كان هناك انتقال صارخ في الأحلام. انتهت رسائل الغرام لتبدأ مرحلة الاتصال، وكان ثمة انبهار خاطف سببه المبادئ الحديثة التي غزت حياتنا الثقافية. كنت أريد ان أكون يسارياً بأي شكل يتلاءم مع الأفكار الطارئة. كانت التربية السائدة في الدار، هي التدين، فالوالد خريج الأزهر وسليل العائلة المعروفة بتدينها، وكان القطب الذي تجمعت حوله القيم ولكن دون تعب. كنت في تلك المرحلة قد عرفت الحيرة، بحيث يمكن اعتبار مرحلة ما قبل النضج من أكثر المراحل انتهاكاً لحرمة الطمأنينة. كانت السوق ملىئة بكتب ومجلات وجرائد تتحدث عن رفض ما هو سائد، وبإعداد مشروع بديل تستطيع به ان تنظم الاقتصاد والاخلاق بخطوات موزونة، وكان هذا كافياً لإدخال الطمأنينة الى القلب، ولكن الشك بات مسيطراً على كل خطوة من حياتي، وسيتعزز الشك بعد ذلك عندما يقوم العلم بتنظيمه بشكل مستمر. ولم استطع ان أحدد موقفي من تلك الاحزاب التي كان لها وجود في الشارع، وكان لا بد من الانحياز، ولكن الشك الذي كان ينمو يوماً فيوماً بداخلي عزز عندي الموقف العنيد فلم استطع ان أقبل أي تجمع حزبي مهما كان شأنه، ولعب الشك دوراً في "استقلالية الفكر" بشكل ما، فلم استطع ان أنتسب الى أية دوغما، أو أقبلها لا لذاتها فقط بل لتسلط رجال عليها، كان من أهدافهم التسلط على الآخرين. وفي غمرة نمو الفكر السياسي، كان الجوع العاطفي بطلاً من أبطال الحياة المعاصرة. لقد كانت المرأة في حياتنا المغلقة، من الأسرار التي لا بد من معرفتها، شأنها في ذلك شأن المبادئ الكبرى التي سيطرت على الحياة، كالتدين أو الماركسية أو الوجودية. أية امرأة يمكن لك ان تحب؟ ذلك هو السؤال الذي سيطر على النفس فترة طويلة، وكان البحث عنها يعادل أي بحث عن مبدأ تستطيع ان تركن اليه. أهي المرأة التي تقدم جسدها بيسر، أم انها المرأة العارفة، أم أنها المرأة المتمنعة؟ أهي المرأة الجائعة الى رجل، أم انها الجائعة الى حياة اجتماعية مستقرة؟ بدت المرأة لغزاً زاد في الحيرة العامة، فكأنما هناك اتفاق بين الوجودية مثلاً والمرأة، أو انه اتفاق بين الماركسية والمرأة. انها تتكشف بعد سنوات الخبرة، وفي الحالة الشرقية المسيطرة، أذ كيف يمكن للعقل ان يكتشف الحقيقة، والجسد في حالة جوع! كان الوطن يمر بمرحلة حكم فردي عسكري، يحاول خداع الناس بالديموقراطية المعلنة والتي يمكن ان تجيب على بعض الأسئلة الملحة. وكان أديب الشيشكلي كغيره يعد الناس بالخيرات وبتحرير فلسطين وبالعدالة الاجتماعية، وقد جاء في انقلاب بعد حسني الزعيم وسامي الحناوي وبالمبادئ المعلنة نفسها، كأنما الحكام العسكريون قد تخرجوا من مهد واحد ويكررون النغمة نفسها، وقد جاء الوقت لتمييز الصدق من الكذب. ويبدو ان تلك المرحلة كانت فاصلة في وضع حد بين الأمور، وكان لا بد لي من اتخاذ قرار من دون اللجوء الى مرجعية حزبية كنت قد رفضت الانتماء اليها من قبل. وهكذا سأكتشف وحيداً ان أكثر الأمور التي كُذب بها وعليها هي الديموقراطية. كان والدي آنذاك قد دخل معي في حوار مطول حول الإيمان، ولم يستخدم وسيلة لقمعي كما يفعل الحكام العسكريون والذين قيل أنهم يمثلون "النظام الأبوي" بينما أبي كان يمثل قمة الديموقراطية التي بدأتُ في استيعاب دروسها، فهل أخطأ المنظرون في التسمية؟ أم أن والدي كان حالة شاذة وسط الأنظمة الأبوية السائدة؟ وكنت في ذلك العمر أعيد البكالوريا التي رسبت فيها، فألغى الشيشكلي صفوف الدراسة للعائدين بخيباتهم للدراسة، وهكذا وجدت نفسي في الشارع مرة ثانية، وكانت المرة الأولى في السنة الفائتة عندما صدر قرار بطردي من المدرسة لإساءتي الى القيم. والحادثة تتلخص بما يلي: كان استاذ الديانة، وهو من دمشق، يشرح لنا مسألة معينة بصورة ساذجة، فتبرعت بإعطاء صورة أخرى أوردتها للاستاذ وللطلاب زملائي الذين كانوا يتوقعون مني التمرد بأي شكل. فقامت قيامته الاستاذ وحاول تأديبي بالضرب فمنعني عنفوان الشباب من السماح له أن يمد يده علي. وكانت النتيجة هي إحالتي الى مجلس التأديب الذي انقسم الى قسمين، شأن البلد، واحد يحاول مساندتي ويضم الاساتذة التقدميين بألوانهم المختلفة، والثاني يحاول ادانتي ويضم الاساتذة الملتزمين بحزب الاخوان المسلمين. وهكذا كان الفرار من المدرسة هو الحل الأمثل. وبعد فترة علم والدي بما حدث، وكنت أخاف رأيه فإذا به يقف الى جانبي ممتدحاً فكرتي وخيالي الخصب. وكان لمساندة والدي الدور الأساسي في عودتي الى المدرسة. ويبدو ان ايمانه بالأفكار الجديدة جعله ينظر الي بإعجاب لا ينسى. في السنة التالية ناضلنا لكي يتم قبولنا في المدرسة، فلم ننجح، وتعمقت في نفسي كراهية الديكتاتورية بكل أشكالها، والتي كانت مع ايماني بالديموقراطية هي السبب في انعزالي عن السلطة وعن الاحزاب وارتباطي بالواقع. كانت حادثة استاذ الديانة من أبرز الحوادث التي مرت علي وأنا في حوالي الثامنة عشرة من عمري، ويبدو ان الاستاذ لم يكن حالة شاذة، بل يمثل معظم المتزمتين وغير المتزمتين من الذين فقدوا القدرة على تقبل الأفكار الجديدة، والذين باتوا مقياساً عندي للمجتمع الذي يظل محافظاً على سكونيته طالما انه يقف في وجه الافكار الجديدة. بدأت في سن الثامنة عشرة في تقسيم الناس الى فئتين، الأولى تلك التي تتقبل الافكار الجديدة والثانية تلك التي ترفض أي شيء جديد، وهنا ابتدأ انحيازي للفئة الأولى، اذ كنت أبحث وسأظل أبحث عن الذين يؤمنون بالافكار الجديدة، وقد يكون سر بحثي التجريبي الدائم في الأدب بخاصة، ذلك البحث المستمر عن تلك الفئة التي يقل عدد أفرادها يوماً بعد يوم. لأقل أن تلك الفترة التي ولدت الشك هي التي ولدت الرغبة في اختبار ما هو جديد، وهي التي ولدت خوفي من الالتزام بدوغما معينة، وهي التي زرعت عشق الحرية والتحرر في النفس. ومن المؤسف ان تلك الأيام تحولت الى تاريخ، وكنت أظن أنها باقية أبداً، وتلك القاعدة التي لم أتعلمها تلك الأيام: ان الأمور تتغير وإن كنت في عشق الحرية والتجدد لم أتغير ولم أرتبط بمبدأ ثابت أحرص عليه. حلب - ايلول/ سبتمبر 1998 روائي وكاتب مسرحي سوري