شددت قوات الجيش والشرطة شمال سيناء من حال الاستنفار العسكري والأمني تأهباً لمواجهة «خلايا داعش الكامنة» التي ظهرت خطورتها في الهجوم الدامي على مكامن ووحدة عسكرية في منطقة البرث جنوب مدينة رفح الجمعة الماضي، وأسفر عن مقتل أكثر من 40 متطرفاً واستشهاد وجرح 26 جندياً، بحسب إحصاء أعلنته القوات المسلحة. وهذا الهجوم هو الأكبر شمال سيناء منذ هجمات الشيخ زويد في تموز (يوليو) عام 2015، وهو أعنف اعتداء يستهدف قوات الجيش خلال العام الحالي الذي شهد هدوءاً ملحوظاً في الجبهة الشرقية مقابل توتر الأوضاع الأمنية في الجبهة الغربية، إذ كانت الصحراء الغربية منطلقاً لغالبية الهجمات الكبرى التي شهدتها مصر عام 2017. وجاء هجوم رفح بعد شهور من إعلان القوات المسلحة تطهير «جبل الحلال» وسط سيناء، وهو الجبل المترامي الأطراف الذي عُد ملاذاً آمناً للمتطرفين والمهربين على مدى سنوات، وفي أعقاب سيطرة قوات الجيش على القرى الجنوبية لمدينتي رفح والشيخ زويد، التي اعتبرت منطقة انطلاق لغالبية الهجمات ضد قوات الأمن في سيناء على مدى الأعوام الأربعة الماضية. وكان لافتاً أن الهجوم استهدف مقراً للكتيبة «103» صاعقة، أقوى كتائب الجيش في رفح، ورمز سيطرة القوات المسلحة على جنوبالمدينة، ومكمنها الذي يتمترس على تلة جبلية تقع في مفترق طرق، ومن خلالها يمكن قطع طرق التهريب أو الانطلاق لشن هجمات جنوب رفح. كما أن المكمن والمقر يقعان في قرية «البرث» التابعة لقبيلة «الترابين»، كبرى قبائل سيناء، والتي تقود «اتحاد القبائل» المؤازر للجيش في حربه ضد الإرهاب، والتي شكلت من بين شبابها مجموعات مسلحة بالتنسيق مع أجهزة الدولة للانخراط في محاربة «داعش». وسبب الهجوم حرجاً بالغاً لقبيلة «الترابين»، خصوصاً أنه استخدم فيه عدد كبير من سيارات الدفع الرباعي والدراجات البخارية التي قطعت مسافة كبيرة في أرض منبسطة قبل الوصول إلى مكامن الجيش، خصوصاً أن القبيلة تعهدت مراقبة مسارات الطرق الجبلية والإبلاغ عن أي تحركات للمجموعات الإرهابية. وقال مصدر مطلع ل «الحياة»، إن «سيارات الدفع الرباعي التي استخدمت في الهجوم حديثة ومن ماركة واحدة، هي في الغالب رتل واحد جُهز لتلك العملية، حتى أن بعضها صُفح». وأوضح أن التعاون الاستخباراتي في مسألة سيارات الدفع الرباعي التي يستخدمها «داعش» في سورية والعراق لم يصل إلى نتائج، إذ إن الشركات المنتجة لتلك النوعية باعت هذه السيارات لشركات عدة بالتحري عنها اتضح أنها شركات «وهمية» تقوم بالتسجيل في دول عدة وبأسماء مختلفة وتختفي سريعاً، ما دفع السلطات إلى منع سير أو دخول تلك النوعية من السيارات أو قطع الغيار الخاصة بها إلى كل المناطق التابعة لمحافظة شمال سيناء، حتى أنه يُمنع دخولها من الدلتا إلى شبه جزيرة سيناء. وأشار إلى أن طريقة الهجوم على مكامن رفح تُشير إلى تنفيذه بواسطة عناصر مدربة على دراية بالمكان وتضاريسه، وأن ل «داعش» خلايا كامنة ما زالت تمثل خطورة شمال سيناء، إذ ضم الهجوم الذي شارك فيه عشرات «التكفيريين»، عدداً كبيراً من «الانتحاريين». من جانبه، قال القيادي السابق في «الجماعة الإسلامية» في مصر الدكتور ناجح إبراهيم ل «الحياة»، إن هجوم رفح «يشير إلى عودة داعش إلى أسلوب الهجمات الكبرى على الأهداف الصلبة بعد أن ظن البعض أن التنظيم لم يعد يملك القدرة على شن تلك الهجمات في أعقاب الخسائر التي منيّ بها في العامين الماضي والحالي»، موضحاً أن قرية «البرث» التي شهدت الهجوم لم تعد ضمن ملاذات «داعش» الآمنة جنوب رفح، بل إنها تتبع قبيلة «الترابين» التي على رغم كونها أكبر قبيلة تحارب «داعش»، إلا أن «عدداً كبيراً من بطون مختلفة فيها ينخرط أيضاً في القتال ضمن صفوف داعش». وأشار إلى أن الهجوم يبعث برسالة بأن «المنخرطين في صفوف داعش من أبناء الترابين ما زال لهم نفوذ في المناطق التابعة للقبيلة». وعبر إبراهيم عن اعتقاده بأن السيارات الحديثة التي استخدمت في الهجوم تم تهريبها من رفح الفلسطينية إلى رفح المصرية، خصوصاً أن معلومات أشارت إلى مشاركة 3 فلسطينيين على الأقل في الهجوم. ونشر «اتحاد قبائل سيناء» صوراً ل 3 فلسطينيين وهم أحياء، ومعها صور جثامينهم بين قتلى هجوم رفح. وحدد الاتحاد هويتهم، ونشر معلومات عنهم. وقال إبراهيم: «الحديث أن حماس ساعدت منفذي الهجوم لا أساس له. الحركة الفلسطينية انخرطت الآن في تعاون مع مصر لضبط الحدود، والتسهيلات التي قدمت من رفح الفلسطينية أو المسلحين الذين تسللوا للمشاركة في الهجوم وأعلنت هويتهم قطعاً ليس لهم أي علاقة بحماس، لكنهم تكفيريون تحاربهم حماس في قطاع غزة. ربما من بين أهداف الهجوم ضرب التقدم في العلاقات بين القاهرة وحماس». وأوضح إبراهيم أن الصور التي نشرت لفلسطينيين تم إعلان هويتهم كانت لأشخاص مقتولين بالرصاص، ما يشير إلى أنهم لم يكونوا ضمن «الانتحاريين» المشاركين في الهجوم، في دلالة إلى أنهم من الشخصيات المدربة ذات الكفاءة القتالية العالية. وأضاف: «استخدام هذا الكم من سيارات الدفع الرباعي كلها حديثة يدل أيضاً على دعم مادي كبير، فالتنظيمات الفقيرة غالباً ما تلجأ إلى سرقة سيارة أو ما شابه لتنفيذ هجمات بها، لكن أن تملك رتلاً من سيارات الدفع الرباعي الحديثة، فهذا دليل على رصيد مالي ضخم، كما أن مشاركة أكثر من 100 مسلح في هجوم واحد يدل أيضاً على «رصيد استراتيجي كامن لتنظيم داعش شمال سيناء»، لافتاً إلى أن «اقتصاد المنطقة الجنوبية لرفح قائم أساساً على التهريب... ولا غضاضة عند المهرب في حال تم التضييق عليه أن يتعاون مع الإرهابي». وقال: «كلما اعتقدنا أن داعش انتهى في مثلث العريش- الشيخ زويد– رفح، يحدث هجوم يُثبت خطأ هذا الاعتقاد، ويؤكد أن للتنظيم رصيداً استراتيجياً ما زال محتفظاً بقدرته على شن هجمات كبرى... هذا الرصيد إما يتجدد عبر استقطاب وتدريب عناصر جديدة بالتوازي مع قتل أعداد كبيرة من التنظيم أو من خلال الدفع بعناصر مُدربة، سواء من رفح الفلسطينية أو من بين العائدين من جبهات القتال في سورية والعراق». تواصل الإدانات لهجوم رفح والبحرين تدعم مواجهة الإرهاب تواصلت أمس ردود الفعل العربية والدولية على الهجوم على حوادث عسكرية في مدينة رفح شمال سيناء الجمعة الماضي، وأكد العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة وقوف بلاده مع مصر وتأييدها جميع الإجراءات التي تتخذها للتصدي للأعمال الإجرامية، ودان في برقية عزاء بعثها إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي «الأعمال الإجرامية الآثمة التي تتعارض مع كل القيم الإنسانية والشرائع السماوية». كما أكد الاتحاد الأوروبي تضامنه مع الحكومة المصرية والشعب المصري ودعمه لهما في الحرب ضد الإرهاب. وأعرب الناطق باسم الاتحاد الأوروبي في بيان خالص تعازيه لعائلات ضحايا الهجوم الإرهابي وأصدقائهم. على صعيد آخر، أكد سفير مملكة البحرين لدى مصر، مندوبها الدائم لدى الجامعة العربية راشد بن عبدالرحمن آل خليفة أن مملكة البحرين تدعم السفيرة مشيرة خطاب مرشحة مصر لمنصب المدير العام ل «منظمة الأممالمتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (يونيسكو). وأشاد السفير البحريني بالسيرة الذاتية والخبرات التي تتمتع بها خطاب وتؤهلها لقيادة منصب مدير «يونيسكو»، مؤكداً ثقته في قدرتها على أداء مهمتها باقتدار في حال فوزها بمنصب المدير العام للمنظمة. وأشار إلى عمق العلاقات الأخوية التاريخية بين البلدين، وما تتمتع به مصر من ثقل تاريخي وحضاري عريق ومساهمات بارزة في الحضارة الإنسانية، ومكانتها، ودورها الريادي في النهوض بالحركة العلمية والثقافية.