فيما لاتزال مناطق عديدة من إقليم اتشيه الذي ضربه الزلزال وأمواج المد العملاقة (تسونامي) معزولة عن العالم الخارجي بدأ إندونيسيون من أقاليم أخرى في التوجه إلى المنطقة بحثا عن محبيهم المفقودين في إقليم لاتزال الجثث وأكوام الحطام تتناثر فوق أراضيه. قسم كبير من العائدين إلى أتشيه والقادمين من جاكرتا جاءوا إلى عاصمة الاقليم باندا اتشيه على متن طائرات الاغاثة حيث استقبلتهم مشاهد الفزع والدمار. ومن هناك انطلقوا في جولات بحث يحدوها الامل في العثور على ذويهم وأصدقائهم. توجه فيرمان تود (28 عاما) وهو معلم رياضيات بمدرسة ثانوية في جاكرتا وارواندي 29 عاما استاذ فيزياء جامعي إلى المطار في جاكرتا وتمكنا من اللحاق بطائرة مكتظة بحمولات ضخمة من المواد الغذائية والادوية في طريقها إلى باندا اتشيه. ولدى وصولهما إلى المطار الكائن في أحد ضواحي العاصمة صدم الصديقان من فورهما بمشاهد الفوضى الضاربة في كل مكان، لاجئون في خيام متنقلة وآخرون يحاولون مغادرة المكان ومواطنون ينتظرون وصول محبيهم. واحد من هؤلاء هو عم لارواندي فقد خمسة من أفراد أسرته ومع هذا طمأن ابن أخيه أن والديه وأسرته على مايرام. استقل المدرسان حافلة صغيرة متجهة إلى المدينة. في البداية مرت الحافلة عبر حقول أرز خضراء تطوقها جبال شاهقة. لكن بعد دقائق فقط من الرحلة سلم سائق الحافلة اقنعة طبية للركاب لحمايتهم من الرائحة المتعفنة المنبعثة من جثث الموتى والتي بدأت تفوح في الهواء قبل أن تمر الحافلة بجوار مقبرة جماعية يجري أعدادها لدفن هذه الجثث فيها. اختفت حقول الارز اليانعة بسرعة وحلت محلها مشاهد محلات مغلقة ومتهدمة وكان بامكان الصديقين رؤية أناس متجمعين أمام أحد المحلات حيث كان رجل بالداخل يقوم بتوزيع مواد غذائية عبر فتحة بباب المحل المغلق. وأدت الطوابير الطويلة التي تشكلت للحصول على البنزين لتعطيل المرور تماما في أحد الشوارع. وبعد وصولهم لوسط المدينة توجه فيرماني وارواندي مباشرة إلى المسجد الرئيسي هناك حيث كان فيرمان يعيش ويعمل ولكنه الآن يمتلئ بالجثث والحطام. كان الجنود يضعون بعض الجثث في أكياس سوداء فيما كانت جثث أخرى منتفخة ملقاة تحت شمس الظهيرة الحارة. ومن شوارع العاصمة راح فيرمان وارواندي يشيران للحافلات العسكرية والمركبات الخاصة. يستقلان واحدة لابعد مكان يمكنها نقلهما إليه في طريقهما ثم يوقفان أخرى وهكذا. وعلى طول الطريق الرئيسي من وسط باندا اتشيه إلى قريته لونكانجان الواقعة على بعد 11 كيلومترا إلى الغرب كانت جثث رجال ونساء وأطفال قد تحللت في الشوارع شاهدا حطاما من كافة الاشكال والانواع. أثاث وأجهزة وشاحنات مدمرة وسيارات نقل كلها أطاحت بها الامواج العاتية. وأخيرا وصل فيرمان إلى قريته. وأسرع الخطى إلى منزله الذي كان لايزال قائما وإن خلا فناؤه إلا من بعض الحصير والوسائد والبطاطين. راح فيرمان وأبرواندي يناديان في المنزل عدة مرات دون مجيب. خلع فيرمان حذاءه ودخل واختفى في أحد الغرف تعالى بكاء بعض الاشخاص أعقبه صراخ ماذا حدث ماذا حدث. خرج معلم الرياضيات من الحجرة وهو يبكي ومعه ثلاث من شقيقاته وشقيق. كل أشقائه الذي يقول الآن إنه لم يرهم منذ أربع سنوات. كلهم أحياء. أمهم كانت قد ماتت قبل سنوات لكنهم الآن غير متأكدين من مصير والدهم الذي كان قريبا من الشاطئ عندما ضربته موجة تسونامي.. وبعد تعليقهما على رائحة الموت التي تفوح في كل مكان حول المنزل وحقيقة أن نحو نصف جيرانهم في المنطقة ربما قد هلكوا بدا الاشقاء وقد نسيا للحظة الدمار ومصير الاب وباتت الفرحة تملا جوانحهم لانهم لايزالون على قيد الحياة وقد صاروا معا مرة أخرى. يقول فيرمان: الحمد لله أن أسرتي بخير.