المجتمع السعودي المسلم المسالم واجه تحديات عدة لم يكن يتوقعها، وحتى نرى بوضوح ونتمكن من قراءة الحاضر والمستقبل، يجب أن ننحي العواطف جانباً، كما يجب أن نخلع رداء الوهم ونستبدل به وعي الواقع وصراحة الشفافية، حتى نعترف بالسلبيات ونشرع في محاولة تصحيح لتحصين مجتمعنا الحبيب ضد تلك السلبيات وتحدياتها. من الأسباب الرئيسة للسلبيات وتحدياتها في مجتمعنا الطفرة الاقتصادية وما صاحبها من تحديث وتطور تكنولوجي وصناعي وتطور عمراني، ولم يصاحبها في الوقت نفسه تطور ثقافي... فالفجوة التي حدثت كانت نتيجة مباشرة لعدم مواكبة الطفرة الاقتصادية لوعي ثقافي يُنشط قيمنا الأخلاقية والاجتماعية، ومن أهمها قيمة التكافل الاجتماعي، الذي ينفي التمايز بين الأفراد وجماعات المجتمع، ويحقق ما يمكن تحقيقه من المساواة بين الناس، ويقيل عثرات الفقراء، فلا يعانون الحرمان الذي يدفعهم أو بعضهم إلى الجريمة والأعمال العدوانية. أيضاً فإن نظام التعليم في مجتمعنا"سلحفائي"يعتمد على التلقين، إضافة إلى الكتب الباهتة غير المشوقة التي لا تحتوي على عناصر الجذب المعرفي المطلوبة، ونجد أن الإصرار على أسلوب الحفظ الببغائي الذي تقوم به فئة غير مؤهلة ترى أن التعليم نظام عقابي، يعتمد على التخويف والعنف، الأمر الذي أدى إلى ظاهرة الركاكة بين الأطفال التي أفرزت أمراض النطق الشائع، مع مقت وكره المدرسة، والهروب من البيئة المدرسية. ومن أسباب اختلال المفاهيم، وظاهرة التفاوت بين أفراد المجتمع ما أدى بالكثيرين من أبناء القرى للنزوح إلى المدن بحثاً عن فرص عمل أفضل، وغيرها من التسهيلات التي يتوق كل إنسان إليها، مثل سهولة الحصول على الخدمات الصحية والكهرباء والمياه وغيرها، الأمر الذي أدى إلى التضارب بين القيم والمفاهيم التي أفرزتها السلبيات التي طرأت مع الطفرة الاقتصادية، وفرضت علينا تحديات عدة، وعدم تجانسها وبالتالي عدم القدرة على التأقلم مع البنية الجديدة. تفشي الواسطة في كل المجالات، على رغم لاءات النفي المدوية، خصوصاً في مجال التوظيف والتعليم والابتعاث والعلاج، إذ نرى سهولة حصول شخص على وظيفة لمجرد انه على صلة بأحد الوجهاء، أو من مسؤول من قبيلته نفسها، فمن المضحك المبكي أن تجبر الإناث على العمل في القرى النائية وهن يسهمن بشكل أساسي في تدبير نفقات أسرهن، ثم يحرمن في الوقت نفسه من حقهن في اختيار زوج المستقبل، وحرمانهن أيضاً من التصرف في شؤونهن إلا بموافقة أولياء أمورهن"زوج، أب، أخ، ابن، عم"... كان الأجدى أن يحظين - وهن نصف المجتمع- بالثقة اللازمة للقيام بدورهن على أكمل وجه، وأن يتمكن من العمل في التخصصات التي تلائمهن. إن وجود بعض الهيئات التي تتعامل مع الإنسان كمتهم تجب أدانته، وليس بريئاً حتى يثبت العكس، وما يفرزه هذا التصرف من سلوكيات تجعل المواطن والمواطنة في خوف دائم وتوجس من الاتهام بتهم تلحق العار به أو بها، خصوصاً في مجتمع يتناقل الأخبار السيئة بوسائل أسرع من البرق، خصوصاً أن السمعة السيئة تطال الأسرة والقبيلة! وبطء الإجراءات القضائية في المحاكم، وعدم وجود قوانين تحمي حقوق الفرد،ً خصوصاً المرأة والطفل، وعدم وجود قوانين تجبر الأب على تعليم أطفاله ومعالجتهم، وتمكين المرأة من الحصول على أوراقها الثبوتية حتى لا تظل خاضعة لمزاجية الذكور، وأهوائهم الشخصية. الضغط الاجتماعي الشديد الذي يتمثل في التدخل بشكل مباشر في حياة الأبناء وزواجهم وتخصصاتهم، وإجبارهم على وظائف لا يرغبونها، وعدم وجود قوانين تمنع تزويج الفتيات في سن المراهقة... فالمرأة نصف المجتمع، ولن نتقدم كمجتمع إلا بعد تغيير النظرة الدونية والمتشككة فيها دائماً. أيضاً الفراغ الذي يحيط بالشبان والشابات بسبب عدم وجود أماكن يمارسون فيها مواهبهم المدفونة والعمل على تطويرها، مثل الرسم، الموسيقى والتمثيل وغيرها... الخلاصة أن وسائل معالجة الاختلالات المتعددة في المجتمع السعودي تتطلب فقط تضافر الجهود مع صدق النيات. [email protected]