لم يهز جان ماري لوبن فرنسا وحدها، ولا اوروبا فقط، فزعيم اليمين الفرنسي المتطرف أحدث صدمة في العالم السائر نحو انفتاح كلي على بعضه البعض. خصوصا انه لا يطلب فقط بطرد المهاجرين وزيادة عدد السجون، بل يدعو الى انسحاب فرنسا من الاتحاد الاوروبي. فمن هو لوبن؟ ما تاريخه وما برنامجه في مطلع الالفية الثالثة؟ يعتبر جان ماري لوبن من أقدم الزعماء السياسيين في فرنسا الذين لا يزالون يمارسون السياسة، مصرين على البرنامج نفسه. ومع ان كثيرين لم يعودوا يحسبون له حساباً معتبرين ان معركته الاخيرة في الانتخابات الرئاسية كانت معركة زائدة، الا ان لوبن فاجأ الجميع بقدرته على الاختراق وبما استطاع تحقيقه مظهراً عجز تيارات اليمين واليسار عن مجاراته. في الثالثة والسبعين يخوض الانتخابات الرئاسية للمرة الرابعة، بعدما نجح منذ بداية السبعينات في جعل اليمين المتطرف الهامشي والمنقسم على نفسه قوة لها وزنها ويحسب لها الحساب. ولد جان ماري لوبن في العشرين من حزيران يونيو عام 1928 في بلدة "ترينيتيه سير مير" في منطقة بريتاني الفرنسية على شاطئ الاطلسي، ودرس الحقوق في باريس، واجتذبته مهنة السلاح في بداية حياته العملية فعين ضابطاً وخاض الحرب في الهند الصينية عام 1953 قبل ان يخوضها في الجزائر في 1957. وطبعت هذه الحرب التي استمرت من عام 1954 حتى 1962 حياته، وهو اتهم من قبل عدد من المؤسسات الانسانية والاعلاميين بممارسة التعذيب، مثله مثل الجنرال اوسواريس خلال حرب الجزائر. ويعتبر لوبن وريث صناعي كبير وغني، وهو الذي يملك شهادة في الحقوق يعرف كيف يدافع عن نفسه، وقد اهتم بالسياسة باكراً، ففي العام 1956 كان البرلماني الأحدث سناً في فرنسا، وهو غالباً ما يذكّر بهذه الواقعة. عام 1978 أسس لوبن حزب "الجبهة الوطنية" وتزعمه ليخوض من بعدها الانتخابات الرئاسية للمرة الاولى عام 1974، وقد حقق وقتها حين كان العالم خارجا من فترة الستينات ولا يزال قريبا اكثر من اليسار وحين كانت فرنسا لا تزال تعيش على ذكرى ثورة الطلاب عام 1968، أقل من واحد في المئة من الأصوات. كان على زعيم "الجبهة الوطنية" إذن أن ينتظر العام 1983 حتى يحقق حزبه تقدماً في الانتخابات المحلية الجزئية ثم في الانتخابات الاوروبية عام 1984 حيث نالت لائحة اليمين المتطرف 11 في المئة من الأصوات. منذ العام 1984 وحتى العام 2000، شغل منصب عضو في البرلمان الاوروبي كما كان بين العامين 1986 و 1988 عضواً في الجمعية الوطنية البرلمان، وهو عاد ليخوض الانتخابات الرئاسية عام 1988 ويكسب في الدورة الاولى نسبة 14.61 في المئة من الأصوات. عام 1998 ادت الخلافات بينه وبين برينو ميغريه، العضو القيادي في "الجبهة الوطنية" والرجل الثاني فيها، الى اقصاء ميغريه عن الحزب، وأجمعت الآراء وقتها على ان لوبن انتهى سياسياً، لكنه أثبت أنه قادر على الاستمرار بل عاد ليحقق هذا العام ما لم يحققه طوال مسيرته السياسية التي لم تبدأ البارحة: أكثر من 17 في المئة من الاصوات. يتميز لوبن بقدرته على مخاطبة الجماهير في عيونها، وهذا ما ينقص غالبية المرشحين الفرنسيين اليوم، فهو "يقول للأعور أعور بعينه" ويجرؤ على ما لا يجرؤ عليه المرشحون الآخرون. خطابه المباشر الشعبي الذي نجح في استقطاب كثيرين من العمال والمزارعين والفلاحين، هذا الخطاب لم يعد يملكه لا اليمين ولا اليسار الفرنسي وهو خطاب يظل مؤثراً في الطبقات الشعبية. لكن اللافت ان كثيرين من ابناء المهاجرين صوتوا أيضاً لزعيم "الجبهة الوطنية" خصوصاً في "الحزام الاحمر" في الضواحي الباريسية، وهذه ظاهرة عائدة الى كون لوبن شخص يوحي بالثقة، حسب ما يقوله ابناء هذه الطبقة التي تريد الاحتجاج على زعماء اليمين واليسار. ويعرف لوبن جيداً كيف يستهدف هذه الشريحة التي لا تنتمي الى المجتمع المديني بل تعيش على هامش المدن، او اولئك الذين يحسون انفسهم انهم مهمشون وغير مسموعي الصوت. ويعرف خصوصاً كيف يسترعي اهتمام هؤلاء ويضع نفسه دائماً في مقام الضحية ومقام المصلح الذي لم يطله الفساد. وهو أوهم الجميع أنه عاجز عن الحصول على التواقيع الخمسمئة رؤساء البلديات واعضائها ليخوض الانتخابات وخدع بذلك كل مؤسسات استطلاع الرأي. خلال الحملة الانتخابية لعب لوبن على الوتر الحساس للفرنسيين، فركّز على مسألة الامن والوضع الاقتصادي. فمسألة الامن مهمة جداً على اعتبار ان الامن الوطني لم يتحقق في زمن حكم الاشتراكيين بل على العكس، تفاقم وأصبحت فرنسا بلداً غير آمن فارتفعت نسبة الجرائم، وزادت بنسبة عشرة في المئة في السنة الماضية. وقد اعترف رئيس الوزراء الفرنسي بفشله في معالجة هذه المشكلة الوطنية وقال: "كنت ساذجاً وأخطأت على هذا الصعيد". وكان من الواضح ان لوبن يقول للفرنسيين شيئاً جديداً على هذا الصعيد، لذلك بحثوا عن الرجل الثالث. وتشير دراسة لمعهد "سي اس آ" للاحصاء الى ان 65 في المئة من دوافع التصويت لدى الفرنسيين كانت امنية، وبعدها جاءت الهجرة بنسبة 31 في المئة وتبعتها البطالة. وقد صوت العمال للوبن بنسبة 30 في المئة والمزارعون بنسبة 20 في المئة. اما الذين صوتوا لمرشح اليمين المتطرف فكان الامن في مقدم اولوياتهم: 74 في المئة ممن كان دافعهم امنياً صوّتوا للوبن تلاهم 60 في المئة ممن هم ضد الهجرة، بينما اعتبر 47 في المئة من الذين انتخبوه انه يمثل التغيير، ولكن 9 في المئة فقط من كل هؤلاء يرون ان لوبن مؤهل ليكون رئيساً للجمهورية. لقد ادرك لوبن اهمية الاعلام، فعرف كيف يستفيد من لحظات مروره على شاشات التلفزيون او في الاذاعات ليعرض بنود برنامجه الذي لم يتغير. وهو في العام 1995 سبق منافسيه جميعاً في نسبة الذين شاهدوه على التلفزيون، ويبدو ان هذه المسألة تجعله فخوراً بنفسه كأنما هو يثأر من الصحافة والصحافيين الذين لا يبدون استلطافاً حياله. واذا كان اشتهر عن لوبن صاحب نظرية "يد من حديد في قفاز مخملي" توجيه الشتائم واللكمات حين كان طالباً في الحي اللاتيني في باريس، فهو استمر في ممارساته هذه في مراحل ترشحه للانتخابات الرئاسية. ففي عام 1995، حين صفّر له احد الحاضرين استهجاناً في المعرض الزراعي الذي كان يزوره، ردّ عليه بالقول: "سأُبلعك صفرتك ايها الأحمق". ورافق طابع القوة والعنف مسيرة لوبن السياسية، فحتى في تظاهرات "الجبهة الوطنية" غالباً ما يتعرض انصار لوبن للعرب والاجانب من العالم الثالث، وفي احدى التظاهرات قبل بضع سنوات تم رمي مغربي في نهر السين. لقد أدين لوبن مرات عدة بسبب مقولات عنصرية معادية لليهود والعرب والاجانب في فرنسا، فهو ادين للمرة الاولى عام 1961 حين كان على رأس مؤسسة صغيرة متخصصة بطباعة الاسطوانات والخطابات التاريخية، وقد ادانته المحكمة بسبب "تمجيد جرائم حرب" وبعدما طبع على غلاف احدى الاسطوانات التي أصدرها وكانت فيها اغان وموسيقى الرايخ الثالث التالي: "تميز صعود الحزب القومي الاجتماعي وادولف هتلر نحو السلطة، بدعم حركة جماهيرية قوية، شعبية وديموقراطية، لأنها نجحت في الانتخابات المنظمة، وهذا ما يتم نسيانه غالباً". وفي 1978 ادين بتهمتين: الاولى بسبب منشور وزّع خلال حملته الانتخابية المحلية عام 1983، والثانية حول ما ذكره على التلفزيون من ان "العالم العربي - الاسلامي يشكل خطراً قاتلاً على الفرنسيين" وان المهاجرين "مستعمرون". مع ذلك فهناك من صوّت له من ابناء المهاجرين. وفي عام 1991 حُكم على لوبن بدفع مئة الف فرنك كتعويض لتأكيده لصحيفة "لوموند" ان "غرف الغاز لم تكن الا تفصيلاً في تاريخ الحرب العالمية الثانية"، وهو أعاد هذا التصريح في ميونيخ عام 1997 فأدانته المحكمة مرة اخرى. وحين تلاعب بالكلام ساخراً من الوزير الفرنسي السابق ميشال ديرافور، وربط بين اسمه وبين أفران الغاز الفرن بالفرنسية "فور" والعبارة تعني "فور كريماتوار" وهو وصف الوزير السابق بأنه "ديرافور كريماتوار" وقد فرضت عليه المحكمة دفع غرامة بقيمة عشرة آلاف فرنك . ورفعت وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة كاترين تروتمان شكوى ضده حين حمل صورة لها مقطوعة الرأس خلال تجمع لحزبه، فحكم عليه بفرنك غرامة رمزية. وفي العام 1998 حكم على لوبن بعامين من عدم الصلاحية البرلمانية بعدما كان عمد عام 1997 الى الاعتداء بالضرب على مرشحة اشتراكية للانتخابات المحلية، وقد تسبب هذا الحكم بتعليق منصبه كعضو في البرلمان الاوروبي وخسارة منصبه كمستشار اقليمي. لكن محكمة العدل الاوروبية عادت وقررت عام 2001 اعادته الى منصبه وهو ادين اخيراً عام 2001 بدفع مبلغ الف يورو خلال دعوة رفعها عليه برينو ميغريه، رفيقه السابق، نتيجة أقوال ضده برنامج لوبن يتضمن برنامج لوبن النقاط الآتية: طرد الاجانب وعدم منح الجنسية الفرنسية الا لمن يتحدر من اب وام فرنسيين، وليس ممن اكتسبوا الجنسية الفرنسية، وهو بذلك يقصد منح الجنسية فقط للفرنسي بالدم، أي انه يعود الى قضية طرحها في السابق وتطالب بضرورة الفصل بين الأعراق. بناء سجون جديدة ومنع بناء المساجد واعادة المهاجرين الى بلادهم حتى اولئك الذين يملكون الجنسية. "الافضلية الفرنسية" أي الاولوية في فرص الحصول على وظائف في الحقوق المدنية والعلم والطب والمساكن الاجتماعية وغيرها. فصل فرنسا عن الاتحاد الاوروبي ونبذ اتفاقية "ماستريخت" وجميع الاتفاقات الاوروبية والعودة الى العملة الفرنسية، وضمن هذا المسعى يريد زعيم الجبهة الوطنية، اقفال الحدود بهدف منع الاجانب والاشخاص القادمين من العالم الثالث من دخول فرنسا. منع الاجهاض باعتبار ان ذلك "ثقافة موت" وهو يريد ثقافة الحياة من هنا سعيه لتشجيع الولادات ومنح المزيد من المساعدات للأسرة التي تملك اولاداً اكثر. تخصيص 4 في المئة من الناتج القومي العام لموازنة الدفاع، والمعدل الحالي لا يتجاوز 2 في المئة، كما يريد، اذا احتاج الامر، اعلان حال الطوارئ في البلاد لتنظيم الامور وإحلال الأمن. يريد لوبن، وهذه نقطة يوافقه عليها كل الفرنسيين، خفض الضرائب الى نسبة لا تتعدى 53 في المئة. من اقواله المريض بالايدز معد بنفَسِه، بلعابه وبالاحتكاك به، انه عبارة عن مجذوم. ان خط الانحدار الذي التزمته فرنسا يتلخص بالصيغة التالية: سيدا سياسية، اساسها يعني الاشتراكية، الهجرة، المخدرات، والمصالح الشخصية. في انتخابات العام 1995 تحدث عن "انتزاع ارادي للشيخوخة" قاصداً الرئيس فرنسوا ميتران، وهو يلمح بذلك ايضا الى معارضته ل"الانتزاع الارادي للحمل" أي عملية الاجهاض كما يطلق عليها في فرنسا. عام 1996 رأى ان من "غير الطبيعي استقدام لاعبين من الخارج وتسميتهم فريق فرنسا لكرة القدم معتبراً ان معظم اللاعبين لا يجيد اداء النشيد الوطني الفرنسي. عام 1996 ايضاً اعلن انه يعتقد ب"لا تساوي الأعراق" مطلقاً نقاشاً سياسياً صاخباً ادى الى مطالبة كثيرين بمنع حزب "الجبهة الوطنية". وقد قررت الحكومة بعدها الامتناع عن ملاحقته قضائياً وعززت التشريعات ضد العنصرية.