يثير موقف السلطات الأميركية وقرارها التشدد في التدقيق بمعاملات دخول المسافرين ضيق شركات الطيران وخوفها من التعرض لصعوبات مالية وإدارية إضافية، من دون الحديث عن المسافرين الذين سيجدون أنفسهم، ابتداء من الشهر المقبل، عرضة لمزيد من القيود التي تعرقل قدرتهم على السفر بحرية. ولا تستطيع شركات الطيران - إزاء تهديدها بفرض عقوبات وغرامات مالية - الامتناع عن الالتزام بالقانون الجديد. إلا أن المسألة برمتها تطرح قضية التغير الجذري في طريقة عمل صناعة النقل الجوي منذ 11 أيلول سبتمبر، وذلك في وقت يتخوف المحللون من الثمن الباهظ الذي يتعين دفعه من حقوق الانسان لارضاء هاجس الأمن. تبدأ السلطات الأميركية، مطلع الشهر المقبل، تطبيق اجراءات جديدة إلزامية تحتم على المسافرين جواً إلى أراضيها الابلاغ مسبقاً عن مكان إقامتهم، بالاضافة إلى التفاصيل الأخرى المتعلقة بأوراقهم الثبوتية والمعلومات الشخصية الخاصة بهم. ومن شأن هذا الاجراء أن يزيد العبء الملقى على عاتق شركات الطيران، التي وجدت نفسها تواجه، منذ أحداث 11 أيلول 2001 سيلاً من التغيرات التي حملتها الاجراءات الأمنية المتنوعة التي فرضتها الولاياتالمتحدة وبقية الدول الغربية. وكان 429 مطاراً في الولاياتالمتحدة بدأوا، منذ الأول من الشهر الجاري، إجراءات الكترونية للتدقيق بأمتعة المسافرين، بفضل أجهزة نشرتها مجموعة "بوينغ". ويقول دانيال فورلونغ، مسؤول العمليات الدولية في شركة "عمليات إدارة السلامة في أمن النقل" الأميركية، إن هناك اهتماماً متزايداً وجديداً بالسلامة في المطارات الأميركية. ويضيف: "من قبل كان يُفترض بشركات الطيران أن تؤمن السلامة لمسافريها، لكن منذ 11 أيلول غيرت الحكومة الأميركية الأمور وقلبتها رأساً على عقب، وصارت الحكومة بنفسها مسؤولة عن سلامة المطارات والأمتعة. وهذا يعني طريقة جديدة في إنفاق المال والوقت لكل المعنيين بالنقل الجوي". وأثار موقف السلطات الأميركية وتقديمها الاعتبارات الأمنية على الاعتبارات الاقتصادية الخاصة بصناعة الطيران، تساؤلات لم تكن مطروحة بهذه الحدة من قبل وتتعلق بكيفية تأمين سلامة النقل الجوي من دون الاخلال بفاعلية أداء صناعة الطيران ككل، سيما وأن هذه الصناعة تعرف هامشاً ضئيلاً من النمو لا يتجاوز ثلاثة في المئة في أفضل الأحوال، وهو أمر مرتبط خصوصاً بتسهيل تنقل المسافرين والبضائع، لا إعاقته. الحماية لا يجب أن تعيق نمو الصناعة وحرص المسؤولون الأميركيون على ربط ردهم لتأمين السلامة الجوية بتبني "مبدأ المسؤولية المشتركة"، أي أن لكل طرف معني بالنقل الجوي دوراً يلعبه. وهكذا تركز التحرك على مستويات عدة، كان أولها مستوى الدولة، لتأمين سلامة الرحلات المنطلقة من أراضيها واليها. ولأن هذه قضية أمن وطنية كان لا بد من التعاطي معها وطنياً. وانصب الجهد، على المستوى الثاني، لتحقيق تعاون أميركي مع الجماعات والكيانات الاقليمية. واقتضى ذلك تفاهماً حكومياً مع الجيران لضمان مستويات السلامة. وعلى المستوى الثالث كانت هناك المنظمة الدولية للطيران المدني إيكاو والسعي الى إعطاء كل البلدان ال 188 الأعضاء فيها إرشادات واضحة، حول كيفية تأمين بنية واضحة لسلامة الأمن. وبعد 11 أيلول، أصدر الكونغرس الأميركي في 28 تشرين الثاني نوفمبر 2001 "قانون سلامة الطيران"، الذي نص على إقامة "هيئة سلامة الطيران" المسؤولة عن أمن النقل الجوي، والتي يشغل مديرها منصباً برتبة وزير مساعد. وكُلّفت الهيئة الجديدة مسؤولية ضمان سلامة 429 مطاراً أميركياً، بالاضافة إلى مسؤوليتها عن التدقيق في الأمتعة والمسافرين، والاشراف على عمل الشرطة، وتأمين محيط المطارات، وهذه كانت أول الأهداف فقط. وخلال سنة استطاعت هذه الهيئة وضع أبواب مصفحة لقمرة القيادة، وأدخلت نظام التعرف الايجابي على أمتعة المسافرين. كما دربت ووزعت 44 ألف عامل متخصص في التدقيق على الأمتعة، بعدما تبين أن 66 في المئة من عمال التدقيق بالأمتعة لم يكونوا ملمين بعملهم، وتم تدريب الجميع للتأكد أن لديهم المرونة والقدرة على العمل بسرعة. وحدد مدير الهيئة هدف التدريب بأنه لا يجب على أي مسافر أن يستغرق أكثر من عشر دقائق للانتهاء من إجراءات الأمن الخاصة به. كما تم أيضاً نشر عدد من الماريشالات الجويين، بأعداد غير مسبوقة على الطائرات. وجرى تشجيع أطقم الطائرات على التدخل في حال حدوث أزمة ما. وكانت الفلسفة السائدة من قبل تقول إنه يجب أن يكون سلوك الراكب سلوكاً خاضعاً، إلا أن الهيئة دفعت باتجاه تبني مفاهيم مغايرة، على رغم أن العاملين في قطاع الطيران يعارضون تدخل الركاب أو الطاقم، لمنع تعريض سلامة الطائرة وركابها إلى الخطر. وفي 25 تشرين الثاني الماضي أصدر الرئيس بوش "قانون الأمن" الذي نقل "هيئة سلامة الطيران" لجعلها تندرج تحت سلطة واحدة أوسع للوقاية والحماية والرد. وهذه الهيئة المشتركة فيها أعضاء الجسم الطبي، والشرطة والجمارك والهجرة. ومن خلال الدمج بين هذه القوى اعتبر الرئيس الأميركي ومعاونوه أن بوسعهم تحقيق أمن أفضل. وسعى المسؤولون الأميركيون، من ناحية أخرى، إلى توسيع نطاق تعاونهم الأمني مع الاتحاد الأوروبي كجماعة، من أجل تطوير مستويات السلامة في صناعة الطيران، وكذلك مع دول أميركا الوسطى، ومع دول آسيا الباسيفيكي، باعتبار أن لدى هذه الكيانات الاقليمية أنظمة أمن إقليمية، وكذلك لديها مصالح مباشرة لحماية سلامة النقل الجوي. وعلى المستوى العالمي عززت الولاياتالمتحدة تعاونها في مجال السلامة الجوية مع هيئات وطنية، مستفيدة من الزخم الدولي الكبير الذي حظيت به حربها المعلنة على الارهاب. كما سعت الولاياتالمتحدة إلى إعطاء دفعة لتوجهاتها الأمنية الجديدة، من خلال الاستفادة من دور منظمة "ايكاو" التي َتمثَّل أحدث تغير تم على مستواها، باعتماد برنامج تدقيق لمستويات الأمن والسلامة في المطارات وتقويمها، بغرض تحسين أنظمة العمل المطبقة. ويقول الأميركيون إنه لا يزال هناك الكثير الذي يتعين تطبيقه، كما أظهر حادث الطائرة الاسرائيلية التي تعرضت الى إطلاق صاروخي كتف - جو أخطاها، لدى إقلاعها قبل أسابيع في كينيا في رحلة عودتها إلى اسرائيل. ويقول الأميركيون إن هناك أكثر من 4400 جهاز لاطلاق صواريخ كتف - جو اختفت حول العالم عام 2001، وأغلبها استخدم لأغراض التدريب وأو إجراء مناورات، لكن هناك عدداً منها قد يكون متوافراً بين أيدي بعض الجماعات المسلحة. ولا يستطيع أحد، بما في ذلك الولاياتالمتحدة، اقتراح أي حل أمني ناجع لهذه المشكلة التي تهدد سلامة الطائرات، أثناء إقلاعها وهبوطها، أو تحليقها دون ارتفاع 15 ألف قدم. وماذا عن المشاكل؟ ويعترف فورلونغ بأن القيود المتزايدة على صناعة النقل الجوي "قد تنتهي أيضاً إلى فرض قيود تعيق أنشطة التجارة والصناعة". كما أن بين المشاكل التي أثارت مرات عدة حنق حلفاء الولاياتالمتحدة، وفي مقدمهم حلفاؤها الأوروبيون، الموقف المتغطرس الذي وقفه مسؤولو الأمن الأميركيون من نظرائهم حول العالم، إذ أن هؤلاء المسؤولين كانوا يصرون، منذ 11 أيلول، على أن يكون التعاون مع أي حكومة أجنبية في اتجاه واحد، بمعنى أن يحصل الأميركيون على ما لدى هذه الحكومة من معلومات أمنية تهمهم، لا أن يقاسموها ما لديهم من معلومات، عملاً بمبدأ المساواة والندية. ويقول فورلونغ ل"الحياة": "نعم هناك مشكلة في العالم على صعيد تقاسم المعلومات، والسبب موقف الادارة الأميركية". ويضيف:"المشكلة التي تواجهها شركات الطيران هي أنها مدعوة إلى لعب دور أمني، بناء على معلومات لا يتم تقاسمها إلا بين حكومة وحكومة، ما يؤدي الى تعقيد عملها، وعدم قدرتها على التعامل مع التطورات في صورة مباشرة، وحصر قدرتها على الاستفادة من المعلومات فقط على الحصول عليها عن طريق حكوماتها". ويتابع قائلاً: "على الولاياتالمتحدة أيضاً أن تطور سياستها لتقاسم المعلومات مع الدول الصديقة، لتضمن الحصول على دعم أكبر في مجال رسم سياسة موحدة في مجال محاربة الارهاب". وقد يكون التركيز على الهاجس الأمني وإعطاؤه الأولوية أبعدا الأنظار لوهلة عن مشكلة الكلفة الاقتصادية المترتبة على الاجراءات الأمنية الأميركية وتأثيرها السالب على حركة السفر، داخل البلاد وخارجها، إلا أن ذلك لم يستمر وقتاً طويلاً. وبغرض الحد من التأثيرات السالبة لقيود التنقل الجديدة تم تطوير حلول مبتكرة، بينها إعطاء المسافر نبذة مسبقة عن تاريخه الشخصي، يمكن ربطها بشاشات التدقيق في الهجرة والحجز والجمارك بغرض التدقيق وتأكيد عدم تشكيله خطراً على السلامة العامة. ويلفت فورلونغ إلى مسألة أخرى تخص احترام حقوق الانسان. ويقول: "الرئيس بوش أصدر بعض القوانين الفيديرالية منذ 11 أيلول. وطريقة وضع هذه القوانين أدت إلى تغيرات في مستوى حماية حقوق الانسان. لكننا نعتقد أن هذه ظاهرة ستستمر لمدة قصيرة،" مشيراً إلى أن "نظام إعطاء المعلومات الشخصية لربطها بأنظمة الحجز لا يتم في صورة قسرية، بل على أساس طوعي". كما يعترف بأن "الأممالمتحدة قلقة من التحديد النمطي المسبق لشخصية الأفراد، وفق المعلومات الشخصية المعطاة عنهم". ويقول: "اللون أو العرق أو الانتماء الديني ليس هو العامل الذي يجب أن يحدد وجود الشر، بل الدليل القاطع". ويضيف مبرراً إن "هيئة سلامة الطيران" الأميركية تحاول لهذا الغرض التحديد المسبق للأشخاص الذين يدعمون الارهابيين أو يؤوونهم، وما التدقيق المسبق ببيانات بعض الأفراد والمرتبط بنظام الحجز، وهو نظام الكتروني يهدف الى استقصاء بعض البيانات والافادات عن المسافرين، إلا بمثابة مرحلة أولى لرصد الأشخاص الذين يتعين التدقيق بهم، والتحقق من المعطيات الخاصة بهم.