تشير احصاءات قدمها وزير الداخلية الكويتي الشيخ نواف الاحمد الصباح الى مجلس الامة البرلمان، عن ملف غير محددي الجنسية البدون، الى ان هذه القضية لن تشهد اي حل نهائي خلال السنوات القليلة المقبلة فعلى رغم تجنيس حوالي ثمانية آلاف من ال"بدون" و"تعديل اوضاع" 29 ألفاً خلال عقد مضى، لا تزال ملفات 92 ألفاً منهم موضع نظر مع احتمال الا تتوافر لنصف هذا العدد اي فرصة للحصول على الجنسية الكويتية. ونشط سياسيون وبرلمانيون من ابناء القبائل ثم بعض الشيعة منذ تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991، في تحريك الملف كون غالبية "البدون" هم من القبائل او من الشيعة من اصول عراقية وايرانية، وطالبوا السلطات بتخفيف تصلبها ازاء المشكلة. لكن هناك فريقاً قوياً داخل الحكومة وفي المجتمع الكويتي، بين الحضر السنة، يرفض مثل هذه المطالبات ويعتبر ان غالبية "البدون" مواطنون من دول مجاورة خصوصاً العراقوايران، يخفون هوياتهم الاصلية طمعاً بالمزايا الاقتصادية التي يحصل عليها المواطن الكويتي. ويرى هذا الفريق ان منح "البدون" الجنسية هو "مكافأة لهم لانتهاكهم قوانين الهجرة والاقامة". ويلوم معارضو تجنيس "البدون" الحكومة لنشوء هذه القضية، ويقولون ان قبولها ابان الستينات وحتى اوائل الثمانينات، دخولهم الجيش والعمل في سلك الشرطة، خلق هذه المشكلة. ويعتبرون ان تساهل السلطات في منحهم شهادات ميلاد ورخص قيادة سيارات ووظائف حكومية وثائق لا تتضمن تحديد جنسياتهم، "ورط" الكويت قانونياً ودولياً بهذه الفئة من المقيمين. وكانت الحكومة تنبهت عام 1983 الى تضخم هذه المشكلة وبلوغ عدد "البدون" 200 ألف شخص اي اكثر من عشرة في المئة من السكان، فبادرت الى اجراءات، منها التوقف عن قبولهم في السلك العسكري وفي وظائف الدولة، وسحب بعض الامتيازات مثل التعليم المجاني اذا لم يكشف "البدون" هوياتهم الاصلية. لكن هذا الاجراء حقق القليل من النتائج. وخلال الاحتلال العراقي، انضم عدد من "البدون" ممن كانوا يعملون في الجيش الكويتي الى "الجيش الشعبي العراقي" ما جعل مسؤولاً بارزاً في الحكومة الكويتية في المنفى ان يصرح بأن الاعدام سيكون مصير هؤلاء وجميع العراقيين الذين تسللوا الى الكويت بدعوى انهم "بدون". هذا الموقف شجع اكثر من 100 ألف من "البدون" على الرحيل الى العراق فور بدء حرب تحرير الكويت، الامر الذي عزز وجهة نظر المعارضين لتجنيسهم. وبعدالتحرير اعدت السلطات احصاءات اظهرت ان عدد "البدون" انخفض الى 122 ألفاً، وقررت حرمان هؤلاء من التوظيف والتعليم المجاني، ومن رخص قيادة السيارات وجوازات السفر، وحتى من الخدمة الصحية المجانية اذا لم يقدموا دليلاً على جنسياتهم الاصلية. ودفع ذلك آلافاً منهم الى شراء جوازات سفر من دول كثيرة، حتى ان بعضهم يحمل جوازات من بوليفيا والنيجر، ولم تمانع الحكومة في ذلك بل شجعته ومنحتهم اقامات موقتة. وبعد ضغوط من مجلس الامة، وناشطين في مجال حقوق الانسان، رأت الحكومة تشكيل "اللجنة التنفيذية لشؤون المقيمين في صورة غير قانونية" أي "البدون" عام 1993، وحصرت اللجنة كل حالات "البدون" بحيث لم يعد بإمكان احد ان يزعم انه ضمن هذه الفئة، وفرزت الحالات، وقررت اعتبار الاحصاء السكاني لعام 1965 فيصلاً لقبول طلبات التجنيس او رفضها. وباشرت اللجنة اعمالها واصدر مجلس الامة قانوناً يفتح المجال لتجنيس الفي شخص من "البدون" سنوياً، ما يعني عملياً ان آلافاً آخرين سيأخذون الجنسية عنهم بالتبعية. أرقام كبيرة بلا حل وكشف وزير الداخلية الشيخ نواف الاحمد خلال جلسة خاصة لمجلس الامة السبت الماضي آخر الاحصاءات، وقال ان عدد "البدون" تراجع الى حوالى 92 ألفاً هذه السنة بعد اغلاق ملفات اكثر من 36 ألفاً منهم بأن تجنسوا او عُدّلت اوضاعهم. ويقصد بتعديل الاوضاع ان يستصدر "البدون" جواز سفر او يبرز ما يؤكد جنسيته الاصلية. وهذا يترك ملفات 92 ألفاً من دون حل حتى الآن، وبين هؤلاء 48 الفاً لا يشملهم احصاء عام 1965 ما يجعل مصيرهم مجهولاً. اما ال43 ألفاً الذين شملهم هذا الاحصاء فلن يعني المعدل الحالي الذي تعمل به "اللجنة التنفيذية" حصولهم جميعاً على الجنسية قبل عام 2015. وابلغ الوزير النواب ان سبب التأخر في حسم طلبات تجنيس "البدون" هو ان اللجنة "امام كمّ هائل من الادعاءات والبيانات غير الصحيحة وصور للتحايل والالتفاف على القانون". وذكر ان كثيرين من "البدون" يعتقدون بان "اخفاء الجنسية الاصلية هو الطريق الافضل والاقصر للحصول على الجنسية الكويتية"، مشيراً الى ان وثائق لدى السلطات "أثبتت ان عدداً كبيراً من افراد هذه الفئة يتعامل بهويات واسماء متباينة" فيما "تشوب سجلات عدد منهم جرائم تمس امن الوطن وسيادته، واخرى تمس الشرف والامانة"، لكنه اشار الى انه "لا يمكن تجاهل حالات من هذه الفئة اقامت في البلاد عقوداً وتشرّبت قيم المجتمع الكويتي وانصهرت في هويته … وحالات تستحق التقدير لاعمال متميزة لها على الصعيدين الوطني والمهني". واوضح ان هناك معايير وضعت لتحديد مدى استحقاق "البدون" الجنسية، منها فترة الاقامة في الكويت والقرابة من كويتيين والمستوى الدراسي والخبرات المعملية والمهنية. لكنه لم يوضح هل البلد الاصلي الذي أتى منه "البدون" عنصر في هذه المفاضلة، وتبين معلومات الحكومة ان اكثر من 50 ألفاً منهم من اصل عراقي وان 12 ألفاً هم من سورية، خصوصاً من باديتها ومنطقة دير الزور، وهناك الفان من ايران و15 ألفاً من اصول خليجية، ونحو 500 ربما يكونون من اصول مصرية. وترددت معلومات عن "مكافآت مالية" يمكن ان تقدمها الحكومة ل"البدون" الذين يقدمون هوياتهم الاصلية ويلغون طلبهم الحصول على الجنسية الكويتية، لكن احداً من المسؤولين لا يؤكد ذلك. ولم تكمل جلسة السبت الماضي البرلمانية اعمالها التي بدأت خلف ابواب مغلقة، اذ غادر اكثرية الوزراء القاعة الى المطار، لتوديع رئيس الوزراء الشيخ صباح الاحمد الذي غادر في جولة خليجية. وغضب النواب لغياب الوزراء، معتبرين ان الحكومة غير جدية في الاستماع الى آرائهم حول قضية "البدون"، وغادروا القاعة.