أسفرت الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية عن دويهية اصفرت منها أنامل المحتفين بالانتفاضة المصرية, فلقد حملت الفريق: أحمد شفيق, وهو من خُلَّص النظام السابق, على أكف الضراعة ليزاحم المرشح الإخواني الدكتور: محمد مرسي, على سلم الوصول إلى سدة الرئاسة. وبغض النظر عما ستؤول إليه جولة الإعادة, حتى وإن كسب مرشح الإخوان الجولة, إلا أن منافسة شفيق له إلى حد تَنادَى فيه كبراء الإخوان لعقد تحالفات مع مرشحي الرئاسة الخاسرين لإنقاذ مرشحهم من الغرق, يؤكد أن رسالة الناخب المصري قد وصلت إليهم, وإلى غيرهم من القوى السياسية في مشهد ما بعد الانتفاضة, كاملة غير منقوصة. الناخب المصري الذي حمل الإسلاميين بكل قضهم وقضيضهم إلى حيث رأس سنام مجلسي الشعب والشورى, هو نفسه الذي يحاول اليوم أن يضربهم بشخص ليس محسوباً على النظام السابق فحسب, بل إنه علماني حتى النخاع, لا يستنكف أن يفاخر بعلمانيته اللائكية في كل مناسبة يحضرها ثمة إرهاصات لذلك الانقلاب المفاجئ لا تخفى على اللبيب, منها أن المزاج المصري العام, لما بعد الثورة لم يعد حفياً بالإرجاف السياسي الذي تتولى كبره كافة القوى السياسية التي اعتلت مشهد ما بعد الانتفاضة على اختلاف يافطاتها, من إخوان وسلف وليبراليين وغيرهم, وما صاحب ذلك الإرجاف من فجاجة في العمل السياسي, وقصور في فهم مزاج الشارع, ودونية في استشراف المستقبل, واستصحاب لشعارات قروسطية طائفية تفرق بين المرء وأخيه, وأمه وأبيه, وصاحبته التي تؤويه. راقب المصريون أداء أعضاء البرلمان الذين انتخبوهم فأطرقوا رؤوسهم خجلاً لمَّا رأوهم وقد توزعوا ما بين رافع للأذان وكأنه في منارة مسجد, وما بين مؤيد له ومعارض, وآخرين من شكلهم أزواج, أما حقوق الناخبين واحتياجاتهم فساربة بالنهار, لا تُستأمر إذا حضرت, ويقضى الأمر حين تغيب! هذا الواقع المزري المنذر بمستقبل مرعب ربما يود فيه المصري أن لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه, دفع الناخب المصري إلى أن يستنجد برجل محسوب على النظام السابق, عملاً بالمثل الدراج "وجه تعرفه, ولا وجه تنكره". وكأني بالناخب المصري, وقد ازور من وقع قنا الجماعات الأصولية, فبحث عمن يوفر له حداً أدنى من الأمن وعيش الكفاف, وهما ما كان النظام السابق يوفرهما له على الأقل, وبهما تميز عن من خَلَفوه, ممن أحالوا أرض الكنانة إلى يباب ينعق فوقها البوم. لم يكن هذا الانقلاب مفاجئاً بالنسبة لي, فلقد تنبأت به قبل, غير أني لم أتوقع أنه سيكون بهذه السرعة. فلقد كتبت مقالاً في( 3/3/2012م ) جعلت عنوانه: "الانتفاضات العربية: الماضي أفضل من الآتي", قلت في ثناياه ".. كانت الانتفاضة ضد مبارك تتوشح أردية الديمقراطية والحرية والمدنية, وما أن انقلب مبارك على عقبيه وغادر المشهد, حتى تداعى الأكلة الأصوليون على القصعة السياسية, وهم يتهارشون تهارش الحمر, ولن يمضي وقت طويل حتى يتنادى المصريون: وامباركاه, بعد أن يخلفه خلفاؤه في شعبه شر خِلفة", ويبدو لي أن حصول الفريق: أحمد شفيق على نسبة تقترب من نصف أصوات الناخبين كان مصداقاً لما تنبأت به. ظني, وبعض الظن ليس إثما هنا, أن الناخب المصري لما رأى غبار القوى السياسية التي أفرزتها الانتفاضة عارضاً مستقبل أوديته, حسبه عارضاً ممطره, فلما استيقن أن ما استعجل به من انتخابه للأصوليين قد تكون ريحاً فيها عذاب أليم, فكر وقدر ثم نظر, وأعاد البصر كرتين, ثم قرر أن يوجه رسالة من تحت الماء إلى خَلَف مبارك, من قوى الإسلام السياسي بالذات, مضمونها : نار شفيق ونظرائه من العلمانيين, أفضل من جنتكم التي تعدون بها المصريين وتمنونهم. الناخب المصري الذي حمل الإسلاميين بكل قضهم وقضيضهم إلى حيث رأس سنام مجلسي الشعب والشورى, هو نفسه الذي يحاول اليوم أن يضربهم بشخص ليس محسوباً على النظام السابق فحسب, بل إنه علماني حتى النخاع, لا يستنكف أن يفاخر بعلمانيته اللائكية في كل مناسبة يحضرها. لا أجد نفسي ميالاً إلى ربط صعود نجم شفيق بلعبة سياسية ابتدرها المجلس العسكري, كما يزعم المفجوعون من النتيجة, ذلك أنه, أعني المجلس العسكري, كان في فسحة من أمره ليفرض أجندته ومرشحيه على انتخابات مجلسي الشعب والشورى, وهما موقعان مفصليان في الحياة السياسية القادمة, فلما لم يفعلها أثناء انتخابات ذانك المجلسين, وخاصة الأول منهما, فإني أكاد أجزم بأن المجلس لم يأمر بهذا الانقلاب المفاجئ, ولم يسؤه على أي حال! كما لا أجدني منقاداً إلى تلك النخب الذين ساء صباحُها بصعود شفيق, فقرنوا صعوده بدعم إعلامي قوي تولى كبره فلول النظام السابق, بصفتهم, كما يزعمون, مُلاكاً لكثير من القنوات الفضائية والمراكز الإعلامية, ذلك أن هذا الإعلام كان أيضاً حاضرا, ومحظياً بذات الفرصة, إبان الانتخابات البرلمانية, ومع ذلك, لم يستطع حينها أن يؤثر على قرار الناخب المصري في انتخابه للإخوان وللسلف, فلما يكن هذا لم يكن ذاك, وما ربك بظلام للعبيد. خاطرة لا يكافئ جريمة قرية الحولة السورية التي تولى كبرها النظام البعثي المجرم في دمشق إلا جريمة (سيربينيتشا) التي نفذها عام 1995م الجزار الصربي: "رادوفان كراجيتش" زعيم صرب البوسنة, بمساعدة القائد العسكري لحرب البوسنة, الجزار الآخر: "راتكو ملاديتش". وإذا كان أركان النظام اليوغسلافي الذين أداروا حرب البوسنة من بلغراد, كما زعماء صرب البوسنة, قد أحيلوا إلى مزبلة التاريخ, فمنهم من قضى نحبه, ومنهم من ينتظر في محكمة العدل الدولية, فإننا واثقون بأن الله تعالى سيُلحق بهم هولاكو العصر: بشارَ الأسدَ, وزمرتَه من النازيين الجدد. وعلى العالم الحر أن يعلم أن آزفة النظام السوري قد أزفت, ومن ثم فلا معنى سياسيا, ناهيك عن المعنى الأخلاقي, لخذلانه حرائر وأطفال وشيوخ وعجائز المدن والقرى السورية, وهم يقتلون ويصلبون وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف, وتنتهك أعراضهم, ويُخرجون من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. ملحوظة: كنت قد وعدت القارئ بأن أستعرض في مقال اليوم نماذج مما جرى بين الفصيلين الإسلاميين الكبيرين: السنة والشيعة، بعد أن استعرضت في الأسبوع الماضي نماذج من الصراع الدامي بين الفصيلين المسيحيين: الكاثوليك والبروتستانت, إلا أن طغيان الأحداث السياسية أجَّل ذلك إلى الأسبوع القادم إن كان في العمر بقية.