نفذ حكم الإعدام في زعيم ما يسمى ب"جيش عدن أبين الاسلامي" زين العابدين أبو بكر المحضار، في محافظة أبين، حيث تمت محاكمته مع رفاقه وادانتهم بخطف 16 سائحاً أجنبياً في 28 كانون الأول ديسمبر الماضي. وجاء التنفيذ بعد حكم الاستئناف والتصديق عليه من قبل المحكمة العليا ثم من قبل رئيس مجلس القضاء الأعلى وهو الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بحكم الدستور. ولاحظ القانونيون ان اجراءات المحكمة العليا تمت بسرعة غير معتادة. وكانت قد ترددت في صنعاء أنباء عن اتجاه لدى الحكومة اليمنية الى دفع اجهزة القضاء للبت سريعاً في القضايا الأمنية الخاصة بالخطف والتفجيرات، سواء التي صدرت الأحكام في شأنها أو المنظورة أمام المحاكم، أو تلك التي يجري التحقيق مع المتهمين فيها، بوصف المحاكمات وتنفيذ الأحكام أكثر قدرة على الردع وحماية الأمن. وقال مراقبون في صنعاء ل"الوسط" ان تنفيذ الحكم في المحضار جاء تدشيناً لهذا التوجه من ناحية، وقطعاً للطريق من الناحية الثانية على كل المحاولات التي بذلت للعفو عنه. ومنها ما قدمه المحضار نفسه من عروض للمصالحة من جهة، وتهديدات بالانتقام من جهة ثانية، ووساطات وضغوط من أطراف أخرى. وانتهت كما بدأت، برسالة وجهها المحضار - حسبما تردد - الى الرئيس صالح، عقب انتخابات الرئاسة، هنأه فيها بالفوز والتمس منه العفو ووعده بالتخلي عن موقفه المناوئ للسلطة. ومن هنا، فإن اعدام المحضار بقدر ما أكد اصرار الرئيس اليمني على حسم القضايا الأمنية عن طريق القضاء، فهو طرح في الوقت نفسه تساؤلات عدة حول مدى تمسك السلطة واصرارها على حسم القضايا المماثلة بهذه الطريقة، وتساؤلات أخرى حول الأصداء وردود الفعل المتوقعة لإعدام المحضار الذي يعتبر أول سياسي من حيث انتمائه الى "الجهاد" يتم اعدامه في اليمن منذ قيام دولة الوحدة. ويرى مراقبون ان إعدامه لا يعني فقط، نهاية شخص دين بالخطف والقتل، بقدر ما يعني نهاية حكاية طويلة من علاقات الوفاق والخلاف بين السلطة و"الجهاد"، بعد أن استطاعت خلال السنوات الماضية ان تستقطب اليها عدداً من قيادات وعناصر هذه الجماعات وتنظيماتها، من ناحية، وأن تعلن المواجهة الحاسمة مع من أصر منهم على التمرد من الناحية الأخرى. حكاية لم تنته ويمكن القول ان الخلاف بين السلطة وجماعات "الجهاد"، بدأ مع انتهاء حرب العام 1994، أو عندما بدأت السلطات اليمنية تتفاوض - كما قيل حينها - مع هذه الجماعات لتقوم بإخلاء معسكراتها في محافظة أبين. وعلى رغم ان المفاوضات نجحت في بعض الجوانب مع بعض الجهاديين، وتعثرت مع آخرين، فإن الخلاف لم يحسم، بل ظل يتسع، خصوصاً بعد أن صرحت مصادر أمنية بأنها كشفت خططاً مناوئة للسلطة لتنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات. وهذا ما حتم المواجهة التي بدأت فعلياً في كانون الأول ديسمبر 1998، اذ تناقلت مصادر محلية أنباء اشتباكات دارت في 18 و19 من الشهر المذكور بين قوات الأمن وفصائل من "الجهاد" بقيادة الشيخ صالح حيدرة العطوي أحد أفراد المجموعة الثانية التي تجري الآن محاكمتها من "جيش عدن أبين الاسلامي" في منطقة الحصن التابعة لمحافظة أبين. وقد أدى ذلك بالسلطة المحلية الى اعتقال العطوي بعد تلقيها معلومات تفيد انه وجماعته يخططون لضرب الأميركيين والمصالح الغربية في اليمن. وتقول مصادر ان قيادة "الجهاد" تدخلت ممثلة بالشيخ طارق الفضلي، الذي أوقف الاشتباك وأخذ العطوي ومن معه الى معسكر "حرار" حيث تقيم عناصر من "الجهاد" في اقامة شبه جبرية. وللمرة الثانية لم تحسم القضية أو أنها اعتبرت محسومة من وجهة نظر قادة "الجهاد" لصالحهم. وبعد أقل من عشرة أيام 28 كانون الأول وقع الحدث الأكبر الذي كشف للسلطة بصفة مباشرة وعملية خطورة هذه الجماعة ونياتها وتمسك قادتها بموقفهم السياسي. تمثل الحدث في خطف 20 سائحاً تمكن أربعة منهم من الفرار. ونفذت العملية مجموعة من "الجهاد" بقيادة المحضار، في محافظة أبين. واقتاد الخاطفون رهائنهم ال16 من جنسيات بريطانية 12 شخصاً وأميركية واسترالية، الى منطقة جبلية، مطالبين بالافراج عن سجناء يمنيين، منهم العطوي، وبرفع الحظر عن العراق. إلا أن اجهزة الأمن تمكنت في اليوم التالي من اقتحام الموقع، وتحرير الرهائن الذين قتل منهم ثلاثة. وكانت ردود الفعل واسعة على المستوى المحلي والأجنبي، خصوصاً من قبل حكومات المخطوفين، ومثلت تحدياً قوياً للحكومة اليمنية. وأحيل الثلاثة الذين قبض عليهم، وفي مقدمهم المحضار، الى القضاء، اضافة الى 11 متهماً فارين أمكن القبض على اثنين منهم، وحوكم التسعة الباقون غيابياً. واعترف المحضار من البداية بالخطف. ومنذ بدء المحاكمة في 13 كانون الثاني يناير الماضي حل "تنظيم جيش عدن - أبين الاسلامي" بزعامة المحضار محل تنظيم "الجهاد" من حيث انتماء المتهمين اليه. وفي 5 أيار مايو الماضي، أصدرت محكمة مودية الابتدائية برئاسة القاضي نجيب القادري حكمها في هذه القضية، بتهم "الخطف والقتل وتشكيل عصابة مسلحة والقيام بتفجيرات في أماكن متفرقة"، بإدانة أربعة من الخمسة المحاكمين حضورياً، وحكمت على ثلاثة بالإعدام حداً، وهم المحضار والجنيدي وحسين محمد صالح الملقب "أبو هريرة" تونسي الجنسية. وحكمت على الرابع أحمد محمد عاطف بالسجن 20 سنة. وجاء حكم الشعبة الجزائية لمحكمة استئناف أبين برئاسة القاضي مهدي سالم حنيشان في 4 آب اغسطس الماضي، فأقر إعدام المحضار والجنيدي، وعدل الحكم على الاثنين الآخرين من الاعدام إلى السجن 8 سنوات للثالث ومن السجن 20 سنة إلى 8 سنوات سجناً للرابع. وعقب إعلان كل من الحكمين ظل المحضار يترافع ويصرح ويتحدث إلى الصحافيين عن "جيش عدن أبين الإسلامي" وعناصره البالغ عددها 4500، مشيراً إلى ان علاقته بالمدعو "أبو حمزة المصري" هي فقط الاشتراك في الهدف، "وهو الجهاد ضد الصيليبيين" - حسب تعبيره - و"تحرير المسلمين من هيمنة الاستعمار". وخلال أسبوع واحد فحسب من 10-17 الجاري، صدر أولاً، قرار المحكمة العليا، فنص على تعديل حكم محكمة الاستئناف في جانبين أولهما: قصر حكم الاعدام على المتهم الأول المحضار، واستبدال الاعدام للمتهم الثاني بالسجن 20 سنة، وكذا سجن المتهمين الثالث والرابع 20 سنة. والجانب الثاني، نقض الحكم ببراءة العشرة الآخرين، والزام المحكمة بإعادة محاكمتهم. وعقب قرار المحكمة العليا مباشرة تم التصديق عليه من قبل الرئيس صالح بوصفه رئيس مجلس القضاء الأعلى، ثم جرى تنفيذ حكم الإعدام في المحضار. فما هي ردود الفعل وتوقعاتها؟ في محاولة الإجابة عن السؤال، يمكن تصنيف المصادر الرئيسية لردود الفعل في ثلاثة: احدها، الرأي العام اليمني، الذي لم يُظهر جديداً في موقفه المطالب بمحاكمة ومعاقبة كل العنصار المخلة بالأمن. والثاني يتمثل في السياسيين وأحزاب المعارضة التي سبق أن أصدرت عقب حادث الخطف، بيانات وتصريحات استنكار ورفض للحادث ولكل أعمال الارهاب مطالبة بتطبيق القانون وأحكام القضاء في كل من يمارس هذه الأعمال. ومن ثم تظل التوقعات محصورة تقريباً في جماعة المحضار من عناصر تنظيمه "جيش عدن - أبين الإسلامي" خصوصاً، ومن فصائل "الجهاد" عموماً. وهي عناصر وفصائل لا يُعرف حتى الآن حجمها ومدى قدرتها على تنفيذ شيء من التهديدات. وتجدر الاشارة إلى أنه مضى منذ صدور حكم الاستئناف القاضي بإعدام المحضار وحتى تنفيذه حوالي 70 يوماً. وأبرز ما حدث خلالها مما يمكن أن ينسب إلى جماعة المحضار، يتمثل في نحو 25 أو 30 انفجاراً في عدن ومودية وزنجبار ولودر وفي محافظة أبين وفي مدينة الضالع من دون ان تترك اصابات أو أضراراً تذكر. ولعل أبرز ما يلفت النظر، ما ذكرته مصادر صحافية من أن محاولة جرت في أبين لاغتيال القاضي مهدي حنيشان الذي أصدرت محكمة استئناف أبين برئاسته حكمها بتأييد إعدام المحضار، إلا أن عناصر المحاولة، بحسب المصادر، اكتشفوا قبل تنفيذ العملية أنهم أخطأوا في شخص آخر طاردوه ولم يكن هو القاضي المطلوب. ومن جانب آخر، كان مواطنون ووجهاء من محافضة شبوة - منطقة المحضار - بلغ عددهم حوالي 300 شخص توجهوا إلى العاصمة صنعاء لمطالبة الرئيس صالح باستخدام حقه الدستوري في العفو عن المحضار أو تخفيف الإعدام إلى السجن، لكنهم منعوا من دخول العاصمة وطُلب منهم الاكتفاء بلجنة من بضعة أشخاص. وفي مطلع أيلول سبتمبر الماضي بدأت محاكمة الدفعة الثانية من المنتمين إلى "جيش عدن"، وتتكون من تسعة متهمين من ضمنهم الشيخ العطوي، بتهم الشروع في القتل ومقاومة السلطات وحيازة الأسلحة. ويجري التحقيق مع دفعة ثالثة. وطبقاً لما قالته مصادر مطلعة ل"الوسط"، فإن أجهزة الأمن ترقب تحركاتهم وتعتبرهم الآن تحت سيطرتها، ومع ان رد فعلهم لا يزال قائماً، إلا أنه تضاءل كثيراً عما كان عليه خلال الشهرين الماضيين. ومن ثم فإن بعض المراقبين لا يتوقع أي عمل من قبل هذا التنظيم، لأن تنفيذ حكم الاعدام في المحضار "ربما تم ضمن اتفاق مع أطراف منها قيادات من جماعة المحضار نفسه"، حسبما قال الدكتور محمد عبدالملك المتوكل ل"الوسط"، فيما يرى آخرون ان رد الفعل المتوقع ليس من هذا التنظيم فقط "بل من جماعات الجهاد الموجودة على الساحة" كما قال ل"الوسط" القيادي المفاوض محمد المقالح الذي ذكر ان رد الفعل من جانب "الجهاد" يتوقف على طريقة تعامل السلطة مع القضايا المماثلة وعناصرها. وكما سلف، فإن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على مصادر وحجم ونوع رد الفعل، ان كان هناك رد فعل كالذي يتوقعه المراقبون .