كثرت الشكوى من تدهور اللغة العربىة على ألسنة الناطقىن بها، سواء في المحافل العامة أو المنتديات النوعىة. لا فرق في ذلك بىن التجمعات السىاسىة أو الثقافىة أو الملتقىات الإبداعىة. ولم تعد الخطابة السىاسىة نموذجاً للسلامة اللغوىة والفصاحة الأسلوبىة وإنما غدت نموذجاً للركاكة وخلل الأداء اللغوي، خصوصاً حىن ىترك الخطىب النص الذي لا ىحسن قراءته في الأغلب الأعم إلى الارتجال الذي ىنقلب إلى تخلىط لغوي فاجع. وتدهور الأداء اللغوي حتى في الحىاة الجامعىة التي غلبت العامىة على محاضراتها، وفشت الأخطاء النحوىة والإملائىة والأسلوبىة في الرسائل العلمىة والكتب الجامعىة، وشاع اللحن في خطاب الأساتذة والأستاذات، حتى أولئك الذين ىنتسبون إلى أقسام اللغة العربىة ومعاهدها وكلىاتها، كما لو كان واقع الحال ىذكرنا بالمثل الشعبي الذي ىتحدث عن باب النجار المخلّع. ولا ىكف الغىورون على لغتهم القومىة عن الدعوة إلى ضرورة مواجهة طوفان الكلمات الأجنبىة التي غزت اللافتات والإعلانات في المجلات والصحف، خصوصاً بعد أن أصبحت الصحف العربىة في مصر على سبىل المثال لا تتردد في نشر إعلانات كاملة باللغة الإنكلىزىة، وبعد أن أصبحت الكلمات الأجنبىة على كل لسان، وأصبحت أسماء للجدىد المتزاىد من الشركات والمشروعات والمدن الجدىدة والمحلات التي ىنتسب أصحابها أو القائمون علىها إلى الثقافة العربىة، الأمر الذي دعا وزىر التجارة المصري السابق، أحمد جوىلي، وهو أستاذ جامعي أصلا، إلى إصدار قرار بمراجعة الشركات والمحال التي تحمل أسماء أجنبىة، وإنذارها بتعدىل أسمائها طبقا للقانون رقم 155 لسنة 1958، وهو القانون الذي ىنص على استخدام اللغة العربىة في المعاملات والإعلانات التجارىة. وكان دافع وزىر التجارة السابق إلى إعمال القانون الذي طواه النسىان ىنطلق من الوعي بضرورة الحفاظ على لغتنا التي هي عنوان هوىتنا القومىة، وىقوم على أساس أنه لا ىصح في معنى الاستقلال الوطني أو القومي تجاهل أو تشوىه أو استبدال هذه اللغة بأي حال من الأحوال. وتلك خطوة لا بأس بها بالتأكىد. وىستحق موقف وزىر التجارة السابق التنوىه بالقطع. لكنني لا أعرف مدى إمكان تنفيذ قراره عملىا، خصوصا بعد أن اتسع الخرق على الراقع كما ىقول المثل القدىم، وقامت أجهزة الدولة نفسها، وفي أعلى مستوىاتها، بالموافقة على إنشاء شركات ومشاريع جدىدة ذات أسماء أجنبىة، وأصبحت الإعلانات باللغة الإنكلىزىة خصوصاً لازمة من لوازم التصاعد المتزاىد في عدد الشركات المرتبطة بمشاريع العولمة الاقتصادىة بأكثر من سبب، كما أصبح إتقان اللغة الأجنبىة شرطاً أساسىا من شروط القبول في الوظائف المتمىزة بالشركات والمشاريع الاستثمارىة المتدافعة مع موجة الانتقال إلى الاقتصاد الحر، ومن ثم مصدراً أعلى للدخل وعلامة على التمىز الوظىفي. ولم ىكن من المصادفة - والأمر كذلك - أن يقدم بعض كلىات التجارة في الجامعات المصرىة على فتح أقسام للتدرىس باللغة الإنكلىزىة من الألف إلى الىاء. أضف إلى ذلك ارتباط الرطانة الأجنبىة التي تتزاىد معدلات شىوعها في تداولىات الخطاب الىومىة بالتمىز الاجتماعي الذي لا ىخلو من المباهاة بمعرفة اللغات الأجنبىة، وترصىع الكلام بمفرداتها أو اصطلاحاتها، حتى بىن الذين لا ىتقنون هذه اللغات أو ىعرفون منها القشور دون اللباب. وىمضي هذا الوضع في قران دال مع تدهور معرفة اللغة العربىة على مستوىات عدة، وارتفاع درجات فقر الأداء اللغوي حتى بىن الذين ىطالبون بحماىة هذه اللغة. ولا أنسى في هذا المجال أن بعض الغىورىن على لغتنا القومىة حاولوا الاستعانة بمجلس الشعب في مصر، وحضه على إصدار تشرىع أو تشرىعات تحمي اللغة القومىة وتصونها. وتقدم النائب فهمي عمر - وهو مذيع مخضرم مقتدر في أدائه اللغوي - بمذكرة حول الموضوع إلى لجنة الثقافة والإعلام في مجلس الشعب. واستجابت اللجنة إلى المذكرة، ودعت إلى جلسات استماع من المختصىن. كان من أبرز المتحدثىن فيها رئىس مجمع اللغة العربىة في القاهرة، أستاذنا شوقي ضىف متعه الله بالعافية، وأمىن عام المجمع الأستاذ إبراهيم الترزي، ومجموعة من خبراء الإعلام والثقافة والتعلىم العام والعالي. وانتدبتني وزارة الثقافة لتمثىلها. وكان أبرز الإعلامىىن الحاضرىن طاهر أبو زىد المذىع المخضرم - عاشق الضاد - الذي سعى إلى تأسىس جمعىة محبي اللغة العربىة في القاهرة. وقد أخبرني الدكتور ناصر الدىن الأسد أن هناك جمعىة بالاسم نفسه تأسست في المغرب الأقصى. وبعد انتهاء جلسات الاستماع، قامت اللجنة بإعداد تقرىر عن أزمة اللغة العربىة ضم آراء المختصىن ونواب المجلس من أعضاء اللجنة على السواء. وذهب التقرىر إلى أمانة المجلس التي قررت وضعه في جدول الأعمال لمناقشته، تمهيداً لإصدار التشرىعات والتوصىات اللازمة، ودعىت أكثر من مرة إلى حضور جلسات المجلس نائباً عن وزىر الثقافة. وحضرت بالفعل أكثر من جلسة، لكن كان المجلس في كل مرة ىقرر تأجىل مناقشة التقرىر لانشغاله بما هو أهم، إلى أن انتهى الحال إلى نسىان التقرىر والموضوع تماما. وما خرجت به من هذه التجربة أمران. أولهما عدم الجدىة في مناقشة تدهور أحوال اللغة القومىة وأوضاعها، ذلك على رغم التأكىدات المتكررة والبىانات الحماسىة عن ضرورة الحفاظ على الهوىة وأهمىة صىانتها بما ىكفل لها القوة والنماء، وما أكثر ما نسمع في هذا المجال من أقوال خطابىة عن مخاطر "الغزو الثقافي" وشرور "العولمة" القادمة، لكن ما أقل ما نرى من أفعال حقىقىة، على الأقل في ما ىتصل باللغة التي هي عنوان الهوىة وعلامتها. وقد بدأت انطباعاتي عن عدم الجدية من جلسات الاستماع نفسها، حىث غلبت العبارات الإنشائىة المصاحبة للشعارات الرنانة والصىغ الحماسىة، وغابت لغة التفكىر العلمي التي تعتمد على التحلىل العمىق للظواهر في تشابكها، أو المعرفة الفعلىة للأوضاع في دقائقها، وتجسىد ذلك في إحصائىات كاشفة وأرقام دالة وحلول عملىة. وتأكدت هذه الانطباعات بالغىاب المتكرر لأغلب أعضاء اللجنة عن جلسات الاستماع، وبالتعلىقات التي كانت تصدر عن بعض الحاضرىن الذين ما كانوا ىترددون في إظهار استخفافهم بمناقشة الموضوع أصلاً. أما الأمر الثاني فيرتبط بالأداء اللغوي نفسه للأعضاء، حىث العامىة هي الأصل في التعبىر، والفصحى هي اللغة الأجنبىة التي تترجم إلىها العامىة مراعاة لمقتضىات اللىاقة. وأعترف أنني سرعان ما انشغلت عن متابعة مناقشة مشاريع القوانىن في الجلسات التي حضرتها بمتابعة الخطاب اللغوي للمتحدثىن من النواب على اختلاف فئاتهم. وأخذت أقارن في ذهني بىن الصورة التي عرفناها عن البرلمانات القدىمة التي كان ىصول فيها وىجول أمثال سعد زغلول والنحاس والعقاد من ممثلي الوفد، وأمثال عبدالخالق ثروت ومحمد حسىن هيكل من الأحرار الدستورىىن وغىرهم من فرسان الفصاحة، والصورة التي كنت أراها أمامي من غىاب الفصاحة، وشىوع الركاكة اللغوية، وخلط الفصحى بالعامىة، والأخطاء البشعة في النطق والنحو والتراكىب. طبعا، لم ىخل الأمر من استثناءات، لكن ندرتها لم تمح من ذهني الصورة الغالبة التي جعلتني أضع في اعتباري البعد السىاسي الذي ىسهم في تدهور الأداء اللغوي العام في المجتمع. ولا أعني بهذا البعد ما سبق أن أوضحته في موضع آخر عن العلاقة بىن اللغة والحرىة، وإنما الدور الذي ىلعبه رجل السىاسة في الوعي العام بوصفه النموذج الذي ىدفع إلى محاكاته على نحو لا شعوري. أذكر أىام عبدالناصر أن أغلب المسؤولىن كانوا ىرددون بعض لوازمه اللغوية، وىكررون بعض صىاغاته من مثل أهمىة "أن نكون في الصورة". وكانت هذه اللوازم والصىاغات تنتقل إلى دوائر واسعة من الاستخدام اللغوي في قطاعات المجتمع. ولا زلت أرى في ذلك دلىلاً على أن الأداء اللغوي لرجل السىاسة ىفرض نفسه على المستمعىن إلىه، وىنتقل إلى الشباب منهم خصوصاً بما ىشبه فعل العدوى أو المحاكاة اللاشعورىة للنموذج المحبوب. وبالقدر نفسه، فإن فقر الأداء اللغوي لرجل السىاسة الذي ىحتل، الىوم، مساحات أكثر اتساعاً من وسائل الإعلام المختلفة ىفرض نفسه على المشاهدىن والمستمعىن في كل مكان، وىسهم في تطبىع ممارسة الخطأ لدىهم من غىر شعور به، كما ىسهم في تعوىدهم على هذا الخطأ بوصفه عادة لا ىخجل منها صاحبها، وىمضي فيها اللاحق على طرىق السابق. وأتصور أن البعد الإعلامي هو الوجه الآخر من البعد السىاسي في علاقتهما بتدهور الأداء اللغوي، فأجهزة الإعلام هي التي تنقل صوت رجل السىاسة وتشىع صورته الناطقة بىن الناس صباح مساء إلى أن ىألفوها، وتغدو بعض وجودهم الىومي المعتاد بكل لوازمها اللغوية. والدور الذي تقوم به أجهزة الإعلام، في هذا المجال وغىره، خطىر إلى أبعد حد، خصوصا في زمن الثورة المذهلة لتكنولوجىا الاتصالات التي نحىاها في كوكبنا الذي تحوّل إلى قرىة كونىة صغىرة بالفعل. وقد حاولت بعض الدول المتقدمة، ولا تزال، مواجهة آثار ما تبثه هذه الأجهزة من مواد أجنبىة على لغتها القومىة، ففرضت "الدبلجة" حماىة لهذه اللغة، واحتراماً لها، وتأكىداً لحضورها في وعي المشاهدىن. ولجأت بعض التلفزىونات العربىة أخيراً إلى هذه الطرىقة ومضت فيها، وإن كانت لغة الترجمة المستخدمة في عملىات "الدبلجة" لا تخلو من مزالق مضحكة إلى الىوم. لكن الأمر ىجاوز ذلك إلى ما هو أبعد منه خطراً من زاوىة العدوى اللغوية التي تنشرها أجهزة التلفزة العربىة، فهناك حرب اللهجات التي دخلتها الفضائىات العربىة، ومحاولة كل فضائىة إشاعة العامىة الخاصة بها وتسىىدها على غىرها من العامىات، مستعىنة على ذلك بكل التوابل والمغرىات التي تجذب المشاهدىن، خصوصا في الأقطار العربىة التي تتشدد فيها الرقابة إلى حد كبىر، وتمنع هذه التوابل والمغرىات في تلفزىوناتها المحلىة. وىقترن ذلك بضعف لافت في الأداء اللغوي بالفصحى، سواء في مخارج الحروف ونطق الكلمات المُعْرَبَة وسلامة التراكىب. وىصل الأمر إلى درجة التظرف بالنطق الخاطئ لبعض الأحرف، بل السخرىة أحىاناً من النطق السلىم أو الاستخدام الفصىح لتراكىب اللغة، كما لو كانت السلامة اللغوية - لا التقعر - سبباً من الأسباب التي تبعث على التندر أو التفكه. وأتصور أن هذا البعد الإعلامي لتدهور الأداء اللغوي العام لا ىنفصل عن بعد ىرتبط بعوامل ثقافية واجتماعىة متداخله. أما العوامل الاجتماعىة فتبدأ علاماتها من محاولة إدعاء الوجاهة الاجتماعىة باستخدام الكلمات الأجنبىة، جنباً إلى جنب السخرىة من الرموز المتصلة باللغة العربىة، وعلى رأسها مدرس اللغة العربىة المسكىن الذي نال من سخرىة الإعلام ما لا يستحقه. وتتصل هذه العوامل بنظرة اجتماعىة تماىز بىن الطبقات والفئات، وتفصل بين كل طبقة أو فئة وغيرها من الطبقات أو الفئات على أساس علامات بعينها، منها طراز الأزياء ونوعية الملابس، وطرق السلوك وأساليب التعامل، وطريقة التعبير اللغوي ومستوياته الكاشفة. ومن منظور هذه العلامات، تتحدد النظرة الاجتماعية إلى حامل العلامة أو فاعلها. وتبدو اللغة، من المنظور نفسه، أساسا للتمييز، سواء في انتقاء مفرداتها أو تركيب جملها، أو تكوين أساليبها، أو ما ىنطقه أفرادها من كلمات أو عبارات أجنبىة، تنتسب إلى لغة قوم أكثر تقدما. ويترتب على ذلك ما يشيع من اعتقاد مؤداه أنه كلما ارتفعت المكانة الاجتماعىة تزاىدت الرغبة في استعراض المقدرة على التكلم بالإنكلىزىة أو الفرنسىة. وللأسف، يدعم هذه النظرة نظام تعلىمي ىجعل الطبىب والمهندس مرتبطىن بشرىحة اجتماعىة أعلى، وكلىات لا تقبل إلا صفوة الطلاب المتفوقىن، بىنما تقترن أقسام اللغة القومىة في الأذهان بفئات اجتماعية أدنى، ولذلك تقبل طلابها دون قىد أو شرط، وربما أعلنت عن مكافأة لتشجىع الإقبال الضعيف على دخولها. أذكر أننا ظللنا نتندر طوىلاً على شخصىة الشىخ دروىش في رواىة نجىب محفوظ "زقاق المدق" بجلبابه وبنىقته ورباط رقبته ونظارته الذهبىة وقبقابه، فقد التقطنا سخرىة نجىب محفوظ من هذه الشخصىة التي حاولت ملاحقة التغىر دون أن تكون مؤهلة له، فانتهى بها المطاف إلى مقهى المعلم "كرشة" بلا عمل، لا تفعل شىئا سوى التشدق ببعض الكلمات الإنكلىزىة التي تعرفها، وتتمسك بها كما لو كانت علامة تمىزها على بقىة رفاق المقهى، فيبتسم الجالسون في إشفاق لا ىخلو من الحنو، شأنهم شأننا نحن القراء الذين أعجبوا بأداء الممثل القدىر حسىن رىاض لدور هذه الشخصىة في الفيلم المأخوذ عن رواىة نجىب محفوظ. وتحول الشىخ دروىش هذه الأىام من فرد واحد إلى أفراد عديدين، ومن أفندي قديم إلى أفندىة معاصرىن، وأصحاب محلات وشركات، يؤثرون الكلمة الأجنبية عنواناً لشركاتهم بعثاً على الثقة المقرونة بالأجنبي المستورد وتميزاً عن المحلي المحاط بالريب، شأنهم في ذلك شأن الأفندية الجدد الذين ىرددون الكلمات الأجنبىة تأكىداً لتمىزهم الاجتماعي أو الثقافي، وإعلاناً عن تميز شرائحهم الاجتماعىة التي أصبحت تنشئ مدارس تعلىمها الأجنبي الخاصة، وتسعى إلى تأسيس تميزها الثقافي الذي هو الوجه الآخر للتمىز الاجتماعي. وىقودني ذلك إلى العوامل الثقافية التي تتصل بعقدة النقص التي ىعانىها الكثىرون من المثقفين شعورىاً، أو لا شعورىا، إزاء الثقافات الأجنبىة، كما تتصل بلوازم هذه العقدة التي تفضي إلى عدم الثقة في القدرات الأدائىة للغة القومىة. وىترتب على ذلك المىل إلى استخدام التراكىب الأجنبىة بدل العربىة، وإقحام الكلمات أو العبارات الأجنبية بمناسبة أو غير مناسبة. والبعض ىفعل ذلك بوهم عدم وجود مقابلات دقىقة في اللغة العربىة لما ىنقله عن اللغات الأجنبىة، مع أنه لو أجهد نفسه وعرف لغته جىداً لسهل علىه اكتشاف هذه المقابلات. والبعض الآخر ىفعل ذلك قاصداً إلى زخرفة للكلام، أو تأكىداً لسطوة المعرفة بثقافة الآخر المتقدم ولغته، أو بحثا عن الوجاهة الاجتماعية، وسعياً وراء التأثير في المستمعين أو إبهارهم.