في الجزء الأول كان القول عن (العارفة) باعتباره حكيما صاحب دراية وقاضيا وحكما بين المتخاصمين موهوبا بفطنة، يقضي بمعرفة وعلم وخبرة ودلائل يستجلبها من تجارب حصلت في مجتمعه أو يقارن بين الأحداث ويقارب بين مسبباتها ويتوقع النتائج، حتى صار للعارفة بين البادية خاصة، مكانة مهمة لا يستغنى عنها، فحكمه يوقف سير المشكلات ويمنع تطور الخلافات ويزيل الاحتقان وينزع فتيل المناوشات والحروب كما أن في مجلسه الحل الأخير لما يطرأ في المجتمع. نستكمل في هذا المقال القول حول العارفة الذي وللأسف قل تناول الأخبار والمعلومات عنه وأغفلت قصصه وغابت عن مجالسنا اليوم كل أو جل أخباره وتجاربه، رغم أهميتها وصلاحيتها لكل وقت حيث تستند الحلول التي يتخذها العارفة على الفطنة وقوة الملاحظة وبعد النظر والموازنة بين الأعراف والأساليب وقناعات الأشخاص والرصيد السابق للمجتمعات من التجارب والعلوم والمعارف وما يؤمنون به من مبادئ وما يتبعونه من عادات وتقاليد. وكل هذه تفيدنا في تنمية قدرات ربما نحتاجها كقوة الملاحظة وتحري الصواب والتمييز بن الأقوال وقياس الأفعال وغيرها. فالعارفة يقدم لنا رصيدا كبيرا مهما لا يفترض أن نغفله أو نتجاهله لما له من أثر في مخزون المعارف والرصيد الذي يمكننا الاستفادة منه لحل مشاكل قد تكون مشابهة لما يحصل لدينا اليوم وتقف الحلول عاجزة عنها. والعارفة يختلف عن صاحب الفراسة، فالأول يستند على رصيد من التجارب والوقائع العملية ويمكن له أن يفسر ما يقوم به، كما أن تجربته يمكن تطبيقها فيما يماثلها وتتخذ أسلوبا واقعيا ملموسا ليس للحدس والهاجس النصيب الأكبر وإن كان لا يستبعد، لكن المعلومة الواقعية التطبيقية حاضرة عند العارفة يمكنه أن يشرحها ويفسرها ويثبت صحتها ويقنع المتلقي بأهميتها. وأما الفراسة فإنها موهبة يتمتع البعض بها، تمكنهم من محاولة الاستدلال على سلوك أو خفايا لدى شخص من الأشخاص يخفيها ويظهر خلافها، وكأن دور المتفرس في الآخرين يحلل الآخرين نفسياً من خلال الحركة والوجه وكثير من التصرفات، وأيضا الاستدلال على بعض الأشياء الخفية من خلال ما يظهر كأن يتفرس في مهر أو حصان فينسبه إلى سلالة معينة من خلال دلائل بينة، وقد يلتقي العارفة وصاحب الفراسة في أشياء كالفطنة وبعد النظر والقدرة على الملاحظة والتمتع بالذكاء وحصيلة كبيرة من المواهب، ولكنهما يختلفان في أن العارفة يستند على معلومة وتجربة وممارسة طويلة ورصيد من الخبرة في مجاله، بينما صاحب الفراسة يستند على موهبة وحدس قوي وفطنة، وفي الغالب يتولى العارفة مهمات إدارية ومنصب رئاسة العشيرة والقضاء بناء على علم ومعرفة، بينما صاحب الفراسة تبقى مواهبه وقتية ونادرة ومخصصة لحالات قليلة ولا تحال له قضايا المجتمع كما هو العارفة، وإن كان التداخل بينهما كبيرا ولعل كل عارفة لديه فراسة وليس العكس. ولكي نستمتع بقصة تظهر فيها الفطنة والمقدرة وبعد النظر استخدم فيها الحكم ما لديه من الخبرة وبعد النظر والموازنة والمقارنة بين العادات والتقاليد والعوامل الأخرى النفسية والتربوية والاستدلال من خلالها على أهمية البحث عن حل لمشكلة صعبت، نورد بعضا مما أشار إليه سليمان الحديثي مؤلف كتاب من مرويات الأمير محمد الأحمد السديري، ولكن باختصار شديد ونكتفي بفكرة القصة وخطوطها العريضة. ففي قصة (أبا اللميخ) وبعض أحكامه ما يطيب ذكره ويستأنس بعمله ويشتاق لقصص مماثلة لما حصلت منه وهو مشهور في عصره كما يقولون (ما هقاه أبا اللميخ). فقد كان (أبا اللميخ) صاحب مواقف تحمد له حيث يقوم بالفصل في الخصومات بين المتخاصمين في حالات غامضة متعددة، ولعل ولده زعل عليه في مرة من المرات طالبا من أبيه عدم تحمل مسؤوليات (قالات) تزحمه وتدخل شيئا في ذمته، كل ذلك خوفا من الولد على والده يأتي من يشهد وهو غير صادق أو يتحمل والده أمرا هو في غنى عنه. لكن هذا لم يثنه عن عمله واستمراره في حل المشكلات وقد رفض التخلي عن هذا الأمر واستمر يقضي بين المتخاصمين ويحل مشكلاتهم. فما كان من ولده بعد رفض والده إلا أن رحل متوجها إلى غير وجهة محددة، وبعد مسافة ثلاث ليال وصل إلى مكان فيه بيوت بادية فنوخ ذلوله (ناقته) قبالة بيت من البيوت، ولأنه ليس فيه إلا نساء بقي في مكانه وعند ذلوله، فتوسد وبقي ينظر إلى ما يجري قبالته، فرأى إحدى النساء بجوار قدر في وقت أهل البيت (يبقلون) أي يطبخون الاقط، ورأى امرأة أخرى أخذت الحبل والفأس وذهبت من البيت إلى ناحية شجر لكي تحتطب وأبعدت عن المكان. وهو في مكانه يرى الوضع بجوار ذلوله مستريح ووجهه قبلاتهم ينتظر عودة الرجال فيحل عليهم ضيفا. وفي أثناء هذا المشهد الذي يرى تفاصيله بكل وضوح، أخذت المرأة التي بجوار القدر ولدا صغيرا يحبو فألقت في القدر الذي يغلي، ومن لحظة إلقائه في القدر تمزق لأنه كما يقول الراوي صغير ولحمه يشبه الزبد. ثم صاحت مولولة تتهم تلك المرأة التي ذهبت بالفأس والحبل تحتطب، قائلة بأنها ألقت الولد في القدر، وكالت لها الشتائم والسباب. حضر الرجال، وهربت المرأة صاحبة الحبل والفأس خوفا مما يجري دون أن تفكر في الوضع على أي حال سيكون جراء هذه التهمة المفاجئة وبقيت المرأة الأخرى تكيل الاتهامات وتؤكد على ما حصل. هنا جاءت الفرصة السانحة لولد أبي اللميخ، فقد شهد كامل الوضع وعرف الجاني ورأى الوضع من أوله، فقال هذه فرصتي لتحويل القضية إلى الوالد لكي أعرف مدى قدرته على كشف ملابسات القضية تلك أم أنه يحكم جزافا دون قدرة ويقين. فتقدم إليهم وبين لهم أنه يعرف رجلا يحل مشكلتهم وأنه سيتولى مثل هذه القضايا، وهو في نفسه يقصد والده. رحل الجميع على مركوبتين أو مجموعتين، كل أهل امرأة في مجموعة للخصومة عند (أبا اللميخ). ولما وصلوا أشار الولد إلى بيت والده ولم يتقدم معهم لكي لا يراه والده، وهم لا يعرفون الولد وقد بقي بعيدا، لكن يرقب الوضع من بعيد. أخبروا أبا اللميخ بالقضية وما حصل. انفرد (أبا اللميخ) بالمرأة صاحبة الحبل والفأس وقال لها: انه ليس معك من يشهد لك بالبراءة، وأنت محل تهمة فالمرأة الأخرى لن تلقي بولدها وسوف تذبحين جزاء ما حصل منك، وليس لك سوى حل واحد، وهو أن تذهبي إلى البطين البعيد ذاك الذي ترينه، ثم تتجردي من ملابسك كلها وتأتين مقبلة علينا ليس عليك شيء، هذا هو الذي يبرئك، وإلا فإنك سوف تذبحين. وهذا الكلام لا يسمعه أحد غيرها، فذهبت ثم بقيت هناك وجاءت لم تنزع من ثيابها شيئاً. قال لها، لماذا لم تفعلي؟ قالت له: الموت أهون علي من نزع ملابسي. تركها، ثم انفرد بالأخرى وقال لها مثل ما قال للأولى، وقال: ليس معك شهود عليها، وليس لك حق، وأكد على أنها هي التي رمت ولدها في القدر ولا يبرئها إلا أن تذهب إلى البطين البعيد وتجدع ملابسها وتأتي ليس عليها شيء. ثم ذهبت فمكثت قليلا وجاءت متجردة من ملابسها بدون حياء. فقال أبا اللميخ: هذه هي ذباحة الولد اللي تجروت على هالأمر تجروى على أزود. وكانت المرأة صاحبة الفأس والحبل ضرة لها وتريد التخلص منها فاتهمتها بذلك وهي بريئة. وكان كل هذا الذي جرى تحت سمع وبصر ولده الذي يرقب الوضع ليتأكد من أن والده يحكم في قضايا بحكمة وبعد نظر ويصل إلى حل صحيح. فحضر الولد وقال لهم: يا جماعة أنا ولد أبا اللميخ وأنا (ناهج)، تركت أبي معترضا عليه وطالبا منه ترك حل المشاكل خوفا لا يزحمن القالات ذمته يحضر شهود صادقين أو كاذبين، لكن أنا أشهد بالله يوم أوافي ربي عاري زاري إني أشوف هذي يوم تجدع الولد، إن هذيك تحطب بالروض، وهذي عند القدر وإني أشوفه هي يوم تقضبه بيده وتطوحه في القدر. وبذلك تنتهي قضية ليس فيها شهود سوى ولد أبا اللميخ الذي ظهر أخيرا ليؤكد لنفسه فقط، مصداقية الحكم بعدما اطمأن إلى أن والده لديه دراية ومقدرة على كشف خفايا القضايا المعقدة. ونختم بأبيات لعبد العزيز الحسن يقول: بعض البشر مثل النجوم المراهيش أنوارهم تزهى بالافراح بشّه أفكارهم زي العقول المعاطيش في الدين والدنيا للاخيار هشّه وبعض البشر عقله من التبن والخيش لو زان شكله داخل الراس عشّه لاتنخدع بأهل الحكايا المنافيش وان عارضك منهم خبل طيش فشّه منهم ثقيل الدم أبو هرج تحريش يلصق معك يوذيك ترديد حشّه ومنهم كريه النفس أبو عين تفتيش دوّار كالرادار حقده يوشّه متفرّغ للشر يتبعك بشويش سمّه على محصول جهدك يرشّه ومنهم خبيث اطباع أبو فكر تشويش ثعبان غدره في البشاشه يخشّه