"طبيب النفس مولاها" مثل شعبي تونسي "إللي بيجي من الله يا ما أحلاه"مثل لبناني وصلُ الأرحام والتزاور وسؤال الخاطر والاطمئنان لأحوال الغير أو الأقربين أعرافٌ وتقاليد تواطأ عليها مجتمعنا العربي الإسلامي. وفي هذا الصدد يتكلم العرب عن عيادة المريض وعُوادته. فيقولون إن من زاره فهو عائدٌ وجمعها عُوّاد وعُوّد. والمريض في هذه الحال مَعُود ومَعوود. لكن الوجدان الشعبي لا يقف عند حدود تعاريف القواميس، بل يغرف من بحر اللغة في تداعياتها الشعبية للتعبير عن شتّى حالات المريض. ونتوقف عند منظومة الحكم والأقوال والأمثال الشعبية العربية التي تعتبر ربيبة عصور الأدب الشعبي وتعبر عن واقع الحال. تداعيات المرض العليل التي تعتمل في نفوس الأفراد والجماعات وتقلقها، تضطرها للتعامل مع المواقف الحرجة واللحظات القاسية التي تستدعي بالطبع الكلام عن الطبيب وعلاجاته وتترافق مع بوادر المرض وأعراضه ومختلف مراحله، مع ما يصاحب ذلك من مظاهر حزن وأسى ولوعة. هذه المواقف الإنسانية تستدعي عدّتها اللغوية بالطبع. وما قصّر الوجدان الشعبي العربي في هذا المجال. فالذاكرة الشعبية تختزن الكثير من التعابير الجاهزة التي سبكتها الجماعة واختصرت فيها تجاربها ونسقتها لهذه المقامات التخفيفية أو التضامنية. مؤاساة الذات بدرجة أولى، والآخرين من حولنا بدرجة ثانية، والدعوة للتصّبر والتجلّد، لدى تغير الصحة بعد اعتدالها، هي في واقع الأمر الوظائف المرتجاة من منظومة التعابير التي تزين كلامنا وتشيع في يوميات مواطنينا مثلما لدى مختلف الجماعات اللغوية العربية. وأبدأ بإيراد شاهدين استوقفاني. فمحدثتي الجزائرية، خديجة، أسرّت إليّ أن والدتها عندما أحسّت بالتغضّن الأول في وجهها، توجهت إلى خالقها بالدعاء"الله يكبّرنا على فراش الطاعة". ولا يزال الدعاء الشعبي الطريف الذي سمعت جدتي تردّده حينما بلغت مشارف العمر الثالث"الله لا يثّقل فينا أرض ولا يكّره فينا عبد"، يتردد في مسمعي، لما يكتنز من معنى مكثف وإيحاءات دلالية، تختصر التجربة الشعبية في نظرتها لتبدّل أحوال المرء وإعداده العدة لتجاوز عقبات الزمن وبوادر الشيخوخة المقبلة. وبالعودة إلى موروثنا الثقافي، يورد الميداني في مجمع الأمثال مثلاً يضرب لمضطرّ ينظر إلى محبّ"نَظَرَ المريضِ إلى وجوه العُوَّدِ". أما تراثنا الشعبي فيراكم في ذاكرة الجماعة الكثير من الأمثال والحكم. لعيادة المريض وللمرض إذاً طقوسهما اللغوية المتعددة والمتنوعة بتنوع أحوال المريض وطبيعة علته، أكانت عادية قابلة للشفاء، أم عضال، أم خبيثة يحاذر المرء القول فيها وعنها. ومن الأدعية الدينية في هذا المجال، والتي تقال في حضور المريض:"إن شاء الله رفع بلى عن الآخرة"، أو"إن شاء الله توجّهت للعافية"، أو"إن شاء الله تتعافى يا رب"، أو"إستفقاد الله رحمة". ومنها ما يقال بغياب المريض:"الله لا يفرجيكم فيه مكروه"،"الله يشفيه""الله يريّحه". ومتى كان الوضع يميل إلى السوء قالوا:"الله يخّفف عنه أو عن أوجاعه". وفي حال كان"باركاً"أو"تقلان حالو"أضافوا بالقول"الله يخفّف أحماله". وإذا كانت الإشارة للمريض تتم باستخدام ضمير الغائب للمفرد، فإن بعض الأمراض يحظر الإتيان على ذكرها وفق المعتقدات الشعبية. فالداء على سبيل المثال مذكور في الأمثال الشعبية التونسية"ربي خلق الداء وخلق الدواء"، وكذلك الأمر بالنسبة الى كل من الحمى التي تستحضر هنا كنقيض للموت"إللي يشوف الموت يرضى بالحمى"والجرب كداء معدٍ"الخلطة بلطة، والجرب يعدي". أما الشلل أو الفالج، فهو لا يغيب عن المثل الشعبي العربي عموماً"فالج لا تعالج". ويلاحظ أن الدلالة انتقلت من معناها الصريح إلى آخر يستخدم اليوم مجازاً أو على سبيل الكناية للإشارة إلى لا جدوى الأمر الذي أنت بصدده. ونتوقف عند المرض الخبيث، أي مرض السرطان، الذي لا يستحضر اسمه بل يتم اللجوء إلى كنايات واستعارات شعبية تخميناً منهم أن مجرد التلميح بالإسم يمكن أن ينقل العدوى إليهم أو يصيبهم بمكروه. فمنهم من يقول:"هيداك المرض"أو"البعيد من هون"أو"إللي ما بيتسمّى"وصولاً الى"كش برّه وبعيد"، أو يتم اللجوء إلى تعابير دينية مثل:"سلام قول من ربّ رحيم"، أو"استغفر الله العظيم". وفي المقابل فإن الخاصة تستخدم اللغات الأجنبية للإشارة إليه. وبدوره فالدواء يلحظ في ثنايا الأمثال اليمنية"خير الدواء ما سكّن الوجع"والقطرية"عندي دوا الناس وما عندي دوا روحي". الشفاء والإبلال من المرض يرتبطان بإيمان المرء وتسليمه بالقدرة الإلهية -وإذا مَرِضْتُ فهو يُشْفِيني - الشعراء/68. وتتردد الفكرة في سياق الأمثال التونسية"الطبيب ربي". بيد أن دور الطبيب لا يغيب"الطبيب يداوي والفرج على الله"، ومنها أيضاً"إذا قدر الله لك بالشفاء، يعرضك الطبيب في ثنية". ولكن المعالجة تكون أحياناً في غير موضعها"جاء يداوي في الركبة، كسر الساق"، كما يقول الأشقاء التونسيون. الحذر من استدعاء الطبيب أو الحكيم وسؤاله مسألتان شغلتا الوجدان الشعبي. فقالوا في الأولى"الطبيب لا يدخلوا لدار حبيب"، وفي الثانية"إسأل مجرب ولا تسأل حكيم"، لأن هذا الأخير يحتاج إلى الوقت ليضع معلوماته قيد التجربة. ولبعض الأطباء شهرتهم التي تنسب إلى مدينة صقلية الايطالية"ما يداويش حتى الطبيب الصقلّي"كما يقول أهل تونس، وهم أدرى بكفاءة جيرانهم الصقلين. ونصل إلى مراحل المرض التي تبدل بالطبع أحوال المريض، وتستحق التوقف عندها"المرض يجي بالاحْمَالِ ويمشي بالمِثقال"كما يقول الأشقاء الليبيون،"وهو يطيح بالقناطر، ويترفّع بالوقية"كما يردف أهل الجزائر. ونختم بزيارة المريض التي يقال فيها"زيارة المريض حلال"لأنها تجبر الخواطر ولها ثواب عند رب العالمين. ومتى حلّ المرض، تعالت الدعوات لليقين ولطلب اللطف الإلهي بغية التصبّر والتخفيف من وقع المأساة ومنها:"الله يلطف"، أو"يا رب ألطف"، الله الشافي"،"يا لطيف تلطف بعبدك"،"يا لطيف الألطاف". وللبُرءُ من المرض ومداواة الجِراح تعابيرها"آمن بالحجر تبرا". وثمّة مثل تونسي يتقارب دلالة مع هذا الأخير"حُطّه على الدّبره أو الدّملة تبرا". بيد أن ضمير الغائب لا يلبث أن يُعرّف لدى الأشقاء القطريين"فلان لو انحط على الجرح يبرا". لكنّ اليأس لا يلبث أن يتسرب للنفوس، لذا يستحضر المتكلمون أشكالهم القولية المناسبة:"ما تيأس من رحمة الله"،"الله يصبرك على وجعك". وفي المقابل يتشاءم آخرون:"ما يجي الترياق من العراق حتى يكون الملسوع فارق". واللافت أن العراق في التجربة المثلية العربية مؤئلٌ للترياق كما رأينا، وللأطباء كما يرد في المثل التونسي"العقرب في الكُمْ، والطبيب في بغداد". ويبدو أن البعد الجغرافي هو وراء استحضار الحال المكانية العراقية هنا. ولا تغيّب الحكمة الشعبية مواقف المواساة والتبصّر ومنها"كل المصايب قدام الموت تهون"،"مين شاف مصيبة غيره هانت عليه مصيبته". والتعافي عنون أساس يستحضر كذلك لدى عيادة المريض"إن شاء الله بتتعافى يا رب"،"الله يعيدها عليك"الصحة،"الله يردلك عافيتك"،"وَجع ساعة ولا كل ساعة"،"السخونة بتجي دركبة والعافية أول بأول". وتذكرنا الحكمة الشعبية بتجنب اللجوء الى حجة أو عذر التظاهر بالمرض، لأنّ"من تمارض مرض". ونشير أخيراً إلى أن تركيزنا على ذكر المريض لا يمنعنا من ذكر المريضة التي تمضي يومها في الفراش تكاسلاً"مريضة غطّوها، كان طَابِ اعْطُوها"الأمثال الشعبية الليبية. وهنا ينبغي على اللبيب التفريق بينها وبين نظيرتها في العامية اللبنانية، واليونانية المنشأ،"مريضه"التي تعني"صينية للحسنات توضع على باب كنيسة"غرائب اللهجة اللبنانية السورية. ومن الطرائف التي ترتبط بالمرض والوجع أن البعض في شمال لبنان يبادر الى السؤال عن صحة المرء وأحواله بالقول:"إن شاء الله ما بيوجعك شي"من دون أن يكون هناك مرض يحيق فعلاً بمتلقي السؤال. أما في البحرين، فهناك مثل شعبي يضرب للشخص المريض الذي يكون أمام مصيرين: الشفاء أو الموت"إن عاش للسّفره وإن مات للحفره". ثنائية الأضداد تتمثل في ثنايا هذا المثل الذي يستحضر كلاً من"السفرة"الدالة على إحدى الأنشطة الحياتية ونقيضتها"الحفرة"التي تحتضن جثمان الميت. كاتب لبناني.