أتصور أن التأويلات الدينية التي أعلت من شأن التقليد كان لها عظيم الأثر في إشاعة مناخ من "التقليد" الذي تضافرت عوامل موازية على ترسيخه في الثقافة العربية. ولا شك في أن الاستبداد السياسي من ناحية، والتراتب الاجتماعي الصارم من ناحية ثانية، فضلاً عن لوازم البنية البطريركية التي ظلت متوارثة، كلها عوامل موازية لعوامل التأويلات الدينية في ترسيخ "تقاليد التقليد" وتثبيتها على مستويات عديدة في كل مجالات الثقافة العربية. والواقع أن كل هذه المجالات تترابط معاً ترابط العلة بالمعلول، وتصوغ في النهاية، اتجاهاً عاماً، يلزم اتباع الماضي، وتقليد الخلف للسلف، على أساس أن هذا الاتباع أو ذلك التقليد لازم لصلاح الجماعة، وتعبير طبيعي عن حاجات المجتمع الحقيقية. ومن الطبيعي أن تندفع المفاهيم الملازمة للتقليد، وتمارس عنفها القمعي خصوصاً، في مواجهة التحولات أو التغيرات الجذرية التي تهدد تقاليد التقليد، أو تسعى إلى تقويضها، بحثاً عن آفاق مغايرة أو احتمالات واعدة. عندئذ، تنهض المفاهيم الملازمة للتقليد بدور حرَّاس الثقافة المدافعين عنها ضد الهجمات الخارجية، أو حتى الانحرافات الداخلية. ويتزايد الهجوم المضاد للمفاهيم الملازمة للتقليد عنفاً بقدر تزايد وطأة المفاهيم المحدثة، خصوصاً تلك التي تهدد الأنساق القائمة، وتزعزع أسسها، وتقوّض أركانها. وفي حالة الثقافة العربية، تحديداً، يسهل ملاحظة البروز الحاد لمفهوم التقاليد، بمستوياته المتعددة، في لحظات التغير التاريخي الذي ينطوي على احتمالات إيجابية، الأمر الذي يؤكد ابتعاث "التقليد" بوصفه علامة على أن المجتمع والجماعة في أزمة من أزمات التحول، وبوصفه درعاً يواجه العناصر التي تحاول الانفلات مما هو كائن لتستشرف ما يمكن أن يكون. ودرع الحماية لا يظهر إلا في أوقات التحول، وبين الجماعة التي تستشعر خطر الانفلات عليها، فتواجهه بنقيضه، وذلك بتثبيت ما هو كائن بسند وثيق مما كان. وأصحاب الاتجاه الأول عقلانيون، لأنهم يصدرون عن العقل ويؤمنون بأولويته في المعرفة والحكم والتفسير، ويوجبون النظر في المقبولات والمشهورات والتقليديات لمعرفة ما يلزم منها ولا يلزم. وهم مبتدعون يريدون المضيّ في اكتشاف عوالم تظل في حاجة إلى كشف، كما أنهم طوائف اجتماعية تسعى إلى المزيد من التحرر، ومن ثم اكتمال الحق في الوجود، وذلك غير بعيد عن نزعات تمرد سياسي تطلب الحرية والعدل بوصفهما شرطاً أولياً لكمال الوجود. وأصحاب الاتجاه الثاني تقليديون، لأنهم يُعلون من شأن النقل، ويشكّكون في قدرات العقل الذاتية بشكل أو بآخر. وهم تقليديون في الإبداع لا يريدون إلا المضيّ في طريق المعاد المكرور من الإنجاز الفني. وينتسبون إلى طوائف اجتماعية تسعى إلى الحفاظ على ما لها من مكانة ونفوذ وسطوة، ومن ثم تعادي الابتداع عداءها لمطلب الحرية أو العدل، غير بعيدة عن النزعات السياسية المحافظة التي تبرر التسلط السياسي والتمييز الاجتماعي بكل أشكاله. ويمكن النظر إلى المفاهيم الملازمة للتقليد في مستواها الأدبي من هذه الزاوية الأخيرة، كما يمكن ربطها بحالة المفارقة التي ينطوي عليها كل إبداع محدث، والتي تؤدي إلى الوعي بوجود أزمة على المستوى الفني. وذلك هو المبرر اللافت تراثياً للتجاوب بين مصطلح التقليد على المستوى الديني ومصطلحات موازية على المستوى الأدبي. أقصد إلى مصطلحات من قبيل: "طريقة العرب" و"نمط الأعراب" و"القصيدة الأعرابية" و"طريقة القدماء"، و"كلام العرب" و"ما قالته العرب". وكلها مصطلحات شاعت في القرن الثالث للهجرة، مع الخصومة بين القدماء والمحدثين، وتبلورت عند الآمدي، في القرن الرابع، تحت اسم "عمود الشعر" الذي تحدَّدت عناصره، نهائياً، عند المرزوقي في القرن الخامس للهجرة. والمصطلحات التي شاعت في القرن الثالث، قرن الجاحظ العقلي وابن قتيبة النقلي، كانت تشير إلى حالة من حالات الوعي بالماضي، ترتبط، نقدياً، بمحاولة استخلاص مواصفات للقصيدة العربية القديمة، يكون لها سطوة الاتّباع بوصفها النموذج الأمثل للاحتذاء. وكما حدث في اللغة، عندما حاولت المدرسة البصرية التي ساد اتجاهها استخلاص نظام لغوي شامل، يقوم على اطراد القوالب وثباتها، ومن ثم نفي ما يناقضها تحت اسم "الشاذ" الذي لا يعوّل عليه - أقول إن ما حدث في اللغة حدث في الشعر، بمعنى أن القاعدة التي استخلصت من اللغة استخلصت من الشعر، ولكن من منظور تأويلي يفرض نمطاً أدبياً بعينه ورؤية فنية بعينها إلى الإنسان والكون. وكانت وظيفة المنظور التأويلي في حالتي اللغة والشعر تبرير سيطرة القاعدة اللغوية القديمة على الممارسات اللغوية اللاحقة، وسيطرة القاعدة الشعرية المنقولة عن الأقدمين، تأويلاً، على كل الممارسات الشعرية اللاحقة، ومن ثم اطراح الممارسات المغايرة في منطقة الشاذ الذي لا يقاس عليه، والذي يستحق النبذ والإدانة في الوقت نفسه. ومن هذا المنظور، كان لغويون من أمثال أبي العباس ثعلب يضعون للشعر "قواعد" استخلصوها من شعر القدماء، تأويلاً ونقلاً، قواعد لا تتجاوز أصولها الأمر والنهي والخبر والاستخبار، ولا تتجاوز فروعها المدح والهجاء والمراثي والاعتذار والتشبيب والتشبيه واقتصاص الأخبار. وما دام الأمر أمر قواعد فلا بأس أن توضع صورة ثابتة للقصيدة، لم يكن من المصادفة أن ترتبط بالمديح، بحيث تبدأ القصيدة بذكر الدمن والآثار مع ما يستلزمه ذلك من البكاء والشكوى ومخاطبة الربع واستوقاف الرفاق والنسيب وفرط الصبابة والشوق وشدة الوجد وألم الفراق، ثم الرحلة وما تتطلبه من آلام النصب والسهر وسير الليل وحر الهجير وإفناء الراحلة، وأخيراً المقصد الأصلي من القصيدة، ثم توضع فروع على الأصول فتنحصر صورة النسيب والمديح والهجاء وغيرها في أقانيم ثابتة، تثبّت بدورها إطاراً للقيم لا يسمح للشاعر بالخروج عليه. وتحديد قواعد وفروع للقصيدة يستلزم قواعد أخرى للأداة اللغوية، تبدأ من إيثار التشبيه المقارب للحقيقة، وتشمل النفور من المجاز الذي يتجاوز الحقيقة، وتنتهي بضرورة القياس على ما قاله القدماء، وتأكيد ضرورة الانتهاء في اللغة إلى حيث انتهوا "لا نتعداه إلى غيره" فإن اللغة لا يقاس عليها. وإذا وُجِد فيما قاله القدماء خروج على هذه القواعد فلا بد من تأويله بأنه من الشاذ الذي لا يقاس عليه، ومن ثم القول إنه: "إذا اعتمدت العرب الشيء ضرورة لم يكن ذاك لمتأخر، لأنه ينبغي للمتأخر أن يحتذي الجيد المختار فحسب لسعة مجاله وكثرة أمثلته". ويمكن بمثل هذه العودة إلى الماضي توجيه الحاضر، ومواجهة ما قد يحدث فيه من خلل. ولكن طالما ظلت العودة نفسها قرينة الإحساس بأزمة ماثلة في الحاضر فإن فهم الماضي يتم في حدود كيفية الوعي بهذه الأزمة. إن الإحساس بالخطر الماثل في الحاضر يوجّه مسار العين التي تعود إلى الماضي، والعقل الذي يستنبط من أقوال الأقدمين ما يكون أساساً للتقليد. ويعني ذلك أن الإحساس بالأزمة يفرض، بوعي أو من دون وعي، كيفية متميزة في الاختبار والإعلاء. ومن ثم يمكن تأكيد أن محاولة استخلاص القواعد والفروع من الشعر القديم كانت موجّهة سلفاً ومرتبطة بالإحساس بخطورة التحولات التي بدهت أذهان التقليديين وأقلقتهم على مستويات متعددة. وإذا كانت صرخة ابن الأعرابي في مواجهة شعر أبي تمام: "إذا كان هذا شعراً فكلام العرب باطل" تشي بالخشية من مغبّة ما أحدثه أبو تمام، فقد كانت هناك صرخات أخرى مماثلة إزاء تحولات اللغة والفكر والقيم المتوارثة التي حدثت مع حركة المحدثين في العصر العباسي. ونفي الخشية يستلزم نفي العلة الموجبة لها بإثبات نقيضها، أي الإعلاء، في حالة الشعر، من قواعد الشعر القديم المخالفة لهذا الشعر المحدث. وما دامت العودة إلى الماضي موجَّهة سلفاً، فمن الطبيعي أن ينحاز العائدون في اختيارهم من الماضي، وأن يبرِّروا اختيارهم بأنه الأصل الغالب الذي ينبغي التعويل عليه وحده، وذلك لكي تصبح للقواعد والفروع المستخلصة من الماضي صفة الأصول الملزمة التي لا ينبغي الخروج عليها. ولكي تكتمل هذه العملية لا بد من دعمها بتأويلات دينية، أو تبريرها بما يمتدح الاتِّباع، ومن ثم التقليد، ويذمّ الابتداع، ومن ثم الخروج على التقليد. ويتبادل التأويل الأدبي والتأويل الديني الموقع والآلية والغائية في كل العمليات الدفاعية التي يراد بها استئصال الجديد لصالح القديم الذي يرتبط الحفاظ عليه بمصالح كثيرة متعددة الأبعاد والمستويات. وبالقطع، كان من بين المحدثين من يعرف البواعث المحرِّكة لمثل هذا الموقف. وكان يواجهها بعودة معاكسة للماضي، ومن ثم بتأويل مضاد لوقائعه. هكذا، دافع أنصار الحداثة العباسية عن المذموم من الشعر المحدث بإثبات ما يماثله من الشعر القديم، وذلك على نحو ما نقرأ في ما كتبه الصولي عن أخبار أبي تمام، وما ذكره الآمدي عن أنصار أبي تمام كذلك. وكان هناك من المحدثين من قام بإعادة النظر في الشعر القديم، واختار منه في ضوء دوافعه المتميزة الجديدة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يختار أبو تمام من الشعر القديم ما يمكن أن يواجه مختارات الأصمعي والمفضَّل الضبّي وغيرهما، أو ما يمثل، على الأقل، فهم أبي تمام للجيد من الشعر القديم. ويعني ذلك أن القضية ليست العودة إلى الماضي في ذاته فحسب، فالماضي متعدد وحمّال أوجه لأنه ينبني على تيارات متباينة أو متصارعة. ولذلك فدوافع العودة إلى هذا التيار أو ذاك من تيارات الماضي هي المحك. والأصل هو الأسباب التي تكمن وراء العودة والقيم التي تحكم مسارها، فتوجّه الاختيار، وتحكم عملية تأصيل القواعد أو الإلزام بها، فضلاً عن التخلص مما يناقضها بطرحه في سلة "الشاذ" الذي لا يقاس عليه، أو "الجامد" الذي ينبغي التخلص منه. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح لمفهوم "التقاليد" - لا "التقليد" - جانبان. أولهما: سلبي تحدِّده نزعة تتولى تغليب الماضى الذي تمَّ تغليبه وتجميده وفرضه على المتحول من الحاضر. والقصد هو نفي حركة التحول من أصولها، والإبقاء على ثبات "التقليد"، وكذلك الإبقاء على استمرار المفاهيم الملازمة له، والحفاظ على سطوتها وهيمنتها. وثانيهما: إيجابي يفرضه دعم التحول في الحاضر بإعادة النظر في الماضي والتواصل مع الأصيل منه، ومن ثم تبرير الخروج على الأصل الثابت بوجود ما يمكن أن يكون أصلاً مغايراً في الماضي. ولكن من الصعب أن نفصل بين الجانبين السلبي والإيجابي فصلاً حقيقياً أو جذرياً، فمعاني التقليد كامنة فيهما معاً، خصوصاً من حيث هما تبرير لتغير حدث في الحاضر بوجود أشباه له في الماضي. يستوي في ذلك أن يكون التبرير بقصد استئصال الجديد، أو يكون التبرير بقصد الدفاع عن الجديد وإضفاء الشرعية عليه، فجذر التبرير واحد، والعودة إلى القديم هي الإطار المرجعي في كل الأحوال، والنتيجة هي ترسيخ القديم وإطلاق صفاته من حيث هو مبدأ كل حركة ومعادها. وقد أدت هذه النتيجة الأساسية إلى نتائج فرعية عديدة مصاحبة، ظلت بمثابة أقانيم أدبية وفنية سائدة في الثقافة العربية. ولا شك في أن العودة إلى الماضي لنفي التحول في الحاضر، بباعث الخشية منه والخوف من عواقبه، تنتهي بصاحبها إلى الانعزال عن الحركة الإبداعية، فتحوّل الماضي نفسه إلى ستار يحول دون رؤية عميقة للتحول، وينتهي بأن يمنع إدراك ما في مفارقة الحاضر من أصالة. وتكون النتيجة تحديد القيمة في الشعر - أو في غيره - بمدى مشابهته للماضي الذي حددت صورته عودة موجهة سلفاً، وعدم قبول أي جديد إلا بعد التأكد من تشابهه مع قديم سابق. ويغدو همّ الناقد الأدبي - في هذا السياق - إدراك المشابهة بين ما يسمعه وما يحفظه أو ما سبق نقله. قد يعجب ببعض الجديد ولكن على أساس من حسن الاتِّباع، وانطلاقاً من مبدأ مؤداه: "إذا اعتمد الشاعر الابتداع" فعليه "ألا يخرج على سنن القوم" كما قال الآمدي في كتابه "الموازنة". ولا بد أن يتضخم الوعي بمبدأ السرقة في هذه الحالة، ويصبح الناقد أقرب إلى قصّاص الأثر منه إلى أي شيء آخر.