الكتاب: معجم الشعراء من تاريخ مدينة دمشق الكاتب: ابو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر تحقيق: الدكتور حسام الدين فرفور. الناشر: معهد الفتح الإسلامي - دمشق 2000 تكمن مشكلة كتاب "تاريخ دمشق" لابن عساكر في طبيعة مادته. فالمؤرخ كان "دمشقياً" عنده كل من حل دمشق أو اجتاز نواحيها من وارديها وأهلها، ثم جعل مصنفه معرضاً لروايته الحديثية الهائلة، مما وضع صعوبات كثيرة أمام عمليات تحقيق هذا التاريخ الذي يصل الى 57 مجلداً. ومن جهة أخرى تحيط البحث في المادة العلمية صعوبات كثيرة، وهو ما حمل بعض المحققين في الدخول ضمن محاولة لإعادة تصنيفه، فقام الدكتور صلاح الدين المنجد باستخراج تراجم بني أمية ووضع كتاباً بعنوان "معجم بني أمية". كما قامت الدكتورة سكينة الشهابي بفرز تراجم نساء الدمشق، وربما كان هذا الأسلوب منسجماً مع طبيعة البحث الحديث الذي يتسم بالتخصص. والمشروع الجديد في إعادة تصنيف تاريخ دمشق هو "معجم الشعراء" الذي يشرف عليه الدكتور حسام الدين فرفور، وهو لا يشكل إعادة سرد وترتيب للشعراء إنما صياغة جديدة للمادة العلمية يستطيع من خلالها الباحث والقارئ العادي تتبع التاريخ الأدبي لمدينة دمشق. يوضح الدكتور حسام الدين فرفور في مقدمة المعجم طريقة تطور مصنفات تواريخ المدن مما ألف على طريقة المحدثين. ففي القرن الثالث الهجري ظهر "تاريخ واسط" لأسلم بن سهل الرزاز الواسطي، وشهد القرن الرابع ظهور "تاريخ الرقة" للقشيري وتبعه "تاريخ نيسابور" لأبي عبدالله الحاكم. وفي القرن الخامس تطورت هذه المصنفات بشكل واضح فوضع الخطيب البغدادي "تاريخ بغداد" واتسع فيه بشكل كبير مدخلاً تراجم تجاوزت أصحاب الحديث. وبالوصول الى "تاريخ دمشق" نجد أنفسنا أمام تصنيف موسوعي يتمحور حول دمشق، لكنه يقدم مادة تتجاوز الإطار الجغرافي. ابن عساكر كان يؤرخ لمن مر في المدينة أو له صلة بها ولو عابرة. والأهمية الأدبية لهذا التاريخ تتجلى في اهتمام ابن عساكر بترجمة الشعراء والأدباء كاهتمامه بغيرهم من أصناف الناس. وهناك أيضاً دقته في الرواية، فهو ينقل في أحيان كثيرة عن كتب مفقودة أو مجهولة في زماننا. ويخلص الدكتور حسام الدين فرفور الى أن منهج ابن عساكر يختلف عن منهج الخطيب البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد" بخمسة أمور: فمقدار التراجم يزيد عند ابن عساكر، ومن جهة ثانية يهتم تاريخ دمشق بخطط المدينة، كما رتب ابن عساكر تراجمه على حروف المعجم، وامتاز أيضاً بإغناء الترجمة بضروب من الفوائد، وأخيراً هناك كثرة المصادر التي اعتمدها في وضع مصنفه. منهج التحقيق الذي اعتمده الباحث في المعجم يبدأ بتعريف الشاعر: فهو من غلب عليه الشعر حتى عرفه به، أو غلب عليه وصف الشاعر حتى لم يعرف بوصف سواه وترجم له ابن عساكر شاعراً، وبناء على هذا التعريف فهناك داخل المعجم شعراء وفي الوقت نفسه لهم سمات علمية أخرى، وبالنسبة للمخطوط اعتمد الباحث على نسخة مكتبة سليمان باشا لأنها أتم النسخ وأقلها في الجملة عيوباً وآفات، واستدرك النقص من هذه النسخة باعتماده على "مختصر ابن منظور لتاريخ دمشق". ويضم الجزء الأول من المعجم مجموعة من الدراسات التي أعدها المحقق قبل تقديم تراجم الشعراء، وهي تعطي صورة عن البعد الثقافي لحياة ابن عساكر ونهجه العلمي، كما تطرح الواقع التاريخي الذي ظهر فيه كتاب "تاريخ دمشق" فابن عساكر عاصر معظم القرن السادس الهجري وتوفي العام 571ه، وكان التطاحن قائماً بين الأمراء للوصول الى السلطة في دمشق، حتى استقرت في يد طغتكين الذي حكم المدينة حتى العام 522ه. وكان الفرنجة احتلوا معظم المناطق المحيطة بدمشق في طريقهم لاحتلال المدينة ذاتها، كما عاصر دخول نورالدين الى دمشق 549ه الذي باشر بعد دخوله المدينة توسيع ملكه وتطهير ما حوله من الفرنجة. وتعرف نورالدين على ابن عساكر وطلب منه إتمام تاريخه كما أنشأ له مدرسة في دمشق، سماها دار السنة ليدرس فيها الحديث وتعد أول مدرسة أنشئت لهذا الأمر، وشهد أيضاً دخول صلاح الدين للمدينة بعد وفاة نورالدين وعاش في ظل حكمه قرابة السنتين، وتوفي سنة 571 للهجرة واشترك صلاح الدين في تشييعه ودفنه في الباب الصغير. بعد أن يذكر الباحث وفق ترتيب أبجدي شيوخ ابن عساكر وشيخاته وترجمة حياته ومؤلفاته، فإنه يبين أهم مصادر ابن عساكر في الأدب من خلال ما ضمه الجزء الأول من المعجم من حرف الألف الى الجيم، إذ يجد أنه اعتمد على معظم الشعراء للمزرباني والأغاني لأبي فرج الأصفهاني، كما استند الى "خريدة القصر وجريدة العصر" للعماد الأصبهاني و"من ينسب لأمه من الشعراء" للمدائني. وثمة مصادر أدبية أخرى لم يذكر اسمها ككتاب الخطيب البغدادي في الأدب. وأما منهج ابن عساكر في عرضه لتراجم الشعراء فهو يعتمد على ثلاثة أقسام: الأول من أخبار الرجل وتضم الاسم والنسب والكنية واللقب والقبيلة والبلد ثم الميدان العلمي الذي عمل به، ثم أسماء الذين أخذ عنهم وأسماء الذين رووا عنه وجملة العناصر الرئيسية في حياته، ويبدأ القسم الثاني بذكر الحديث أو بعض الأحاديث التي رواها المترجم ورويت عنه، والقسم الثالث مجموعة أخبار خاصة بالمترجم له وتتضمن حياته وولادته وتوثيق اسمه وكنيته وبلده وطبقته. في الموازنة بين "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي و"تاريخ دمشق" لابن عساكر يفرد الباحث دراسة كاملة، وجد فيها أن مقدمة "تاريخ دمشق" التي ضمت أخبار المدينة وخططها جاءت في مجلدين بينما في "تاريخ بغداد" لم تتجاوز 133 صفحة، وعدد الترجمات في الكتابين متباين أيضاً فبينما بلغ عند الخطيب البغدادي 7831 ترجمة، فإن هذا الرقم يتجاوز العشرة آلاف عند ابن عساكر، وبالتالي فإن مصادره أكثر ومراعاة الترتيب الهجائي عنده أدق. ومما لا شك فيه أن هذا الجزء الأول من المعجم يشكل بداية لإعادة تصنيف "تاريخ دمشق"، فهو ضم 49 ترجمة من الشعراء يتباين توزعهم المكاني على امتداد العالم العربي، ويربطهم دخولهم مدينة دمشق أو مرورهم بها أو العيش في ربوعها. وستصدر بقية أجزاء المعجم تباعاً وسيقوم بتحقيقها إضافة للدكتور حسام الدين فرفور، عبدالحميد رياض ومحمود أرناؤوط ونزار أباظة.