعدة. أما النموذج الأخير الأكثر فجاجة، فيتعلق بالصحافيين والإعلاميين الذين تحولوا ناشطين سياسيين، وخلطوا بين قناعتهم السياسية وأصول الموضوعية والمعايير المهنية، فلا أفادوا السياسة ولا حافظوا على تقاليد المهنة. وهؤلاء استغلوا منابرهم لينقلبوا على قواعد عملهم، فضربوا كل القواعد والأصول. وطالما أن المشهد السياسي المصري عامر بنماذج كتلك، فلماذا يبقى الناشطون السياسيون في مواقعهم ولا يتحولون إلى صحافيين وكُتَّاب وإعلاميين؟ نعم صار القارئ المصري يطالع مقالات وتحليلات تحوي من الركاكة في الصياغة والأخطاء في اللغة والارتباك في ترتيب العبارات ما يعيق القراءة أو الفهم، ويطالع وجوهاً، ويسمع أصواتاً لا تجيد من فنون الإعلام الحد الأدنى. من البديهي والأكثر فائدة للكل لو أن الصحافي احتفظ بمهنته، والإعلامي بإطلالته، والناشط السياسي بنشاطه. وأن يظل أبو تريكة يصول ويجول في الملاعب وليس في أروقة الحكم.