تبدو كتابة الأدب الساخر سهلة. لكنّ هذا الأدب عرضة للرد والعقاب فور قراءته. أمين الحافظ يعرّض نفسه في كتابه "أنا والناس" دار رياض الريّس، 2001 للاتهام بالفوقية وبُغض البشر والوقوع في شرك التعييب، ولا ينقذه من وضع نفسه في موضع القاضي المعصوم من الخطأ الذي ينظر الينا نحن الخطأة من علٍ، غير مقاله الأخير الذي يبدأه ب"أنا انسان كبقية البشر، أتفوق على أبناء جنسي في صفات وخصائل وأهوي دونهم في ميزات ومناقب". يتناول رئيس الوزراء اللبناني السابق نماذج اجتماعية ويضخّم عيوبها ويعمل فيها وصفاً وتهشيماً. ليس الإنشاء أسلوبه المفضل ولكن لا غنى عنه في الهجاء وصولاًَ الى بناء محكم للشخصية وهدمها في آن. الفنان المصري صلاح جاهين الذي حقق رسوم الكتاب أدرك، مع الكاتب، وضع الأخير الملتبس فرسم هالة فوق رأسه وتركه يدير ظهره للناس الذين اختصرهم برؤوس تهبط الى مستوى النصف الأسفل لجسم الكاتب الطويل القامة. كلمة الناشر رياض الريس تمدح خلفية الحافظ الثقافية الواسعة وسرعة بداهته، وتقول انه "ينحو نحو الكتاب الساخرين الكبار من أبي عثمان الجاحظ وصولاً الى مارون عبود". وهذه الطبعة الثانية للكتاب بعد أكثر من أربعين عاماً على طبعته الأولى، وهو يجمع تسعة عشر مقالاً كتب الاقتصادي الشاب العائد من أوروبا بعضها في المفكرة الأسبوعية ل"الجريدة". زوجة الحافظ، الأديبة ليلى عسيران، تكتب في المقدمة عن اعتماده "سخرية محافظة، ولو عاد يخط تلك الشخصيات نفسها اليوم لكان اسلوبه أوفر حرية وسخرية وحذاقة". وتشير الى "صديق العائلة" رياض الريس الذي نجح مع نجل الحافظ وعسيران، رمزي، في اقناع الصحافي السابق باعادة نشر الكتاب، ووسط هذا الايحاء بالجو العائلي يشعر القارئ ان "انا والناس" سهرة أليفة من النقد المألوف وان بصياغة أدبية. يحتفظ الحافظ بمقدمته الأصلية للكتاب وينفي تعمد التشويه والايلام لافتاً الى حرصه على "المساهمة ولو بقسط متواضع في اصلاح مجتمعي"، واذا لم ينجح في ذلك يكفيه جلب الابتسام والسخرية. يبقي السخرية متمدنة بالامتناع عن التسمية بالطبع، واتساءل ما اذا كانت الدنيا تكون أكثر شراً لو تجرأنا على الجهر بآرائنا في الغير في حضورهم لا في غيابهم فقط. لا نعرف الشخصيات التي أوحت كتابة "أنا والناس" لكن كل قارئ يجد من يعرفه فيها كلها. سجين الأنا يسلك "وكأن الدنيا تركزت في شخصه وكأنه قطب الرحى في شؤون الكون". "انه يريد ويريد ويريد ... يتآكل ضمن جسده، وتبرز هذه الاعتمالات في حركاته، فينكب على اظفاره يقضمها، وعلى رأسه يهرشه، وعلى بدنه يحكه، وعلى أنفه يدعكه وهو ممعن في التفكير". يحلل الحافظ الصورة ويركّبها ويستبطن لكنه يبقى بصرياً أولاً. أحببت "كاتب مع وقف التنفيذ" لأنها تعنيني. يتناول كاتباً هاجسه الخروج على الناس "بدرره الغوالي" لكن سيولة التعبير تعصاه فيمضي وقته لا في الكتابة بل في ممارسة طقوسها وتحضير جوها، واذا بمكتبه مملوء بعلب السجائر والمنافض والدخان وفناجين القهوة والأوراق المكورة المرمية التي تتمخض كلها عن مقال يعرف انه دون المقام ويعلله بالجو غير الملائم. في "السينما... على العكس" تتصاعد الحال التي تواجه من اراد مشاهدة فيلم توسم فيه الخير "فإذا به ينكّد عليك جلستك وينغص مقامك ويثير تثاؤبك ويهيج اعصابك ويغلفك بأغطية من الملل والكآبة والسأم؟" الحل عنده ان تراقب من حولك "وانا اضمن لك التسلية، بل ربما الضحك والقهقهة". في "نفاق" صياغة دقيقة ولئيمة ومرحة لنموذج شديد الشعبية على رغم الانكار المستمر: "أطبق جفنيه العريضين الثقيلين وحاول ان يعيد فتحهما فلم يفلح. ثم استجمع قواه ونفخ ودجيه وطنب عروق صدغيه، وجهد ورق وتحمس... وهيلا هوب... استطاع ان يفتح عينيه من جديد ولكن نصف فتحة هذه المرة". ينصح امرأة تجاوزت الخامسة والأربعين بالابقاء على المشيب "حلة مهيبة، وتاجاً ناصعاً على مفرق الحكمة يكلل ناصية السنين" فهل هناك مكان اليوم لهذه البراءة وهل يستطيع القول صراحة لامرأة في مثل هذا العمر اليوم انها تجاوزت الشباب وان لا فائدة من "الشطشطة والمطمطة"؟ واذ يتحدث عن ذاك الذي ركب زمامير عدة في سيارته نضحك ممن يماثلونه من الأقرباء والأصدقاء ونكتشف قدم الهواية: "عنده زمور أجشّ الصوت، وآخر مرعب صاعق، وثالث ناعم يكاد يكون موسيقياً، ورابع رفيع يخرق طبلة الأذن، وخامس بصوت صفارة، وسادس يعزف الدو ري مي فا"، اضافة الى الزمور القديم ذي الطابة الكاوتشوك. ودحروج، صاحب السيارة الصوتية، يغطي النافذة الخلفية "بستارين من المخمل ذي الطراطير والدناديش... ويعلق أمامه آنية زهر اختلط زهرها الاصطناعي مع عروق يابسة لأزهار حقيقية قديمة. وتدلى من المرآة عنقود من الخرز الأزرق والشبّة دفعاً لاصابة العين". كثير السباب متهور السرعة لكنه يقف بمروءة فورية لماري خادمة الجيران ويصيح بصوته القبيح: "ايش يا حلو؟" وفي مقابل نقد الكيتش اي الذوق "الشعبي" المبهرج يتجاوز السطح ليستبطن نفسية الشخص البالغ اللطف: "يقشعر بدني من ملمسه الناعم". فهذا الذي يسعى الى ارضاء الآخرين بكل قواه يلقي قناعه عندما يشتبك مع ضعيف من مرؤوسيه: "فبدا وكأنه استجمع كتب الصراحة المثقل كتفيه طوال قرون، وانطلق منه يريد الانتقام والتشفي. وكان ينهال بألفاظ السباب المقذع والشتائم الرخيصة لا يبقي منها ولا يذر. وكأنه يقول في نفسه: انا لئيم وليكن ما يكون". يختتم الحافظ ب"مؤتمر الخطايا السبع المميتة" ويثير اعجابنا بنقد الذات: "ارثي لجاري الذي يتفكه ويتندر على رذائلي الظاهرة، انه غشيم جاهل لم يكتشف سواها". على انه يبقى ضمن الرذائل العامة المشتركة من تكبر وغضب وحسد وفسق وشره وكسل وبخل، ولا يفصّل أو يروي حوادث تحاشياً للاقتراب أكثر من المطلوب من النفس، وخضوعاً لثقافتنا التي تفضل الصورة العريضة على تسمية الأشياء بأسمائها. النص حيوي مصور بالكلمة ورسوم صلاح جاهين، و"الضحايا" نعرفهم ونتذكرهم ونبتسم عن بعد لكنهم ينغصون عيشنا ويغروننا بردح مماثل اذ نعود ويقتربون.