يشهد هذا الاسبوع مثول أولى حالات المقيمين غير المحددي الجنسية البدون امام النيابة العامة الكويتية بتهمة "الاقامة غير المشروعة" بعدما انتهت في 27 حزيران يونيو الماضي المهلة التي حددتها لهم وزارة الداخلية ل"تعديل اوضاعهم"، وهو مصطلح يعني ان يبرز "البدون" وثائق او جوازات سفر تثبت انتماءهم الى دولة اخرى، ولكن ماذا لو لم تكن هذه الوثائق موجودة؟ يتركز هذا الاجراء ضد "البدون" غير المسجلين في الاحصاء السكاني لعام 1965، ويقدر عددهم بسبعين الفاً على الاقل في مقابل 37 الفاً من "المحظوظين" الذين شملهم الاحصاء، ويأملون بالحصول على الجنسية الكويتية في غضون سنتين. واعلن وزير الداخلية الشيخ محمد الخالد الصباح اكثر من مرة ان "البدون" غير الداخلين في الاحصاء مقيمون في شكل غير مشروع وان عليهم الاستفادة من المهلة او مواجهة اجراءات بحقهم عند انتهائها. وتفيد تصريحات لمسؤولين في الوزارة ان هناك عشر حالات أعدت اللجنة التنفيذية المختصة بأمر "البدون" ملفات للنيابة العامة في شأن "ادلائها بمعلومات غير صحيحة او اخفاء معلومات ووثائق"، وهي تهمة عقوبتها الغرامة المالية او السجن بضع سنوات. ومن الناحية النظرية فإن النيابة العامة في طريقها للتحقيق مع عشرين الف رب أسرة من "البدون" بالتهمة ذاتها، مما يستلزم تفرّغ مئة وكيل نيابة سنتين لانجاز هذه القضايا في جهاز قضائي كويتي يشكو "الاختناق" من كثرة القضايا. ويعتقد عدد غير محدود من السياسيين الكويتيين ان تنفيذ الوعيد ضد "البدون" المخالفين غير ممكن لأسباب انسانية وسياسية، فكيف يسجن الآلاف منهم من المعيلين لأسر تشكو اساساً الفاقة وانعدام فرص العمل؟ كما ان الحكومة غير قادرة على تنفيذ الشق المهم من العقوبة القضائية وهو "الابعاد من البلاد بعد انقضاء العقوبة"، فأي دولة ستقبل دخول هؤلاء اليها طالما لا يحملون وثائق؟ وهناك تفاصيل اخرى تزيد المشكلة تعقيداً، منها ان آلافاً من "البدون" ممن لم يشملهم احصاء 1965 يعملون جنوداً في الجيش الكويتي، فهل سيُحاكمون بتهمة الاقامة غير المشروعة في بلد يحملون السلاح دفاعاً عنه؟ أضف الى ذلك تداخل العلاقات الأسرية بين "البدون" بفئتيهم وبين الكويتيين وخليجيين آخرين يقيمون في الكويت بصفة دائمة، مما يضفي صعوبة بالغة على اي قرار بإبعاد عائلات "البدون". العصا والجزرة ويعتقد مراقبون ان التهديد بالاحالة على النيابة ليس سوى اجراء هدفه زيادة الضغوط النفسية على "البدون" لدفعهم الى ابراز الوثائق الاصلية - وهي عراقية او ايرانية للكثيرين منهم - او شراء جوازات سفر من السوق السوداء في الكويت، حيث تتوافر جوازات يمنية وافغانية وجوازات دول افريقية واميركية جنوبية يتراوح سعرها بين 300 و7000 دولار. ويقول خبير في موضوع "البدون" ان السلطات "لا يهمها ان يكون احدهم عراقياً او افريقياً او من بوليفيا، بل ان يتوقف عن ادعاء انه كويتي". وبمجرد ان يبرز "البدون" جوازاً او وثيقة من اي انتماء ستفتح السلطات له ابواب الخير، فيحصل هو وعائلته على اقامة قابلة للتجديد، مع ما يتبع ذلك من فرص عمل والقبول في المدارس والاستفادة من الخدمات الصحية الحكومية والتسهيلات الاخرى، مثل اجازة قيادة السيارة ورخص البيع والشراء والاتجار، بل يقال ان السلطات مستعدة لتمويل شراء "البدون" جوازات السفر، والمقصود هو سياسة العصا والجزرة والترغيب والترهيب. رغم ذلك فإن كثرة من "البدون" تفضل الاستمرار في ضيق الحال والتعايش مع الاجراءات الحكومية في سبيل فرصة ما لنيل الجنسية الكويتية، مما يجعل بعض "الصقور" من اعضاء مجلس الامة البرلمان يجادل بأن الاجراءات مع هؤلاء ليست "قاسية" كفاية وان "التراخي" الحكومي يغريهم بالامتناع عن الاعتراف بجنسياتهم الاصلية! ويتوقع ان تكون وزارة الداخلية اختارت أسوأ الملفات لحالات تتضمن مخالفات واضحة وإدلاء بمعلومات كاذبة، خصوصاً لجهة الاسماء او اخفاء جوازات سفر عربية واجنبية، فتؤدي إحالتها على النيابة الى ادانة قضائية وعقوبات بسجن عشرات من "البدون" خلال الاشهر القليلة المقبلة، مما سيزيد الضغط النفسي على الآلاف من "البدون" ويدفعهم في الاتجاه الذي تريده الحكومة. والسؤال هو: هل يمكن حل مشكلة 70 ألفاً من البشر بهذه الطريقة؟