وجهة النظر القائلة إن غياب أصلان مسخادوف سيدفع الى بروز التيار المتشدد من المقاومة الشيشانية الى السطح، ولا يبقى لروسيا من تتفاوض، او بالأحرى من يقبل التفاوض معها، تبدو صحيحة لمتابعي الشأن الشيشاني. فقبل اغتياله صرّح مسخادوف، الى"راديو اوروبا الحرة"ان جلسة من ثلاثين دقيقة، وجهاً لوجه مع الرئيس بوتين، ستكون كافية لحل الصراع. وهو الذي ركز مراراً على احترامه القانون الدولي، والدعوة الى التفاوض، ونبذ العمليات خارج الاراضي الشيشانية او استهداف المدنيين. والى رؤاه الداعية الى حل الازمة الشيشانية بالوسائل السلمية، فقد كان لكونه رئيساً منتخباً في انتخابات حظيت بقبول عالمي، اعتبار اساسي. الاقدر على حل الازمة الشيشانية لو وافقت القيادة الروسية على التفاوض معه، ولم تنعته بشبيه بن لادن، ولم تغتله تالياً. يكاد معظم المراقبين يجمعون على ان المرحلة الآتية في الشيشان، او ما بعد مسخادوف، ستكون اكثر عنفاً. فعلى القوات الروسية التعامل مع جيل اصغر سناً وأكثر عنفاً. اضافة الى انه لم تعد هناك ضمانة لوقف العمليات في الخارج، ولا توجد قيادة بديلة تقبل التفاوض مع روسيا، ما يؤشر الى احتمال تصاعد الهجمات على القوات الروسية والحكومة الشيشانية الموالية. والمؤكد ان اغتيال أصلان مسخادوف سيلعب دوراً رمزياً في الشيشان، فمقتله مدعاة للإحباط لدى كثير من الشيشانيين، حتى من غير المنخرطين في المقاومة. وكان مسخادوف الامل المتبقي للسلام في الشيشان. ويدلل الى ذلك ان معظم مساجد الشيشان تلت الدعوات لمسخادوف إما تصريحاً او تلميحاً، كما يشير تقرير"راصد براغ للأزمة الشيشانية". ومسألة تسليم جثمانه غدت مصدراً لمناشدات من اقاربه للمنظمات الدولية وسبباً لاعتصامات شيشانية في العاصمة الاردنية، عمان، وجورجيا، وتركيا، وأذربيجان، ولكن الرد الروسي كان تفجير المنزل الذي عاش فيه، والتصريح بأن تسليم جثمانه لا يجوز وفقاً لقوانين مكافحة الارهاب الروسية. وهذا يؤشر الى مضي روسيا نحو تعقيد الصراع وتصعيده. التيار المتطرف من المقاومة الشيشانية، والمتحالف مع التيار الجهادي الذي يمثله المقاتلون العرب، لن تقيده اعتبارات مسخادوف لرفض العمليات خارج الاراضي الشيشانية. كما ان التيار المعتدل الذي كان يمثله مسخادوف سيسعى لينتقم لمقتل قائده. وأما الحكومة الموالية فستكون عرضة للهجمات، لما توارد من تقارير على لعبها دوراً باغتيال مسخادوف، وعرضة للانعزال اكثر ما هي عليها الآن لفقدان الأمل بالسلام حتى بين بعض اعضائها. الاعلان عن تسمية الشيخ عبدالحليم سعيدولاييف رئيساً للجمهورية الشيشانية يدلل الى ذلك المسار المتجه للتصعيد، ليس لاعتبار سعيدولاييف من المحسوبين على تيار دون الآخر، بل على العكس باعتباره حلاً وسطاً بين التيارين المعتدل والمتشدد، في غياب شخصية تحل مقام مسخادوف. فعلى نقيض ما اعلنته الحكومة الروسية من ان سعيدولاييف يحمل الجنسية السعودية، فهو شيشاني من منطقة ارغون 12 كلم من العاصمة غروزني. وهو من قبيلة شيشانية معروفة وتعد من مؤسسي المدينة. وكان سعيدولاييف يدرس اللغات في جامعة غروزني قبل ان يتوقف لاندلاع الحرب الاولى عام 1994. وهو يتقن الروسية، والعربية الى الشيشانية، فهو لم يخرج من بلاده إلا مرة واحدة للحج. سعيدولاييف من مقاتلي الحرب الشيشانية الاولى. وكان يحاضر في الدين والشريعة، وإماماً لمسجد ارغون، وعضواً في تنظيم"الجماعة الاسلامية"، ومقدم برامج دينية في التلفزيون. فهو، كما قيل، اقرب للشخصية الدينية من كونه مقاتلاً، على رغم انه حاز اوسمة رفيعة لجهوده في الحرب الاولى. وتشير التقارير الى ان زوجة سعيدولاييف قتلت على ايدي القوات الروسية. وجاء في بيان كل من نائب مسخادوف في لندن، احمد زكاييف، وبيان قائد التيار المتشدد في المقاومة الشيشانية. شامل باسييف، تعينيه رئيساً للجمهورية الشيشانية، منفصلين. وهذا علامة على"وسطيته". وان ذلك التوفيق، او الحل الوسط، الذي يمثله سعيدولاييف بدا جلياً في اول بيان مكتوب له للشعب الشيشاني. فيلاحظ القارئ المزاوجة بين الخطاب الديني الذي ترتكز اليه التيارات المتطرفة، وخطاب الاستقلال واحترام القانون الدولي والتأكيد على السير على نهج مسخادوف. التوفيق هذا يبرز ان دور سعيدولاييف لن يكون مؤثراً في السلوك السياسي للتيارين، المعتدل والمتشدد، في الشيشان. فبفعل"اللاسياسة"الروسية تجاه الشيشان كما وصفتها افتتاحية ال"واشنطن بوست"اخيراً، قد تجد الافكار المتطرفة رواجاً وجاذبية لدى المحبطين. كما ان تلك النزعات ستتحرر من اعتبارات قائد الدولة السياسية، خصوصاً ان ادركنا ان الرئيس مسخادوف كان قد اعلن وقف اطلاق النار من جانب واحد، والتزمت به فصائل المقاومة الشيشانية، في شكل اثبت فيه تأثيره على تلك الفصائل، وامتلاكه زمام الامور. ولكن، الآن، ستكون التيارات متحررة من تلك الاعتبارات الهرمية السياسية، عدا عن ان القابلية للتجنيد والاستقطاب ستتزايد بفعل تزايد المحبطين، وتبقى روسيا المتسبب الرئيسي في ذلك التفاقم. عمّان - مراد بطل الشيشاني [email protected]