سبحان مَن قضى بأن «كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ 0لْمَوْتِ» فجعل الموت والحياة عَرَضان ينزلُ أحدُهما بالإنسان فيرتفع الآخر، فكانت الحياة هي الإحساس والحركة، وكان الموت عَدَم ذلك، والمقصود بذوق الموت، ذوقُ آلامه، فتأْلَم النفس حين فراقها الجسد أشدَّ الألم، فقد قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَلْقَ ابنُ آدم شيئاً قطُّ، منذ خلقه الله، أشد عليه من الموت، ثم إن الموت لأهون مما بعده» وأما بعد حصول الموت فلا إحساس للجسد، ولذلك نصَّ علماؤنا على أن الموت ليس عَدَماً محضاً، وإنما هو عَدَمُ هذه الأوصاف، أي فَقْدُ الإنسان لأوصاف الحياة، كالحركة والسكون، فالموت صفة مضادَّة للحياة، أي أنَّ الموتَ والحياة وَصْفَان يعرضان للموجود وليس للمعدوم، وإلا لجاز أن نقول للمعدوم حيٌّ أو مَيِّت، وقد قال تعالى «الَّذِى خَلَقَ الموتَ والحياة» والعَدَم لا يكون مخلوقاً، وإنما الموتُ انتقالٌ من دار الدنيا إلى الدار الآخرة، فهذا من بديع تصرُّفه سبحانه في خلْقه، فقد خلق الإنسان ثم خلق فيه الحياة، وإلا لكان الإنسانُ جسداً لا حياة فيه، وعندما أراد سبحانه للإنسان أنْ يموت، خلق فيه الموتَ عند انتهاء أجَلِه الذي قدَّره له، وهكذا ركَّب اللهُ الإنسانَ من روح وجسد، وجعل لهذه الرُّوح تعلُّقاً شديداً بالجسد، حتى أنَّه إذا دَنا الرَّحيل واقتربت ساعة الفراق بينهما، عَزَّ على الرُّوح فراقُ هذا الجسد الذي طال سُكْناها فيه، فأَلِفَتْه وتعشَّقَتْه، حتَّى قيل: ما تعلَّق شيءٌ بشيءٍ كتعلُّق الروح بالجسد، ولذلك كان لِخُروج الروح من الجسد شدَّةٌ عظيمة، ولعظيم وَقْعها على الإنسان، سمَّاها اللهُ سَكْرة، فقال: «وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ» وحين دنت ساعةُ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: «اللهم أعنِّي على سكرات الموت، لا إله إلا الله إن للموت لسكرات» فتشديد الموت على الأنبياء ليس نقصا فيهم ولا عذابا لهم، وإنما هو تكميلٌ لفضائلهم، ورفعٌ لدرجاتهم، ثم إن الله تعالى حين تعلَّقت إرادته بخلق الكائنات، اقتضتْ حكمتُه الباهرة أن يُجريها وفق قوانين ثابتة، لا تتخلَّف، ومنها الموت الذي قضاهُ على الإنسان قضاءً مبرماً، لا انفكاك لإنسان منه، تتعطَّلُ دون مَنْعِه الأسباب، وإن شئتَ قلتَ: تجري به الأسباب، وإذا كان أبعدُ شيء من الإنسان أمَلَه، فإنَّ أقربَ شيء إليه هو أجلُه، وقد كان الإمام الجليل أبو الوليد الباجي رحمه الله دائمَ التِّرداد لهذين البيتين: «إذا كنتُ أعلمُ علماً يقيناً ¿¿¿ بأن جميعَ حياتي كَساعةْ، فلِمْ لا أكونُ ضنيناً بها ¿¿¿ وأجعلُها في صلاحٍ وطاعةْ» فالمقدَّرُ كائنٌ لا محالة، ومن طريف ما يُحكى عن القائد الفذِّ موسى بن نُصير، وهو مَن هو في شجاعته وذكائه، لمَّا قدم بعد فتح الأندلس علَى الخليفة سليمان بن عبدالملك، بعد أنْ استدعاه الخليفة، وقد قيل إنه كان غاضباً عليه، ولا يَدري المؤرِّخون سبب غضب الخليفة عليه، ولا سبب اختفاء أخباره بعد استدعائه، قيل بأنه حين قَدِم، قال له القائدُ يزيد بن المهلب: أنت أدْهَى الناس وأعْلَمُهم، فكيف طرَحْتَ نفسك في يد سليمان؟ فقال موسى: إن الهدهد يَنظر إلى الماء في الأرض على ألف قامة، ويُبْصِرُ القريبَ منه والبعيدَ، على بُعْدٍ في التُّخُوم، ثم يَنْصِبُ له الصَّبيُّ الفخَّ بالدُّودة أو الحبَّة، فلا يُبْصِرُهُ حتى يَقَع فيه، وأنشدوا في ذلك: «وإذا خشيت من الأمور مقدَّراً ¿¿¿ وفرَرْتَ منه فنحْوَهُ تتوجَّهُ» ولعبد الحق الإشبيلي بيت أفضل من قصيدة: «قد يُساق المرادُ وَهْوَ بعيد ¿¿¿ ويُرَدُّ المرادُ وَهْوَ قريب» ومصداقُ ذلك قول الله تعالى: «اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ» فالمقاديرُ تُبطل التقدير، وتَنقض التدبير، فما أجمل وأعظم حُسن الظن بالله، وقد قيل: «إنَّ المقاديرَ إذا سَاعَدتْ ¿¿¿ألْحَقَتْ العاجِزَ بالقَادِرِ» جعلنا الله ممن قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يدخلون الجنة بغير حساب.